بين آمال خليل ومنى خليل: فعل "حراسة"!
عندما تصل الحرب إلى امرأة كانت مهمة حياتها هي حماية الحياة، يصاب شيء أعمق. لقد جُرح جزء من إنسانيتنا. للتذكير بأن العنف الإسرائيلي لا يميز بين مقاتل ومدافع عن البيئة، بين موقع عسكري وعش للسلاحف المهددة بالانقراض، بين من يدمر ومن يكرسون حياتهم للحفاظ عليها.
-
الحنوّ على الحيوانات أخذ من حياة آمال ومنى خليل شطراً هاماً (الصورة: بول أبي راشد)
بين آمال خليل ومنى خليل، وشائج عطاءٍ تتخطى أية روابط العائلية بين المميزتين، فكلّ في مضمارها، قبسُ حياة ورسالة حقيقة.
آلة الاحتلال هذه لا تفرّق بين اللبنانيين،كلّهم، هم مشروع قتل، فكيف إذا كانوا مجلين، ناشطين، مبدعين، محبين للحياة..
ما يربط آمال الشهيدة بمنى الجريحة هو وطنٌ واحد، وجنوبٌ رافد، وشعب ماجد، لا يقبل الظلم ولا الاحتلال..
-
منى خليل "صديقة" السلاحف
هو اللبناني نفسه، الذي أخرج العدو من عاصمته وجبله وبقاعه وجنوبه في الأعوام بين 1982 و2000، ودحره في أعوام 1993 و 1996، و 2006.
جنوبيتان مرصعتان بالتضحيات
الجنوبيتان لم تبرحا، أرضهما المرصّعة بالتضحيات، والزاخرة بالمدد، كنّ حارسات أمينات لـ ناسها وترابها ومياهها و "ثرواتها" وأدمغتها..
الحنوّ على الحيوانات أخذ من حياة "الخليليتين" الكثير، هنا تلتقي سُرّة الورق والحبر، بسُرّة الرمل والسلاحف؟
-
آمال خليل "صديقة" الحيوانات حتى خلال تغطية الميدان
كلاهما مارستا فعل "الحراسة"، آمال حرست الحقيقة والهوية الوطنية من التشويه، ومُنى تحرس التنوع البيولوجي والإرث الطبيعي للجنوب من الاندثار .
اهتمام واحد
بحر صور الذي يلفظ الغزاة، هو نفسه الذي ألهم آمال خليل أن تكتب بنَفَسٍ متموج لا ينحني، وهو نفسه الذي استضاف سلاحف منى خليل لتضع بيوضها بأمان. إنها البيئة البحرية والتاريخية التي تصنع ناسها على شاكلتها: صلبين كقلعتها، وعميقين كبحرها.
اقرأ أيضاً: هذا ما جمع بطلات الميدان!
من منّا لم يرَ آمال وهي تعتني وتطعم وتهتم بالقطط والكلاب وحتى الخيول الشاردة، وكذا هي منى التي رفضت مغادرة شاطىء صور للاعتناء بالسلاحف المائية الجميلة.
View this post on Instagram
الغارات استهدفت "حبيبة السلاحف"
فقد أصيبت الناشطة منى خليل بعد تعرّض منزلها في بلدة المنصوري لعدوان جويٍّ إسرائيلي، كما أُصيبت مساعدتها بحروق.
وفي بيانٍ نشره "الجنوبيون الخضر" (Green Southerners) فقد نُقلت خليل على وجه السرعة إلى مستشفى جبل عامل، حيث خضعت لعملية جراحية، ومن المقرر نقلها إلى بيروت لإجراء عملية أخرى. وقد أطمأنينا إلى صحتها وهي في حالة مستقرة حالياً. كما تلقت مساعدتها العلاج اللازم، وهي في حالة مستقرة أيضاً .
"الجنوبيون الخضر": الهجمات الإسراىيلية لا توفر أحداً
وكانت خليل قد اختارت البقاء في منزلها المطل على شاطئ المنصوري رغم المخاطر، الذي كرّست حياتها لحماية السلاحف البحرية عليه، وقادت جهوداً رائدة في مجال الحفاظ على السلاحف البحرية في الموقع، كما وأسهمت في إطلاق واحدة من أوائل وأهم المبادرات الفردية لحماية السلاحف البحرية في لبنان.
أُصيبت الناشطة البيئية منى خليل بعد تعرض منزلها في بلدة المنصوري لغارة جوية اسرائيلية صباح أمس، كما أُصيبت مساعدتها بحروق. وقد نُقلت خليل إلى مستشفى جبل عامل، حيث خضعت لعملية جراحية، ومن المقرر نقلها إلى بيروت لإجراء عملية أخرى. وقد أطمأنينا إلى صحتها وهي في حالة مستقرة حالياً. pic.twitter.com/uyRJ2oFduv
— Green Southerners الجنوبيون الخضر (@GreenSoutherns) June 5, 2026
وتشكل إصابة منى خليل تذكيراً بأن الهجمات الإسراىيلية لا توفر أحداً. فالمدنيون والأسر والمسعفون والصحافيون والناشطون البيئيون والمحافظون على الطبيعة جميعهم يجدون أنفسهم في دائرة الخطر والاستهداف.
العدو لا يميّز بين مقاتل ومدافع عن البيئة
الإعلامي ريكاردو كرم عبّر على صفحاته قائلاً: "قصفت غارة جوية منزل منى خليل في المنصوري. وكان المنزل نفسه متواضعا. لكن ما كانت تحميه كان غير عادي.
لعقود من الزمن، وبينما كان الكثيرون يتحدثون عن حماية الطبيعة، عاشت منى هذا الالتزام كل يوم. ومن منزلها الصغير المطل على البحر، أصبحت حارسة الساحل، وحامية عدداً لا يحصى من السلاحف البحرية، وصوتًا للمخلوقات التي لا تستطيع التحدث عن نفسها.
View this post on Instagram
لقد بقيت خلال حالة عدم اليقين، من خلال الخوف، من خلال الخطر. لقد بقيت لأن الشاطئ الذي راقبته لم يكن مجرد امتداد من الرمال. لقد كان ملاذا. مكان للحياة. مكان يستحق الدفاع عنه.
وأصيبت منى بجروح خطيرة وأصيب مساعدها بحروق. وكلاهما ولله الحمد في حالة مستقرة. ومع ذلك، فإن المأساة تتجاوز بكثير جراحهم.
View this post on Instagram
عندما تصل الحرب إلى امرأة كانت مهمة حياتها هي حماية الحياة، يصاب شيء أعمق. لقد جُرح جزء من إنسانيتنا. للتذكير بأن العنف الإسرائيلي لا يميز بين مقاتل ومدافع عن البيئة، بين موقع عسكري وعش للسلاحف المهددة بالانقراض، بين من يدمر ومن يكرسون حياتهم للحفاظ عليها.
أمضت منى خليل سنوات في حماية أحد كنوز لبنان الأكثر هشاشة. اليوم، منى هي التي تحتاج إلى الحماية.
ولعل أعظم تكريم يمكننا أن نقدمه لها هو ضمان بقاء شجاعتها ومهمتها وحبها لهذه الأرض لفترة طويلة بعد انقشاع الدخان.
وكتب الناشط البيئي بول أبي راشد بعدما وضع صورة للشهيدة آمال خليل التي اغتاتها آلة الحرب الإسرائيلية، والناشطة الجريحة منى خليل فقال عبر صفحته "استُهدفت الصحافية أمل خليل، المعروفة بحبها للحيوانات والدفاع عن الحياة، في يوم الأرض، 22 نيسان/ أبريل 2026.
وبعد أسابيع قليلة، استُهدفت منى خليل، حارسة السلاحف البحرية على شاطئ المنصوري، وخضعت لعملية جراحية من جراء اصابتها في يوم البيئة العالمي، 5 حزيران 2026.
امرأتان تحملان الاسم نفسه.
إحداهما كرّست صوتها للدفاع عن الحقيقة، والأخرى كرّست حياتها لحماية الطبيعة والكائنات الضعيفة.
في زمنٍ كان يفترض أن تُحتفى فيه الأرض والبيئة والحياة، أصبحت من يدافع عنها في قلب الخطر".