الأسواق في غزة بين الحصار وانهيار القوة الشرائية

ما يجري في غزة ليس أزمة إنسانية عارضة، بل سياسة تجويع ممنهجة تدار بالحصار والقيود. نقص السلع وارتفاع الأسعار هو نتاج قوة تختار منع الغذاء. فلا تنقص السلع بسبب الحرب وحدها، بل بسبب قرار هدفه السيطرة والتهجير.

  • الأسواق الغزية بين شحّ المعروض وانهيار القوة الشرائية
    الأسواق الغزية بين شحّ المعروض وانهيار القوة الشرائية

لم يعد الحديث عن أزمة إنسانية في غزة وصفاً دقيقاً لما يجري، بل إن الأدق أن نقول إننا أمام عملية هندسة اقتصادية لإنهاك الحياة نفسها. فالحصار لم يعد مجرد إجراء أمني هامشي، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة تُدار بمنتهى الدقة، هدفها إخضاع قطاع كامل من البشر عبر التحكم في أبسط تفاصيل وجودهم اليومي. 

وحين يصل الأمر إلى أن يكون تعمير قداحة يدوية حدثاً اقتصادياً يستحق الذكر، فإننا لسنا أمام أزمة أسعار، بل أمام انهيار في بنية المعنى الاقتصادي كله. يقول أحد المواطنين للميادين: "وعندما تريد قداحة أو إبرة لا تجدها". هذه الجملة القصيرة، البسيطة في ظاهرها، تخفي تحتها كارثة كاملة، فحين تعجز سوق عن توفير قداحة أو إبرة، فإنها عاجزة عن توفير الدواء والغذاء والوقود بالضرورة.

الحصار كأداة تحكم في التفاصيل الصغيرة

يواصل الاحتلال تضييق الخناق على أهالي القطاع، فيشدد من حصاره المطبق عليهم، وتوسع قائمة الممنوعات التي تطال معظم السلع وحتى المواد التموينية الأساسية. لكن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط حجم المنع، بل فلسفته. فالقوائم ليست عشوائية، بل مصممة بحيث تُنهك التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، حيث يكون الأثر التراكمي للمنع أشد فتكاً من الصدمة الكبرى.

يقول مواطن آخر: "نحن مقطوعون كثيراً عن الأشياء، من المستلزمات للبيت، ومن المستلزمات لكل شيء، حتى في المقبرة كالأكفان مثلاً". وهنا تتكشف حقيقة أن الحصار لا يستثني حتى الموت، فهو يلاحق الإنسان من لحظة ولادته إلى لحظة رحيله.

ويقول مواطن آخر: "هذه القداحة، من غلاء سعر القداحة، هي رابع مرة أُعمرها. كان حقها يكلف شيكلاً واحداً، واليوم نصلحها بخمسة عشر، بعشرين، وبثلاثين شيكلاً". هذا التضخم الميكروي (Microيركز على سلوك السعر لمنتج منفرد أو قطاع ضيق للغاية)، إذا جاز التعبير، هو المؤشر الأصدق على انهيار القدرة الشرائية.

فالمواطن العادي قد لا يحسّ بالانخفاض التدريجي في قيمة عملته عبر الأرقام الرسمية، لكنه يحسه حين يضطر إلى تعمير قداحة بدل شراء أخرى..

الحصار كأداة هندسة اقتصادية

لا يمكن فهم ما يجري في غزة بمعزل عن الحصار الذي يفرضه الاحتلال منذ سنوات، والذي لم يتوقف عند حد منع السلع، بل تجاوزه إلى هندسة السوق نفسه. فمنذ أن أُغلق معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية، لم يتبقَّ سوى معبر كرم أبو سالم كمتنفس وحيد، يعمل بجزء ضئيل من طاقته، ويخضع لقيود تُحكم وتُرخي وفق حسابات سياسية لا علاقة لها باحتياجات الناس.

وفي آذار / مارس 2026، انخفض عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع إلى 130 شاحنة يومياً فقط، مقارنة بـ 130 شاحنة في شباط/فبراير، و225 في كانون الثاني. هذا الانخفاض الحاد لم يكن عرضاً، بل كان نتيجة مباشرة لإغلاق المعابر، وربط إدخال المساعدات بالسياقات الإقليمية، في تجسيد صارخ لتوظيف الغذاء كأداة ضغط.

والنتيجة أن 73% من تجار التجزئة المسجّلين أفادوا بأن مخزوناتهم أقل من مستواها الطبيعي. وهذا يعني أن السوق المحلي لم يعد قادراً على تلبية حتى الحد الأدنى من الاحتياجات، وأن الناس باتوا رهائن لسلاسل توريد هشة تنهار عند أول منع.

أسواق تنهار بلا إنذار

ما يحدث في غزة ليس نقصاً في السلع فقط، بل هو اختفاء مفاجئ ومتكرر للمعروض الكامل. يقول أحد الغزيّين: "يعني مثلاً يدخلك أكل يوم السبت، في أكل يوم الثلاثاء تجد السوق فاضياً". هذه الجملة تصف حالة عدم يقين شاملة، حيث لا يستطيع المستهلك التخطيط لا ليوم واحد ولا لأسبوع.

وفي هذه البيئة، تصبح الأسعار أسعاراً استنزافية، لا خاضعة لقواعد العرض والطلب الطبيعي، بل لقواعد السوق الموازية والسوداء التي تنشأ حيث يختفي الاحتكار الرسمي ويحل مكانه احتكار تتحكم فيه" إسرائيل".

  •  كيف يمكن للعالم أن يسمح بأن تستمر هذه الأزمة يوماً آخر في غزة؟
    كيف يمكن للعالم أن يسمح بأن تستمر هذه الأزمة يوماً آخر في غزة؟

وفي هذا السياق، تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن المستوى العام للأسعار في غزة قد استقر عند مستويات تفوق معدلات ما قبل الحرب بنسبة 274 %، وسط تقلبات عنيفة نشأت عنها أسواق موازية سوداء لا يخضع فيها سعر أي سلعة لأي ضابط. وبينما نراقب الأرقام، لا بد أن نتذكر أن ما يقع خارج الإحصاء أكثر إيلاماً مما يقع داخله.

الأمن الغذائي: حين يصبح الجوع سياسة

في آب/أغسطس الماضي، سجّل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ارتفاعاً حاداً في مؤشر أسعار المنتج بنسبة 13.28 فاصلة  في المئة مقارنة بشهر تموز/ يوليو، وهو ارتفاع ينعكس فوراً على أسعار البيع بالتجزئة.

ومع اقتراب الشتاء في أيلول/سبتمبر، قفزت أسعار الخيام ومستلزمات الإيواء بشكل جنوني، حيث ارتفع سعر الخيمة من 1300 شيكل إلى1700 شيكل، وارتفع سعر الشادر إلى170، ما استنزف ما تبقى من مدخرات العائلات النازحة.

لكن الأهم من الأرقام هو المشهد البشري. تقول سيدة بكل غصة للميادين: "هناك أشخاص يأكلون الفاكهة، ويوجد أشخاص ينظرون إليها ولا يستطيعون".

هذه ليست شكوى هامشية، بل هي شهادة على انقسام عمودي جديد في المجتمع الغزي: طبقة قليلة تستطيع الأكل، وأغلبية تنظر. ووفق بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)  المحدثة في أيلول/ سبتمبر، فإن مليوناً وأربعمئة ألف شخص، أي نحو 67% من السكان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي تصل إلى مستوى الأزمة أو أسوأ. وتشير تقارير ميدانية في آب/أغسطس إلى أن 4 من كل 5 أسر داخل مواقع الإيواء تعاني جوعاً حرجاً.

ويضيف مواطن آخر للميادين: "الأسعار ليست في المتناول، حتى للموظفين، فما بالك بالعاطلين عن العمل، ونسبة العاطلين عن العمل في شعبنا تتجاوز90%". وهنا تظهر المعادلة الأكثر قسوة: سلع شحيحة بأسعار خيالية، وسوق عمل منهار تماماً، فمن يملك مالاً لا يجد ما يشتريه، ومن يجد ما يشتريه لا يملك مالاً.

تقليص المساعدات: ضربة في قلب الصمود

مع اشتداد الأزمة، لم يكن الحل من الخارج، بل جاء التقليص أيضاً. أعلن برنامج الأغذية العالمي في أواخر أيلول/سبتمبر عن اضطراره لتقليص نطاق مساعداته الغذائية والنقدية بشكل كبير بدءاً من مطلع تشرين الأول نتيجة أزمة تمويل حادة ونقص حرج في الموارد.

وانخفضت القدرة التشغيلية للبرنامج لتشمل مليوناً ومئة ألف شخص فقط، بعد أن كان يدعم مليوناً وخمسمئة ألف شخص شهرياً حتى آب/ أغسطس، مع تخفيض المساعدات الغذائية المباشرة بنحو 500.000 مستفيد. هذا التقليص، في ظل هذه الظروف، ليس تخفيفاً للعبء، بل هو نقل لعبء الجوع من المنظمات إلى الأسر نفسها، حيث لم يعد أمام الناس سوى خيارات الموت البطيء.

انهيار الإنتاج: الاقتصاد الذي لفظ أنفاسه

المشكلة ليست في المساعدات وحدها، بل في أن غزة لم يعد لديها اقتصاد منتج يمكن أن يعتمد عليه. فبحسب بيانات الأمم المتحدة المنشورة في أيلول/ سبتمبر، تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي في غزة بنسبة 94%، وتوقف قطاع البناء بنسبة 99 %، ولم يتبقَّ سوى أقل من 1,5 %من الأراضي الزراعية الصالحة للاستخدام والوصول. هذا يعني أن غزة لم تعد قادرة على إنتاج غذائها، ولا على بناء بيتها، ولا على تشغيل مصانعها.

وأوضحت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية في تقريرها لشهر أيلول/ سبتمبر أن وجود الغذاء على الرفوف لا يعني القدرة على الوصول إليه، فالأسواق تعاني ركوداً خانقاً بسبب فقدان الدخل، حيث بات نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتعدى58 سنتاً يومياً. أي أن المواطن الغزي، في المتوسط، يعيش على أقل من دولار واحد في اليوم. ومن هنا نفهم جيداً معنى قول السيدة: "لم نذقها منذ سنتين"، فهذه ليست مبالغة، بل هي حصيلة حسابية دقيقة لاقتصاد منهار.

الأطفال والمعابر: الوجه الآخر للكارثة

وفي قلب هذا الانهيار، يظهر وجه آخر للأزمة: العمالة القسرية للأطفال. فقد أدى ارتفاع الأسعار الكارثي وتدمير 73% من المدارس إلى دفع آلاف الأطفال إلى سوق العمل غير الرسمي والشاق، لساعات تتجاوز 12  ساعة يومياً، بأجور زهيدة جداً، للمساهمة في إعالة عائلاتهم. وحين يُستنزف جيل كامل في هذا العمر، فإن الكلفة لا تُقاس باليوم أو الشهر، بل بالعقود.

أما المعابر، فلم تكن يوماً بعيدة عن المعادلة. فقد شهد أيلول/ سبتمبر إغلاقات متكررة للمنافذ والمعابر من قبل السلطات الإسرائيلية، ما تسبب في قطع الإمدادات الشحيحة أصلاً، وأدى إلى إفراغ مستودعات إنسانية بالكامل في مدينة غزة.

واستمرت الشكاوى من فرض رسوم موازية وغير منتظمة على شاحنات البضائع التجارية، ما زاد من كلفة السلع وضاعف الأعباء على التجار والمواطنين على حد سواء.

التجويع الممنهج ليس تهمة، بل واقع موثّق

إذن، الواقع المعيشي الكارثي، والذي تقره منظمات أممية، يؤكد أن ما يجري هو جريمة تجويع ممنهج، رغم ما يسمى بـ "اتفاق تهدئة" لم يجلب لهؤلاء إلا المزيد من الويلات، كما يقولون. إن الحديث عن "نقص" في السلع و"ارتفاع قياسي" في الأسعار هو حديث صحيح ولكنه ناقص، فالمشكلة ليست في السوق، بل فيمن يصمم قواعد السوق. وليست في الأسعار، بل فيمن يقرر من يستطيع الشراء ومن لا يستطيع. وليست في المساعدات، بل فيمن يقرر حجمها وتوقيتها ومن يستحقها.

وحين نقف أمام هذه الصورة الكاملة، لا يعود السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت غزة تعيش أزمة إنسانية، بل حول كيف يمكن للعالم أن يسمح بأن تستمر هذه الأزمة يوماً آخر.؟

فغزة اليوم لا تحتاج إلى مساعدات إضافية فقط، بل إلى إنهاء الحصار، وفتح المعابر بلا شروط ومحاسبة المجرمين، وإعادة بناء اقتصاد لم يعد قادراً على النهوض من تلقاء نفسه. أما ما تبقى من صبر الناس، فهو رصيد ينفد، وساعة لا يمكن تأخيرها إلى ما لا نهاية.

 

 

اخترنا لك