من جنوب لبنان إلى الشوف.. شجرة تروي حكاية!
من بين الركام… نبتة شبيهة بشجر الأرز الشامخ تروي حكاية الجنوب اللبناني، فبين "بدياس" الجنوبية و"مزرعة الشوف" في جبل لبنان مسافة تمتد على مسافة 72 كيلومتراً من التواصل والتفاعل والقيّم الإنسانية والوطنية، حيث تتلاقى روابط وتوثّق عرىً ووشائج..
-
النبتة - الشجرة في مكتب مديرة المدرسة كرما البعيني (غرافيك: ندين بدر الدين)
كما في كلّ محطات الألم الكبرى التي مرّ بها لبنان على الرغم من الأطماع الإسرائيلية، من اجتياح 1982، إلى عدواني 2006 و2024 ومن ثمّ 2026 يتكرّر المشهد نفسه بصيغة أكثر إنسانية: بلدٌ مثقل بالجراح، لكنه لا يتخلّى عن نفسه.
فقد هبّ اللبنانيون، في غالبيتهم الساحقة، لاحتضان أهلهم الوافدين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، متجاوزين الانقسامات، ومؤكّدين أنّ ما يجمعهم يتفوّق على ما يفرّقهم، رغم بعض الحالات الاستثنائية المقصية التي لا تعكس المزاج العامّ.
هناك من قلب قضاء الشوف الأعلى، في جبل لبنان وتحديداً، في بلدة مزرعة الشوف شهدنا احتضاناً تفاعلياً، وارفاً، مميّزاً..
ومع وفود الأهالي من جنوب لبنان إلى الجبل، احتضنت بلدة ومدرسة مزرعة الشوف الرسمية عائلاتٍ من قرى وبلدات جنوبية متعدّدة عام 2024..
تفاعُل جميل مع الأهالي الضيوف
لكن ما ميّز هذا الوجود، هو التفاعل الجميل الذي اعتُبر نموذجاً يحتذى به، فالأهالي الضيوف اعتبروا "أنهم في بلدتهم"، فقاموا بأعمال صيانة وتأهيل لمرافق في المدرسة،مع لحظهم لترك رسومات تعبّر عن الرقيّ والحضارة في باحاتها وملاعبها.
وفي تعبيرٍ حضاري عن محبّة أهلنا الوافدين من الجنوب اللبناني وطيبتهم ونقاء معدنهم، بادَر الوافدون إلى طرح فكرة دهن وتزيين جدران المدرسة الخارجية، لا بل أصرّوا على ذلك، كنوع من التعاون والامتنان للمكان الذي استضافهم، حتى أنهم رسموا شعار المدرسة بألوانه المتعدّدة.
زيارات متبادلة
صاحب المبادرة هو جمال خليل حمزه نازح مقيم في البلدة وهو مدير مدرسة الناقورة سابقاً، كما ساعد الأهالي من نازحين ومقيمين في تنفيذ ذلك، بالتوازي، عمل محمود أحمد قعفراني من بلدة بدياس في قضاء صور على إصلاح الأعطال، وأبدى استعداده لصيانة ما يلزم..
اقرأ أيضاً: بالمغلي والزينة.. عندما احتفى لبنانيون بولادة طفل من الجنوب
"هم بهذه الطريقة الحضارية يملأون وقت فراغهم ويعبّرون عن امتنانهم ويتركون بصمتهم ونحن خجلون تجاه مبادراتهم"، هذا ما قالته المربية كرما البعيني، مديرة المدرسة للميادين نت حينها، فالخطوة ستعزّز من خطوات التواصل وتوثّق عرى العلاقات بعد انتهاء العدوان.
-
من أعمال رسم أهالي جنوب لبنان على جدران مدرسة مزرعة الشوف
زيارات ونشاطات متبادلة
وبالفعل، لم تكن تلك الخطوة عابرة، فقد وطدّت علاقة بين أهل الوطن الواحد، وبالفعل فقد تواصلت العلاقة المميّزة عبر زيارات من مزرعة الشوف إلى جنوب لبنان،ومشاركة أهالي الجنوب في حفل نهاية العام الدراسي في المدرسة، وكلّ ذلك خلال فترة توقّف إطلاق النار، الذي كان الاحتلال يخرقه يومياً باعتداءات واغتيالات.
مع العدوان الأخير، المستمر بكلّ أشكال إجرامه، عاد قسمٌ من أهلي الجنوب إلى المدرسة نفسها، ليكونوا بين أهلهم.. وبعيد إعلان "هدنة" ظنّت السيدة إيمان قعفراني أنّ باستطاعتها العودة إلى بلدتها "بدياس" في قضاء صور، لكنّ يد العدو كانت قد دمّرت المنزل، كما تمعن في ذلك يومياً!
بين "بدياس" و"مزرعة الشوف
بين "بدياس" و"مزرعة الشوف" مسافة تمتد على مسافة 72 كيلومتراً.. من التواصل والتفاعل والقيّم الإنسانية والوطنية..
هنا تتلاقى روابط وتوثّق وشائج وعرى..
لا تبقى الحكايات مجرّد سردٍ للألم، بل تتحوّل إلى شهادات حيّة على قدرة الناس على إعادة إنتاج الأمل… حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وفي لحظةٍ تبدو عادية انبثقت حكاية لا تشبه سواها، لم تكن كلمة هامشية، بل شهادة حيّة تختصر معنى الصمود، وتعيد تعريف الأمل حين يُولد من قلب الدمار. هناك، وقفت السيدة إيمان قعفراني، النازحة من بلدة بدياس في قضاء صور، لتروي قصتها… قصة نبتة.
تقول إيمان للميادين نت، بصوتٍ لا يخلو من ارتجاف الذكرى: "رغم كلّ الدمار اللي صار ببيتي بالجنوب، كان فيه نبتة خضرة بعدها واقفة. "كانت لحالها، كأنها عم تتحدّى كل شي حواليها".
النبتة الرمز التي ترفض الاستسلام
تتوقّف قليلاً، ثم تبتسم بحزن خفيف: "هي مش نبتة أرز، بس بتشبهها كتير… يمكن لأن الأرز بالنسبة إلنا مش بس شجرة، هو معنى. حسّيت إنها متلي، رافضة تستسلم".
في تلك اللحظة، لم تعد النبتة تفصيلاً صغيراً نجا من الدمار الممنهج فقط، بل تحوّلت إلى رمز..
-
النبتة الجملية داخل المنزل الذي دمره الاحتلال
حملتها إيمان بين يديها، كما لو كانت تحمل جزءاً من بيتها، أو ما تبقّى من ذاكرة، وقدّمتها إلى مديرة المدرسة، في مبادرة بدت بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في معناها.
"كمان فينا نكفي"..
تكمل وفي قلبها غصّة: "خطر ببالي إنه مثل ما هالنبتة بعدها واقفة، نحنا كمان فينا نكفّي"، تقول إيمان: "يمكن شي صغير، بس كان لازم قول إنه بعد في حياة".
في هذه الهنيهات، لا يعود الانتماء الجغرافي فاصلاً، بل يتحوّل إلى مساحة مشتركة من العيش والتكافل.
هكذا، لا تبقى الحكايات مجرّد سردٍ للألم، بل تتحوّل إلى شهادات حيّة على قدرة الناس على إعادة إنتاج الأمل… حتى في أكثر اللحظات قسوة.
-
لقطة للنبتة قرب الدمار في جنوب لبنان
في سياقٍ اعتادت فيه الحروب أن تُنتج صوراً متشابهة من الخسارة، جاءت هذه النبتة لتكسر النمط. لم تكن فقط بقايا حياة، بل إعلاناً صامتاً بأن ما لا يُرى أحياناً هو الأكثر صلابة.
"أمل ما بينكسر"
تشرح السيدة الجنوبية: "يمكن فقدت جزء من بيتي، بس ما فقدت إيماني إنه رح نرجع. الحجر بينكسر، بس الإنسان إذا ظل عنده أمل ما بينكسر".
-
الشجرة في طريقها من الجنوب إلى جبل لبنان!
هذه العبارة، التي خرجت بعفوية، تختصر مأثرة كاملة عن البقاء. فبين الدمار المادي والانكسار النفسي، تختار إيمان أن تقف في المسافة الفاصلة، حيث يولد المعنى من جديد.
ردّ المدرسة: حين تتحوّل المبادرة إلى رمز
لم تمرّ المبادرة مرور الكرام، فقد رأت فيها مديرة المدرسة، كرما البعيني، ما هو أبعد من لفتة إنسانية. في ردّها على إيمان، أعادت صياغة الحكاية بلغةٍ تجمع بين الواقع والرمزية: "لبنانية المواطَنة، جنوبية الانتماء، فُرض النزوح عليها. عادت إلى منزلها بعد وقف إطلاق النار، لتجده متضرّراً… إلا من نبتة أرز خضراء شامخة بين الركام، أعطتها الأمل في البقاء والتحدّي. ما من شيء يكسرها".
تضيف المديرة التي بذلت مع معلمات المدرسة الجهود المميّزة في سبيل راحة الضيوف الجنوبيين وأطفالهم: "هذه الأرزة ستبقى رمزاً للوحدة الوطنية والتكاتف، على أمل أن يعود الجنوب الأخضر، جنوب الأمان والسلام".
المعلّم في المدرسة لواء حسون البعيني قال مخاطباً السيدة الجنوبية: "ما جئتِ به ليس نبتةً تُغرس… بل سلالةُ روحٍ من بيوتِ الأصالة، من عتباتٍ شهدت قيام الأهل على الوفاء، ومن جدران إذا أُصيبت تألّمت بكرامةٍ لا تعرف الانكسار. اقتلعتِها من بين الأذى كما يُنتشل القلب من الرماد، وحملتِها كأمانةِ الدار وميثاقها الخفيّ. هنا لن تُزرع في التراب فحسب، بل في الصدور، سنحرسها كما يُحرس المجد، ونرويها بما تبقّى فينا من يقين بأنّ البيوت التي تعمّدت بالعزّ، إن جُرحت، تزداد رسوخاً، ولا تموت..".
اقرأ أيضاً: من جبل لبنان إلى "جنوبنا وجذوره"
إذاً، هكذا خرجت النبتة من إطارها الفردي، لتصبح مُلكاً جماعياً. لم تعد تخصّ إيمان وحدها، بل تحوّلت إلى قصة مشتركة، يقرأ فيها كل نازح، وكل عائد، جزءاً من نفسه.
رئيس البلدية: الأرزة صارت جسراً
في خلفية هذه الحكاية، تقف مزرعة الشوف، البلدة التي استقبلت النازحين، واحتضنتهم بما تيسّر. هنا، لا تُروى القصة فقط من زاوية الألم، بل أيضاً من زاوية التضامن.
يقول رئيس البلدية الذي يصل مع أعضاء المجلس البلدي الليل بالنهار، نصر رامز البعيني: "ما مررتم به ليس سهلاً، ومغادرة المنازل قسراً تترك في القلب أثراً عميقاً. لكن ما شهدناه هو أن اللبناني لا يترك أخاه وحيداً".
ويضيف: "الأرزة التي قُدّمت للمدرسة لم تعد مجرد نبتة، بل صارت جسراً يجمع بين أبناء الوطن الواحد".
-
أمسىت النبتة - الأرزة رمزاً لأهل الوطن الواحد
البعيني: اللبناني لا يترك أخاه وحيداً
في هذا المعنى، تصبح مزرعة الشوف أكثر من مكان. تتحوّل إلى فكرة: أن الانتماء لا يُقاس بالجغرافيا فقط، بل بالقدرة على العطاء والاحتضان.
في نهاية الحديث، تعود إيمان إلى صورتها الأولى، تلك التي رأت فيها النبتة للمرة الأولى بين الركام. لكن هذه المرة، يبدو المشهد مختلفاً. "هيدي النبتة اليوم مش بس إلي"، تقول."صارت لكل حدا بعده متمسك بالحياة".
-
رئيس البلدية: اللبناني لا يترك أخاه
ثم تضيف، وكأنها تخاطب المستقبل: "إن شاء الله منشوف بعض بظروف أحسن… وإن شاء الله منستضيفكم بالجنوب، مثل ما استضفتونا هون".
لم تعد النبتة تفصيلاًَ صغيراً نجا من الدمار الممنهج فقط، بل تحوّلت إلى رمز..
في هذه الجملة الأخيرة، يكتمل المشهد. فالحكاية التي بدأت من بيتٍ مدمّر، تنتهي بوعدٍ بالعودة.
وبين البداية والنهاية، تقف نبتة صغيرة… تشبه الأرز، وتشبه الناس الذين يرفضون السقوط. هي ليست فقط نبتة إنها ذاكرة حيّة تقول: هنا مرّ العدوان… لكن الحياة باقية.
