الميادين نت يستكشف قلعة الصخر الغامضة؟

تتميّز قلعة نيحا (الشقيف - تيرون) بالعمارة المدمجة بالصخر، فهي ليست بناءً تقليدياً قائماً بذاته، بل هي عبارة عن كهوف ومغاور طبيعية قام الإنسان بتوسيعها ونحتها لتتحول إلى غرف سكنية، ومصاطب، ومستودعات لتخزين المؤن وإيواء الجنود. 

0:00
  • قلعة نيحا الصخرية العملاقة (تصوير علي طفيلي - مونتاج: بشار سعادة - غرافيك: بتول زبيب)
    قلعة نيحا الصخرية العملاقة (تصوير علي طفيلي - مونتاج: بشار سعادة - غرافيك: بتول زبيب)

في جبال الشوف الأعلى في لبنان، حيث تتعانق جبال نيحا الشاهقة مع غمام السماء وتتصل بالبقاع والجنوب، تتجلى قلعة شقيف - تيرون لا لكونها مجرّد معلمٍ أثري حُفر في صلب الصخر، بل كحصنٍ وجودي وسياجٍ من البصيرة والعنفوان الذي طالما اعتصمت به الأمة في أحلك أوقات المواجهة.

تلك الصخرة الطبيعية الباذخة المهيبة، التي نحتتها الالتواءات الجيولوجية وصقلتها يد الإنسان، تختزن في أحشائها 7 آبارٍ منحوتة بعمق 10 أمتار، وغرفاً ومصاطب كانت وما زالت تشهد على هندسة الصمود.

 غموض وهيبة.. قلعة تخطف الأنظار

من نبع "الحلقوم" المنساب على بعد كيلومتر واحد، تنفّس الحصن حريته، وبفضل الرؤية البيئية والسياحية المميزة لبلدية نيحا ورئيسها المهندس غسان فرحات والمجلس البلدي،  وطبعاً لجهود محمية أرز الشوف الطبيعية الرائدة في العمل البيئي،والتي شكّلت أنموذجاً للمحميات الهامة لبنانياً وعالمياً، أمست القلعة ومحيطها الحرجي المتصل بمقام النبي أيوب (ع) قبلةً للزوار وعنواناً لأصالة العيش الواحد.

من نقطة الانطلاق التابعة للمحمية انطلقنا، حيث خصصت غرفة على الطريق المفضي للقلعة للحفاظ عليها ومواكبة الزوّار وإرشادهم، وهنا عليك أن تحضّر كاميرتك لأجمل صور طبيعية، وأخرى تحكي مشاهد من قلعة غريبة التكوين والصخور والطراز!

وإليكم الفيديو الخاص بـ الميادين نت من داخل قلعة الشقيف- تيرون في جبل لبنان:

تُعتبر قلعة نيحا اليوم جزءاً من التراث الثقافي اللبناني، وواحدة من أبرز المعالم الموجودة في محمية أرز الشوف الطبيعية.

وتقع القلعة في خِراج بلدة نيحا على بُعد 70 كيلومتر من العاصمة اللبنانية بيروت، ونظراً لصعوبة الوصول إليها حتى سيراً على الأقدام فقد أقيمت سبل ودعامات خشبية لتسهيل وصول الزائرين إليها، وزرعت أشجار متناسقة مناسبة،تحاكي محمية أرز الشوف والمنطقة الخلابة.

مِن على صخور قلعة الشقيف- تيرون برز الشواهق السحيقة من وادي مرج بسري ومن على الهضاب المترامية على كتف جبل لبنان والجنوب اللبناني المتاخم، هنا تشعر للحظات أنك تحاذي الغمام والسُحب!

أبعاد الملحمة التاريخية والجغرافية 

وفي حوارٍ خاص مع الميادين نت، يضيء الخبير البيئي وعضو المجلس البلدي في نيحا الشوف، والناشط في محمية أرز الشوف، معين كليب، على الأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها القلعة، مؤكداً أن فرادتها تتجاوز البناء الأثري الصلب إلى موقعها الشرياني الاستراتيجي.

فهي تقف في نقطة وصل جغرافي بين الجبال الشوفية والجنوب والبقاع، موقعٌ جعل منها سياجاً طبيعياً يطل على مشهديات ولا أروع..

 تتميّز القلعة بالعمارة المدمّجة بالصخر، فهي ليست بناءً تقليدياً قائماً بذاته، بل هي عبارة عن كهوف ومغاور طبيعية قام الإنسان بتوسيعها ونحتها لتتحول إلى غرف سكنية، ومصاطب، ومستودعات لتخزين المؤن وإيواء الجنود. 
وتتميز بممرات ضيقة ودعامات وجدران دفاعية صخرية وخشبية تتماشى مع الطبيعة الوعرة للمكان، ما جعلها حصناً منيعاً استلهمت منه شخصيات تاريخية  ملاذاً ومنبعاً للحماية. 

 ممر شرياني بين الجنوب والبقاع والجبل

 كانت القلعة في القرون الماضية تعد حصناً عسكرياً وملجأً اميناً يصعب الوصول إليه، وقد لعبت دوراً مهماً في العهد الصليبي وعرفت بإسم قلعة (بوفور) وسقطت في يد صلاح الدين الايوبي الذي حاصرها نحو سنتين، ثم استولى عليها الافرنج .

و بسبب حيوية موقعها الكبيرة، شكلت هدفاً دائماً للحكام والجيوش المتعاقبة يُذكر منها: السلاجقة والصليبيين والايوبيين ووالي صيدا سعد الدين بن نزار شهاب الدين بن بحتر التتري الذي احتلها واحرقها، ودخل القلعة المماليك، ورمّمها وحصّنها الظاهر بيبرس.

وفي أوائل القرن العشرين كانت تحت سيطرة أمراء الجبل والجيوش العثمانية بعد أن كان لجأ اليها في العام 1585 حاكم الشوف آنذاك الأمير قرقماز والد فخر الدين الثاني بعد أن طارده العثمانيون.

  • إطلالة القلعة قرب الغيوم من جبل لبنان نحو جنوبه
    إطلالة القلعة قرب الغيوم من جبل لبنان نحو جنوبه

وشكّلت "الشقيف - تيرون" قلعة الإرادة والملاذ العصي، فقد كانت القلعة حصناً استراتيجياً يسيطر على الممر الشرياني بين صيدا والبقاع والجبل. إليها لجأ حكام وأمراء، وعلى رأسهم الأمير قرقماز، ومن بعده نجله الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي حاصرته القوات العثمانية بقيادة أحمد باشا كجك لمدة سنتين داخل القلعة المنيعة.
لم تسقط القلعة بالقتال المباشر، بل بلجوء المهاجمين إلى قطع شريان الحياة وتلويث المياه. ورغم ذلك، ظلت القلعة رمزاً للرفض، تخلّدها الروايات الشعبية بعنفوان ابنة الأمير التي أبت الأسر وآثرت الشهادة بالقفز من أوج القلعة على أن تقع في يد الغزاة.

من "فخر الدين" إلى عدوان 1982

لم يكن مقدرّاً لهذه الصخرة أن تكون أثراً صامتاً، ففي صيف عام 1982، وحين اجتاح العدو الإسرائيلي الأرض اللبنانية، استيقظ روح الشقيف مجدداً. فاتخذها بعض الشباب آنذاك ثغراً ومربضاً للصمود، وحولوا مغاورها وآبارها العتيقة إلى خنادق مواجهة.

وعلى الرغم من استهداف العدو لصخور القلعة، أثبتت جدران القلعة أنها عصية على الكسر.
ويبقى، أن "شقيف تيرون" ليست مجرد حجارة صلبة تحكي أمجاد الماضي، إنها تجسيد ناصع لمعنى أن يمتلك الإنسان رؤية نافذة تتجاوز عاديات الزمن، لتبقى القلعة شعلةً وضاءة تهديك كلما تلفتّ نحو الجبل: أن الأرض لا تصان إلا بالتاريخ العريق والوفاء والوعي وحفظ تاريخ الأجداد.

اقرأ أيضاً: مهرجان لافت للجوز في لبنان: ما سر "الجوهرة" الخضراء؟ (فيديو)

 

اخترنا لك