مهندسة فلسطينية تبرع في زراعة ثمرة "الأمل الأزرق"

وقفت أماني ذات صباح، تتأمّل الأرض، تحمل في يدها فكرة وفي قلبها شغفاً لا يلين. كان السؤال الحاضر أبداً: كيف لهذه النبتة "الوافدة" و"المدللة"، التي تتطلّب مناخاً خاصاً وتربة حمضية بالغة الدقة، أن تجد لنفسها بيتاً ومستقراً بين صخور طوباس وترابها؟

0:00
  • "البلوبيري" ثمرة "الأمل الأزرق" (صورة أرشيفية - ويكيبيديا)

تتربّع مدينة طوباس الفلسطينية في الضفة الغربية، على هضبةٍ ترتفع نحو 300 متر فوق سطح البحر، وتتميّز بموقعٍ استراتيجي فريد جعلها تاريخياً ممراً حيوياً للقوافل. وتطلّ المدينة من جهة الشرق على غور الأردن الشاسع وهو السلة الغذائية الهامة، بينما تحرسها من الشمال جبال جلبون الشامخة.

لم تعتد مدينة طوباس ،على زراعة"التوت الأزرق" (Blueberries) أو "توت العليق"، كانت الأرض تعتمد على زراعتها التقليدية منذ الأجداد، ولطالما كانت وفيّة لقمحها، وزيتونها، وخضار سلالها التقليدية. لكنّ المهندسة الفلسطينية الشابة والمتقدة نشاطاً أماني أبو نعيم قرّرت أن تكسر نمطية المشهد، لا رفضاً للتاريخ، بل رفداً له بالفرادة.

"خلف كلّ حبة توت زرقاء، هناك حكاية صبر فلسطيني يعجن شمس الأغوار ببرودة المرتفعات، لينتج حلاوة عصية على الانكسار".

كيف تزرع النبتة "المدللة"؟

وقفت أماني ذات صباح، تتأمّل الأرض، تحمل في يدها فكرة وفي قلبها شغفاً لا يلين. كان السؤال الحاضر أبداً: كيف لهذه النبتة "الوافدة" و"المدللة"، التي تتطلّب مناخاً خاصاً وتربة حمضية بالغة الدقة، أن تجد لنفسها بيتاً ومستقراً بين صخور طوباس وترابها؟

عقبات في وجه الزراعة الفتية

الخطوة الأولى لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت محاطة بالتحدّيات وعرَق التجربة. فزراعة التوت الأزرق في فلسطين وافدة وحديثة.

ولعل أهمّ العقبات التي تواجه هذه الزراعة الفتية هي:

-هندسة التربة: واجهت أماني تحدّي حموضة التربة المحلية التي لا تتناسب طبيعياً مع احتياجات شتلات التوت. بذكاء وعلم، تمّت تهيئة "البيتموس" والأوساط الزراعية الخاصة لخلق بيئة مثالية تحاكي مواطن النبتة الأصلية.

وسماد "البيتموس" (Peat Moss) هو مادة عضوية إسفنجية تتكوّن من تحلّل طحالب المستنقعات. يُعدّ من أهمّ الأوساط الزراعية لخفّة وزنه وقدرته الفائقة على الاحتفاظ بالماء وتوفير التهوية للجذور. نظراً لافتقاره للمغذيات، يُباع غالباً مخلوطاً بإضافات زراعية أخرى. 

-شحّ المياه وملوحتها: في ظلّ ظروف معقّدة يعيشها المزارع الفلسطيني، كانت قطرة الماء بمثابة شريان الحياة الذي يجب إدارته بـ "القطارة" والتقنيات الحديثة.

-الدفء المباغت والبرودة المطلوبة: الموازنة بين طقس المدينة المتقلّب وتوفير ساعات البرودة اللازمة لإزهار التوت الأزرق وتوت العليق.

بين دفيئة زراعية وأخرى، كانت أماني تتنقل كأم ترعى صغارها. تراقب نمو الأوراق، وتتحسّس حبات التوت الخضراء وهي تتحوّل رويداً رويداً إلى اللون البنفسجي، ثمّ إلى الأزرق الداكن الساحر المغطى بتلك الطبقة الشمعية التي تشبه ضباب الصباح.

من الفكرة إلى حبة التوت الذهبية

 "بلوبيري فارم" ليس مجرّد مشروع اقتصادي يهدف للربح، بل كان بياناً عملياً على قدرة المرأة الفلسطينية على الابتكار وإدخال زراعات استثنائية تسهم في تحقيق سيادة زراعية وطنية وتوفير بديل محلي فاخر لفاكهة طالما احتكرتها الأسواق المستوردة بأسعار خيالية.

تقف أماني أبو نعيم وسط مزرعتها، يحيط بها عبق توت العليق المتسلّق وشجيرات التوت الأزرق الواعدة. تنظر إلى ثمار جهدها وهي تُقطف بحبّ، وتدرك أنّ الخطوة الأولى، وإن كانت شاقة، قد شقّت طريقاً جديداً للأجيال القادمة في قطاع الزراعة الريادية.

"أمل أزرق اللون"!

إنها طوباس مجدّداً، لا تكتفي بتقديم الشهداء والقمح، بل تقدّم اليوم للعالم دليلاً جديداً على غزارة العطاء. فأماني أبو نعيم لم تزرع توتاً فحسب، لقد زرعت أملاً أزرق اللون، يثبت للعالم أنّ الأرض لمن يعشقها، ومن يرويها بدموع التعب وعرق الأمل.

ويُعدّ العنب البري (البلوبري) مجموعة واسعة الانتشار من النباتات المزهرة المعمّرة التي تنتج ثماراً زرقاء أو أرجوانية اللون.

وتُصنَّف هذه النباتات ضمن قسم "سيانوكوكوس" (Cyanococcus) التابع لجنس "فاكسينيوم" (Vaccinium).

وموطن جميع أنواع العنب البري التجارية—سواء البرية منها (ذات الشجيرات المنخفضة) أو المزروعة (ذات الشجيرات المرتفعة)—الأصلي في أميركا الشمالية، في حين أُدخلت الأصناف ذات الشجيرات المرتفعة إلى أوروبا خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

اقرأ أيضاً: مسنّة فلسطينية تزرع الفراولة والأمل تصدياً للمحتل

 

اخترنا لك