بين الركام والأمل.. أعراس جماعية فوق الدمار في غزة

بين الركام والمنازل المهدّمة، ارتفعت الزغاريد لتعلن أنّ الحياة لا تزال تعرف طريقها إلى غزة. لم يكن الزفاف الجماعي احتفالاً هامشياً، بل شهادة على مجتمع يرفض أن يستسلم، ويصرّ على أن يزرع الأمل في الأرض نفسها التي أثقلها الحصار والعدوان.

  •  يشاهدون ويحتفلون بحفل زفاف جماعي في مدينة حمد في خان يونس بقطاع غزة (أ.ب)
    يشاهدون ويحتفلون بحفل زفاف جماعي في مدينة حمد في خان يونس بقطاع غزة (أ.ب)

ليس من السهل أن يتحوّل حفل زفاف جماعي إلى حدث سياسي واجتماعي يتجاوز رمزية المناسبة ذاتها، لكن ما جرى في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث احتفل 150 عريساً وعروساً بزفافهم بعد مرور 1000 يوم على اندلاع الحرب، لم يكن فقط احتفالاً عائلياً أو مبادرة خيرية لدعم الشباب المقبلين على الزواج، بل كان إعلاناً جماعياً بأنّ المجتمع الفلسطيني، رغم ما تعرّض له من دمار واسع وخسائر بشرية غير مسبوقة، لا يزال يمتلك القدرة على إعادة إنتاج الحياة.

فالصور التي خرجت من شمال غزة لم تكن فقط مشاهد لعرسان يرتدون الكوفية الفلسطينية، أو لعائلات تردّد الأهازيج التراثية بين الأبنية المهدّمة، وإنما كانت تعبيراً عن صراع آخر يدور بالتوازي مع حرب الإبادة، صراع للدفاع عن الذاكرة، وعن المجتمع، وعن قدرة الفلسطينيين على الاستمرار بوصفهم مجتمعاً حيّاً لا مجرّد سكان يعيشون فوق أنقاض مدينة مدمّرة.

المجتمع بوصفه الهدف الأعمق للحرب

لم تعد الحروب الحالية تستهدف الجيوش وحدها، بل باتت تستهدف قدرة المجتمعات على الاستمرار. فكلما طالت الحروب، أصبح الرهان الأساسي هو تفكيك البنية الاجتماعية، وإضعاف الروابط الأسرية، وتحويل المجتمع إلى تجمّعات بشرية منشغلة فقط بالبقاء البيولوجي.

وفي قطاع غزة، لم يكن حجم الدمار العمراني وحده هو المؤشّر على عمق الكارثة، بل إنّ التحدّي الأكبر تمثّل في محاولة إنهاك المجتمع نفسه. فقد تعرّضت آلاف العائلات للتفكّك، وفقد عشرات الآلاف من الأطفال أحد والديهم أو كليهما، فيما دُمّرت أحياء كاملة، وانقطعت مصادر الرزق، وتحوّلت المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء إلى جزء من مشهد الحرب اليومية.

في هذا السياق، يصبح أي نشاط اجتماعي جامع أكثر من مجرّد مناسبة احتفالية؛ إنه إعلان بأنّ المجتمع لا يزال قادراً على إنتاج مؤسساته الطبيعية، وأنّ دورة الحياة لم تتوقّف رغم كلّ محاولات تعطيلها.

الزفاف الجماعي… استعادة الحياة لا تجاهل المأساة

قد يبدو للبعض أنّ إقامة عرس جماعي وسط هذا الكمّ الهائل من الدمار تتناقض مع حجم المأساة، غير أنّ المجتمعات التي تعيش الحروب لا تنتظر نهاية الصراع كي تستأنف حياتها، لأنها تدرك أنّ انتظار ما يسمّى بـ "السلام الكامل" قد يعني تعليق الحياة لسنوات طويلة.

لهذا، فإنّ الرسالة التي حملها حفل "أفراح الشمال.. أحلام من الركام" لا يمكن قراءتها باعتبارها احتفالاً هامشياً، بل باعتبارها محاولة واعية لاستعادة إيقاع الحياة الطبيعية ولو بصورة جزئية.

فالزواج هنا لا يمثّل فقط انتقال شخصين إلى حياة جديدة، بل يمثّل استمرار الأسرة الفلسطينية نفسها، وهي المؤسسة التي حافظت تاريخياً على تماسك المجتمع في أصعب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية.

  • على أنقاض القاعات في غزة… أقاموا أعراساً جماعية
    على أنقاض القاعات في غزة… أقاموا أعراساً جماعية

ولهذا السبب، بدت صور العرسان وهم يسيرون بين الأنقاض وكأنها مواجهة مباشرة بين مشروعين؛ مشروع يراهن على تحويل المكان إلى فراغ اجتماعي، ومشروع آخر يصرّ على أنّ الإنسان قادر على إعادة بناء حياته حتى قبل إعادة بناء منزله.

من إعادة الإعمار إلى إعادة بناء المجتمع

غالباً ما يُختزل الحديث عن مرحلة ما بعد الحروب في إعادة إعمار المباني والبنية التحتية، بينما تشير تجارب الحروب الكبرى إلى أنّ إعادة بناء الإنسان والمجتمع أكثر تعقيداً من إعادة بناء الحجر.

فإزالة ملايين الأطنان من الركام قد تستغرق سنوات، لكنّ إعادة الثقة بالمستقبل تحتاج إلى مبادرات تعيد للناس شعورهم بأنّ الحياة ما زالت ممكنة.

من هذه الزاوية، يصبح الزفاف الجماعي جزءاً من عملية التعافي المجتمعي، لأنه يعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية، ويمنح العائلات فرصة للاجتماع بعد فترات طويلة من النزوح والتشتت، ويخلق لحظة جماعية يشعر فيها الناس بأنهم ما زالوا يمتلكون القدرة على الفرح، حتى وإن كان هذا الفرح محاطاً بالركام من كل جانب.

إنّ المجتمع الذي يستطيع أن يحتفل، رغم جراحه، يبعث برسالة مفادها أنّ الحرب لم تنجح في تحويله إلى مجتمع فاقد للأمل.

1000 يوم… وتحوّل في طبيعة الصمود

بعد مرور 1000 يوم على الحرب، لم يعد الصمود يعني فقط البقاء تحت القصف أو مواجهة النقص الحادّ في الغذاء والدواء، بل أصبح يعني أيضاً الحفاظ على قدرة المجتمع على الاستمرار.

لقد تغيّرت طبيعة التحدّيات، فمع تراجع العدوان في بعض المناطق، برزت معركة أخرى تتعلّق بالحفاظ على النسيج الاجتماعي ومنع انهيار الروابط التي تربط الناس ببعضهم.

  • عرس جماعي وسط الدمار والخيام (ا ف ب)
    عرس جماعي وسط الدمار والخيام (ا ف ب)

ولهذا تبدو المبادرات الاجتماعية، مثل الأعراس الجماعية، جزءاً من استراتيجية مجتمعية غير معلنة لإعادة ترميم الحياة اليومية، وتخفيف الآثار النفسية التي خلّفتها سنوات الحرب، خصوصاً لدى الشباب الذين وجد كثيرون منهم أنفسهم يؤجّلون مشاريعهم الشخصية بسبب الواقع الاقتصادي والإنساني.

الشباب بين الخسارة وبداية جديدة

تكشف شهادات بعض العرسان المشاركين عن حجم المفارقة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم. فعدد منهم فقد عشرات أو حتى مئات من أفراد عائلته خلال الحرب، ومع ذلك قرّر أن يبدأ حياة جديدة.

هذه المفارقة لا تعني تجاوز الحزن أو نسيان الخسائر، وإنما تعكس قدرة الإنسان على التعايش مع الألم من دون أن يسمح له بأن يصبح نهاية القصة. فالزفاف في هذه الحالة لا يلغي الفقد، بل يتعايش معه، ويحوّل المناسبة إلى مساحة تتجاور فيها الدموع مع الابتسامات، والذكريات المؤلمة مع محاولات صناعة مستقبل مختلف.

الاقتصاد والإنسان… معركة متداخلة

لا يمكن فصل البعد الاجتماعي لهذه المبادرة عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه قطاع غزة. فتكاليف تأسيس أسرة جديدة أصبحت تمثّل عبئاً هائلاً في ظلّ تراجع فرص العمل، وتدمير المساكن، واستمرار النقص في المواد الأساسية.

ومن هنا، فإنّ مساهمة الجهات المنظمة في تقديم دعم مالي للعرسان لا تقتصر على المساعدة المادية، بل تمثّل محاولة لتمكين الشباب من اتخاذ خطوة كان كثيرون منهم يعجز عنها في الظروف الحالية. كما تكشف هذه المبادرات عن الدور المتزايد للمؤسسات الأهلية في سدّ جزء من الفراغ الذي تفرضه الظروف الاقتصادية والإنسانية، عبر توفير شبكات دعم مجتمعية تساعد الأسر على الصمود.

الحرب على الذاكرة والهوية

كان لافتاً أن يرتدي العرسان الكوفية الفلسطينية، وأن تظهر العرائس بالأزياء التراثية، وأن تمتلئ الساحات بالأهازيج والدبكة الشعبية. هذه التفاصيل ليست فقط مكوّنات احتفالية، بل تعكس تمسّك المجتمع بهويته الثقافية في مواجهة محاولات اقتلاعه من المكان.

فالهوية لا تُحفظ فقط في الكتب والوثائق، وإنما تُمارس في تفاصيل الحياة اليومية، في الأغنية الشعبية، واللباس، والطقوس الاجتماعية، وفي استمرار المناسبات التي تربط الأجيال بتاريخها المشترك. ولهذا، فإنّ استعادة هذه الرموز وسط الدمار تحمل بعداً ثقافياً لا يقلّ أهمية عن بعدها الاجتماعي.

  • على أنقاض القاعات في غزة… أقاموا أعراساً جماعية (الأناضول)
    على أنقاض القاعات في غزة… أقاموا أعراساً جماعية (الأناضول)

يحمل هذا الحدث رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجّهة إلى الفلسطينيين أنفسهم، ومفادها أنّ المجتمع لا يزال قادراً على ترميم ذاته رغم الخسائر، وأنّ إعادة بناء الحياة تبدأ من المبادرات الصغيرة قبل المشاريع الكبرى.

أما الرسالة الثانية، فهي إلى المجتمع الدولي، إذ تؤكد أنّ الفلسطينيين لا يختزلون وجودهم في صورة الضحية، بل يسعون إلى الحفاظ على حياتهم الطبيعية وكرامتهم، حتى في أكثر البيئات قسوة.

لكن هذه الرسالة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها دليلاً على انتهاء الأزمة، فالمظاهر الرمزية للصمود لا تعني زوال الأسباب التي أنتجت الكارثة. فما زالت الحاجة ملحة إلى إعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف التي تسمح للناس ببناء مستقبل مستقر.

في النهاية، تكشف تجارب الزفاف الجماعي في خان يونس ومدينة غزة وشمال غزة أنّ إعادة بناء المجتمعات لا تبدأ بإزالة الأنقاض فقط، وإنما تبدأ أيضاً باستعادة الثقة بالمستقبل. فالإنسان الذي يقرّر الزواج وسط الدمار لا ينكر الواقع، بل يعلن أنّ المستقبل يستحق أن يُبنى رغم كل شيء.

ومن هنا، فإنّ أهمية هذه المبادرات لا تكمن في عدد المشاركين فيها، بل في المعنى الذي تحمله. فهي تؤكد أنّ المجتمع الفلسطيني، رغم ما تعرّض له من خسائر إنسانية ومادية هائلة، لا يزال يمتلك أدوات المقاومة المدنية، من التعليم والعمل والتكافل الاجتماعي إلى الأسرة والثقافة والاحتفال بالحياة.

  • فلسطينيون يشاهدون حفل زفاف جماعي في جنوب قطاع غزة (رويترز)
    فلسطينيون يشاهدون حفل زفاف جماعي في جنوب قطاع غزة (رويترز)

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية مراراً أنّ المجتمعات لا تُختزل فقط بقدرتها على الصمود في ساحات القتال ضد العدو، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها الاجتماعية، وإعادة إنتاج الحياة في أكثر اللحظات ظلمة.

وبين الركام الذي يروي حجم الكارثة، والزغاريد التي أعلنت بداية حياة جديدة لـ ـ150 زوجاً وزوجة، تتجسّد صورة مجتمع يحاول أن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه.

فالحروب قد تهدم المدن، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقضي على إرادة الناس في العيش، ما دامت هناك عائلات تؤمن بأنّ بناء المستقبل يبدأ بخطوة صغيرة، وبابتسامة تُنتزع من قلب الألم، وبحفل زفاف يقام بين الأنقاض ليقول إنّ الحياة، مهما اشتدّت المحن، قادرة على أن تجد طريقها من جديد.

اقرأ أيضاً: في رسالة فرح تتحدى الألم... قطاع غزة يحتفل بأكبر حفل زفاف جماعي

اخترنا لك