متزلجو الأمواج في غزة يتمسكون بالحياة: البحر متنفّس مؤقت
بينما تغيب الشمس كل مساء خلف أفق البحر المتوسط، وتنعكس ألوانها الأخيرة على أمواج شاطئ غزة، يواصل هؤلاء الشبان مطاردة أمواجهم وأحلامهم في آن واحد، مؤمنين بأن الرياضة قادرة على منحهم نافذة على العالم حتى في أصعب الظروف.
-
راكبو الأمواج في غزة يتمسكون بالحياة (الصورة: arabic.news.cn)
في ساعات الغروب من كل يوم، يندفع خليل أبو جياب، بلوحه فوق أمواج البحر المتوسط قبالة شاطئ مدينة غزة، متمايلاً مع حركة الماء صعوداً وهبوطاً، فيما يشق طريقه بين الموجات المتلاحقة بثبات اكتسبه عبر سنوات طويلة من التدريب.
ومع كل ارتفاع للموجات يشعر الشاب الفلسطيني وكأنه يحلق للحظات في عالم آخر، بعيداً عن أجواء الحرب والضغوط اليومية المحيطة به.
ويقول أبو جياب إنه يحرص على التوجه إلى البحر مع ساعات الغروب من كل يوم كلما سنحت له الفرصة.
اقرأ أيضاً: "مونديال" غزة: لاعبات مميزات على عكازات!
ويضيف "في ذلك الوقت، تنعكس أشعة الشمس الذهبية على سطح البحر المتوسط، وتتراقص خيوط الضوء فوق الأمواج المتكسرة، بينما تمتزج ألوان السماء البرتقالية والحمراء بزرقة المياه في مشهد أشعر بأنه متنفسي الوحيد والنادر وسط واقعنا المأساوي الذي نعيشه".
التجربة تتجاوز حدود الرياضة
وبين حركة الأمواج ورذاذ المياه المالحة الذي يلامس وجهه مع كل اندفاع، يقول أبو جياب إن التجربة تتجاوز حدود الرياضة، إذ تمتد إلى إحساس عميق بالتحكم والتوازن، وكأن السيطرة على اللوح الخشبي فوق الموج تمنحه شعورا بإمكانية السيطرة على مسار حياته رغم الفوضى المحيطة.
مساحة للهروب المؤقت
ويتابع "عندما أستطيع الوقوف فوق اللوح ومواجهة الموج، أشعر أنني أستطيع السيطرة على حياتي أيضاً ... هذا الشعور يعطيني أملا بأنني قادر على الاستمرار رغم كل ما يحدث حولنا".
بالنسبة لأبو جياب، أصبح البحر مساحة للهروب المؤقت من أعباء الحياة اليومية، ومكاناً يستعيد فيه شعوره بالأمل في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة.
ويشرح الشاب الفلسطيني أن رياضة ركوب الأمواج ليست مجرد هواية أو نشاط رياضي، بل أسلوب حياة رافقه منذ الطفولة.
رغم الدمار والحصار
— Rashid_Almethen (@rashidalmethen) June 30, 2026
يبقى بحر غزة المتنفس الوحيد للعائلات والأطفال pic.twitter.com/7mOq64GORc
غير أن هذه اللحظات الهادئة فوق سطح البحر تخفي وراءها واقعاً أكثر تعقيداً، إذ أثرت الحرب على مختلف جوانب الحياة في غزة، بما في ذلك الأنشطة الرياضية التي شهدت تراجعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة.
اقرأ أيضاً: العالم يحتفل بكأس العالم.. والاحتلال يمحو مقومات غزة الرياضية
فقبل الحرب، كانت شواطئ قطاع غزة تشهد نشاطاً متزايداً لراكبي الأمواج الذين اعتادوا التدريب بشكل منتظم والاستفادة من الطبيعة الساحلية للقطاع.
وكان العديد منهم يطمح إلى المشاركة في بطولات خارجية واكتساب خبرات جديدة من خلال الاحتكاك برياضيين من مختلف دول العالم.
ويعد أبو جياب من أبرز الوجوه الشابة في هذه الرياضة، إذ بدأ ممارستها في الخامسة من عمره على يد والده الذي حرص على تعليمه أساسيات التوازن فوق اللوح وكيفية التعامل مع الأمواج.
ويستذكر أبو جياب قائلا "علمني والدي ركوب الأمواج منذ طفولتي، حيث كبرت وأنا مرتبط بالبحر، وأشعر أن جزءاً كبيراً من حياتي تشكّل فوق هذه الأمواج".
ويوضح أن أحلامه لم تكن تقتصر على ممارسة الرياضة داخل غزة، بل كان يتطلع مع زملائه إلى تمثيل فلسطين في المسابقات الدولية وتطوير مهاراتهم من خلال التدريب خارج القطاع.
اقرأ أيضاً: "كش ملك" الشطرنج في غزة.. يتحدى الاحتلال
ويقول بينما كان ممسكاً مزلاجه المتآكل "كانت لدينا طموحات كبيرة بالسفر والمشاركة في بطولات عالمية والتعرف إلى رياضيين من دول مختلفة، لكن الظروف الحالية جعلت الوصول إلى هذه الأحلام أكثر صعوبة".
ومن أجل تلك الأحلام، شكل أبو جياب قبل الحرب مع مجموعة من أصدقائه فريقاً لرياضة ركوب الأمواج ضم 17 لاعبا، وكانت التدريبات تقام بصورة منتظمة على شاطئ غزة، حيث كان اللاعبون يلتقون بشكلٍ شبه يومي لممارسة الرياضة وتطوير مهاراتهم.
الحرب غيّرت الكثير من التفاصيل
لكن الحرب غيّرت الكثير من تفاصيل هذا المشهد، فمع تزايد التحديات اليومية وانعكاسات الأوضاع الإنسانية على مختلف القطاعات، تراجعت التدريبات الجماعية بشكل ملحوظ، وأصبح الحفاظ على استمرارية النشاط الرياضي أكثر صعوبة.
ويقول أبو جياب "قبل الحرب كنا نتدرب معاً بشكلٍ مستمر، أما اليوم فأصبحت التدريبات محدودة، وفي كثير من الأحيان نتدرب بشكل فردي أو ضمن مجموعات صغيرة".
فقدان الألواح والمواد اللازمة
ولم تقتصر آثار الحرب على تراجع التدريبات، بل امتدت إلى المعدات الرياضية التي يعتمد عليها اللاعبون فقد تعرضت غالبية ألواح ركوب الأمواج للتلف أو التحطم، فيما أصبحت عملية استبدالها أو إصلاحها أكثر تعقيدا في ظل الظروف الحالية.
ويشرح أبو جياب "قبل الحرب كان لكل لاعب لوحه الخاص، أما الآن فلم يتبق سوى عدد قليل من الألواح التي نتشارك استخدامها. نحاول المحافظة عليها لأنها أصبحت نادرة جداً".
وتنعكس هذه التحديات على معظم ممارسي رياضة ركوب الأمواج في غزة، الذين يواجهون صعوبات يومية للحفاظ على استمرارية نشاطهم الرياضي.
-
امتدت الأزمة إلى المعدات الرياضية التي يعتمد عليها اللاعبون (الصورة: arabic.news.cn)
ومن بين هؤلاء عبد الرحيم الأستاذ (19 عاما)، الذي يمارس هذه الرياضة منذ خمس سنوات ويعتبرها جزءا أساسيا من حياته.
ويوضح أن من أبرز هذه المواد الشمع الخاص بألواح ركوب الأمواج، والذي يستخدم لتثبيت القدمين على اللوح ومنع الانزلاق أثناء مواجهة الأمواج.
وبفعل الحصار الإسرائيلي منذ سنوات طويلة، اعتمد اللاعبون في غزة على جهودهم الذاتية لتعلم هذه الرياضة وتطوير مهاراتهم في ظل محدودية فرص التدريب الاحترافي وغياب الإمكانات اللازمة للتطوير المستمر.
ويقول مختصون إن أهمية الرياضة في قطاع غزة لا تقتصر على الجانب البدني، بل يمتد دورها إلى التخفيف من الضغوط النفسية التي يواجهها السكان.
اقرأ أيضاً: غزة بين الانهيار الإنساني العميق وكلفة التعافي الباهظة
وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات صحية وإنسانية، فإن أكثر من 80 % من سكان قطاع غزة يعانون من مستويات متفاوتة من التوتر والضغط النفسي، فيما تظهر علامات القلق والاكتئاب بشكل واسع بين الأطفال والشباب، في ظل نقص حاد في خدمات الدعم النفسي ومراكز العلاج.
ويقول الأخصائي النفسي فضل عاشور، إن سكان قطاع غزة تعرضوا خلال الفترة الماضية لصدمات وضغوط متواصلة انعكست على مختلف جوانب حياتهم.
ويضيف أن الأنشطة الرياضية والترفيهية تساعد الأفراد، خاصة الشباب، على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من حدة التوتر والضغوط النفسية.
ويواجه قطاع غزة كارثة صحة نفسية غير مسبوقة. يعاني السكان من صدمات جماعية وإرهاق مزمن نتيجة العدوان المستمر، الفقدان المستمر للأحباء، والنزوح القسري. وتبرز شبكة الميادين هذه المعاناة عبر تقارير عدة تسلط الضوء على عمق الأزمة.
"غزّة لا تملك السلاح الذي يتحدث عنه العدو الإسرائيلي، بل تمتلك مقاومةً متواضعة تحاول، بما أمكن، حماية نفسها من التغوّل الإسرائيلي، وهو حقّ مشروع تكفله القوانين الدولية"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) June 29, 2026
الكاتب في الشؤون السياسية والعسكرية أحمد عبد الرحمن#الميادين pic.twitter.com/4c1IrlCbym
وبينما تغيب الشمس كل مساء خلف أفق البحر المتوسط، وتنعكس ألوانها الأخيرة على أمواج شاطئ غزة، يواصل هؤلاء الشبان مطاردة أمواجهم وأحلامهم في آن واحد، مؤمنين بأن الرياضة قادرة على منحهم نافذة على العالم حتى في أصعب الظروف.