كيف تمضي غزة في إحياء عيدها رغم كل شيء؟
عشية العيد، يتسلل الفرح في غزة، محمّلاً بذاكرة ثقيلة وأمل عنيد. بين خيام النزوح، تعجن النساء طقوس الحياة من جديد، فيما يحاول الأطفال التقاط ما تبقى من معناه، والميادين نت يسأل الاهالي الصامدين عن التمسّك بالعيد والحياة على الرغم من الدمار والعدوان والحصار.
-
ذاكرة العيد التي لا تموت في غزة
مع قدوم عيد الفطر، لا يبدو المشهد في غزة امتداداً لطقوس الفرح المعتادة، بل محاولة حثيثة لإنقاذ ما تبقّى منها من بين ركام الحرب وضيق الحال.
في خيام النزوح الهشّة، حيث تتقاطع الحاجة مع الذاكرة، تنهمك نساء في إعادة تشكيل العيد بأدوات بسيطة وإرادة مثقلة بالصبر، فيحوّلن زوايا الخيام إلى مساحات عمل صغيرة تفوح منها رائحة الكعك والمعمول، وتُملّح فيها أسماك "الفسيخ" على عجل، كأنهن يعجنّ الزمن نفسه لا الطحين فقط.
هنا، لا يكون إعداد هذه الأطعمة ترفاً ولا مجرد عادة، بل فعل بقاءٍ ومقاومةٍ معاً، في ظل حصار خانق وارتفاع مرهق في الأسعار، حيث تحاول العائلات—وقد فقدت كل شيء تقريباً، أن تمنح أطفالها حداً أدنى من الإحساس بأن العيد ما زال ممكناً، ولو في صورته الأكثر هشاشة.
العيد لا يموت هنا
في غزة، لا يأتي العيد كما في الأمكنة الأخرى. لا يطرق الأبواب بضحك الأطفال ولا تتقدمه زينة الشوارع، بل يتسلل بخفة إلى خيامٍ مثقلة بالغبار، ويجلس بصمت إلى جانب وجوهٍ أنهكها الانتظار. ومع ذلك، لا يموت العيد هنا، بل يتغيّر شكله، يتقشّف، يختبئ في التفاصيل الصغيرة، في رائحة كعكٍ يخرج من فرنٍ بدائي، أو في قطعة فسيخٍ تُملّح على عجل، أو حتى في ابتسامة طفل وجد في علبة بلاستيكية لعبةً مؤقتة.
العيد في غزة ليس مناسبة، بل معركة ذاكرة. معركة يخوضها الناس ضد النسيان، ضد الانكسار، وضد فكرة أن الحياة يمكن أن تتوقف.
الخيمة التي صارت مخبزاً
في مواصي خان يونس، حيث تتكاثر الخيام كأنها امتدادٌ للرمل، تحوّلت خيمة ياسمين عودة إلى ما يشبه ورشة صغيرة. ليس فيها من مقومات العمل سوى طاولة خشبية، وبعض الأدوات البسيطة، وذاكرة طويلة من وصفات العيد.
تعجن ياسمين الطحين ببطء، كما لو أنها تستعيد عبر كل حركة زمنًا آخر. الزمن الذي كان فيه الكعك يُخبز بكميات كبيرة، لا ليُباع، بل ليُوزّع. الزمن الذي كان فيه العيد مناسبة للكرم لا للنجاة.
اليوم، تغيّرت المعادلة. صار الكعك وسيلة للبقاء، لكنه لم يفقد معناه الرمزي. تقول أم أحمد إن كل قطعة كعك تصنعها هي محاولة صغيرة لمقاومة الحزن، وإقناع أطفالها بأن العيد ما زال ممكنًا، حتى لو كان مبتوراً.
في خيمتها، تعمل النساء كخلية نحل. هذه تعجن، وتلك تشكّل، وأخرى تراقب النار. المشهد بسيط، لكنه يحمل دلالة عميقة: حين تنهار البنية الاقتصادية، تعود المجتمعات إلى أبسط أشكال الإنتاج، إلى العمل اليدوي، إلى الاقتصاد المنزلي، كآلية دفاع أخيرة.
الفسيخ.. طقس العيد المُحاصر
في زاوية أخرى من المواصي، داخل صف مدرسي تحوّل إلى مأوى، تجلس أم حازم شاهين أمام أوعية بلاستيكية، تراقب بعناية عملية تمليح الأسماك. الفسيخ هنا ليس مجرد طعام، بل طقس يعاند الانقطاع، ويحاول إعادة وصل ما انقطع بين الحاضر والماضي.
لكن هذا الطقس لم يعد كما كان. فالبحر مغلق، والصيادون غائبون، والأسماك التي تصل إلى غزة إما مجمدة أو باهظة الثمن. ومع ذلك، تصر جواهر على الاستمرار. ليس لأن الربح كبير، بل لأن التوقف يعني خسارة جزء آخر من الحياة.
تقول: "لن أستسلم". هذه الجملة، رغم بساطتها، تختصر كل شيء. إنها ليست مجرد موقف فردي، بل تعبير عن حالة جماعية، عن إرادة البقاء في بيئة تُدفع دفعًا نحو الانهيار.
اقتصاد الضرورة
ما يحدث داخل هذه الخيام ليس مجرد نشاط فردي، بل هو إعادة تشكيل للاقتصاد تحت الضغط. حين تُغلق المعابر، وتُقيّد الموارد، وتنهار فرص العمل، يصبح الاقتصاد غير الرسمي هو البديل الوحيد.
الكعك والفسيخ، وهما رمزان للفرح، يتحولان إلى أدوات للبقاء. هذه المفارقة تكشف طبيعة الحياة في غزة: حيث تختلط الرمزية بالوظيفة، وحيث يصبح الفرح نفسه مشروطًا بالقدرة على تحمّل تكلفته.
ارتفاع الأسعار، شحّ المواد، وانقطاع الإمدادات، كلها عوامل تجعل من أبسط الأشياء تحديًا. ومع ذلك، يستمر الناس. ليس لأن الظروف تسمح، بل لأن البديل هو الاستسلام الكامل.
السوق الذي فقد صوته
في أسواق غزة، المشهد مختلف عمّا كان عليه قبل الحرب. الأزقة التي كانت تضج بالحياة تبدو اليوم أكثر صمتاً. البضائع قليلة، والزبائن أقل، والشراء أصبح فعلاً محسوباً بدقة.
يقف أحمد النجار خلف طاولته، يعرض كعكاً ومعمولاً بأسعار بالكاد تغطي التكلفة. يتحدث عن العيد وكأنه يتحدث عن شيء بعيد، لكنه لا يزال يتمسك به. يقول "الكعك هو فرحة العيد". لكن هذه الفرحة باتت مشروطة بالقدرة على الشراء، وهي قدرة فقدها كثيرون.
عودة الكعك والفسيخ إلى الأسواق، حتى ولو بشكلٍ محدود، ليست مجرد ظاهرة اقتصادية، بل إشارة رمزية إلى أن الحياة لم تنتهِ بعد. لكنها أيضاً تذكير قاسٍ بأن ما عاد لا يشبه ما كان.
أطفال غزة في العيد..
في مكان قريب، يجلس الطفل أحمد حسان على الرصيف، ممسكاً بعلبة بلاستيكية. يفتحها ويغلقها، يمررها لأخته، ويعيدان الحركة نفسها. لا ضحك عالٍ، لا صخب، فقط لعبة صامتة. "كنت أشتري لعبة في العيد"، يقول بهدوء.ثم يصمت.
هذا الصمت أثقل من أي كلام. لأنه يكشف فجوة بين ما كان وما هو كائن. فجوة لا تُقاس بالزمن فقط، بل بالمعنى. الأطفال في غزة لا يفقدون ألعابهم فقط، بل يفقدون سياق الطفولة نفسه. العيد، الذي كان مساحة للفرح، أصبح مناسبة تذكّرهم بما فقدوه.
الماء بدل الألعاب
في مشهد آخر، تقف الطفلة رهف في طابور الماء. تحمل دلواً صغيراً، تنتظر دورها، تراقب الأوعية الفارغة. كانت في مثل هذه الأيام تختار فستان العيد. اليوم، تختار أي جرة ستُملأ أولاً.
هذا التحول من الاستهلاك الرمزي (ملابس، ألعاب) إلى الاستهلاك الحيوي (ماء، طعام) يعكس طبيعة الأزمة. حين تصبح الحاجات الأساسية غير مضمونة، تتراجع كل مظاهر الرفاه، بما فيها الفرح نفسه.
حين تختفي الأماكن
أما الطفل حسام أحمد، فيتحدث عن العيد بلغة مختلفة. لا يتحدث عن ملابس أو حلوى، بل عن الأماكن. "الأراجيح تحطمت"، يقول. وكأن العيد بالنسبة له كان مكاناً أكثر منه زمناً.
غياب الأماكن يعني غياب الفضاء الذي يسمح للأطفال بأن يكونوا أطفالًا. الملاعب، المنتزهات، الساحات، كلها لم تعد موجودة. ومعها اختفى جزء أساسي من تجربة العيد.
العيد كفعل مقاومة
رغم كل ذلك، لا يتوقف الناس عن محاولة الاحتفال. ليس لأن الظروف مناسبة، بل لأن الاحتفال نفسه يصبح فعل مقاومة.
صناعة الكعك، تمليح الفسيخ، حتى شراء كمية صغيرة من الحلوى، كلها أفعال تحمل معنى يتجاوز قيمتها المادية. إنها محاولة للحفاظ على الاستمرارية، على الهوية، على الإحساس بأن الحياة لم تُختزل في البقاء البيولوجي فقط.
الذاكرة كملاذ أخير
في النهاية، يبدو أن ما يحافظ على العيد في غزة ليس الإمكانيات، بل الذاكرة. الذاكرة التي تختزن صور الأعياد الماضية، وتعيد إنتاجها بأشكال جديدة، حتى لو كانت مشوّهة أو ناقصة.
هذه الذاكرة ليست حنيناً فقط، بل أداة بقاء. لأنها تمنح الناس سبباً للاستمرار، وتمنح الأطفال فكرة عن عالمٍ مختلف، حتى لو لم يعيشوه الآن.
ما بين الفقد والبقاء
غزة اليوم تقف في مساحة ضيقة بين الفقد والبقاء. فقدٌ لكل ما كان طبيعياً، وبقاءٌ لكل ما يمكن أن يُعاد تشكيله. الكعك والفسيخ، رغم بساطتهما، يختصران هذه الحالة. هما ليسا مجرد طعام، بل رمزان لصراع أعمق: صراع بين الانهيار والاستمرار.
وفي المقابل، يجسد الأطفال الوجه الآخر لهذا الصراع. وجه الفقد الصامت، الذي لا يملك أدوات التعبير، لكنه حاضر في كل تفصيلة.
-
بائع فلسطيني يعرض سمك "الفسيخ" المملّح في سوق غربي مدينة غزة (شينخوا)
في النهاية، ربما لا يكون هذا عيداً كاملاً. وربما لا يشبه أي عيد مضى. لكنه، رغم كل شيء، عيد. عيدٌ يُصنع من فتات الإمكانيات، ومن فائض الإرادة. عيدٌ لا يقاس بما يُقدَّم فيه، بل بما يُقاوَم من خلاله.
وفي غزة، حيث كل شيء مهدد بالانطفاء، يصبح مجرد الحفاظ على شعلة صغيرة من الفرح إنجازًا بحد ذاته.
اقرأ أيضاً: غزة وسط "الضباب البرتقالي": العاصفة فصل جديد من المعاناة