اكتشافات في جبال لبنان: مغارة وهوّة

حظيت مناطق لبنانية بالعديد من الاكتشافات نظراً لتوافر متخصصين وجمعيات بالمغاور فيها، وتراوحت أهميتها بين الجمال السياحي، ومراكز الأبحاث الجيولوجية، وهواية المغامرة.

0:00
  • اكتشافات في جبال لبنان: مغارة وهوّة
    اكتشافات في جبال لبنان: مغارة وهوّة

تزخر جبال لبنان بالفراغات، والثغور الباطنية، وتنبع منها عشرات الينابيع التي تغذي 14 نهراً ساحلياً تصب في البحر الأبيض المتوسط.

وللتذكير بأبرزها؛ مغارة جعيتا منبع نهر الكلب في كسروان، وقاديشا منبع نهر قاديشا في بشري-الأرز بلوغاً إلى ساحل طرابلس اللبنانية، وأفقا في جرود جبيل، وهوّة تنورين العجائبية المعروفة بهوّة بعتارة، أو بالوع بلعة، وفيها شلال على ارتفاع 90 متراً تغذّي مياهه نبع نهر الجوز أعالي البترون. 

حظيت هذه المناطق بالعديد من الاكتشافات نظراً لتوافر متخصصين وجمعيات بالمغاور فيها، وتراوحت أهميتها بين الجمال السياحي، ومراكز الأبحاث الجيولوجية، وهواية المغامرة.

وصلت الاكتشافات إلى أقاصي الشمال متأخّرة، رغم ذلك، باتت تخرج إلى المسامع اكتشافات متتالية لمغاور ليست أقل أهمية من سالفاتها في بقية المناطق، وآخر اكتشافات المغاور والهوّات الكثيرة التي جاءت من عكار: مغارة "وادي مرعي" في بلدة رحبة، وهوّة "أبومشهور العسّ" في بلدة تاشع.

الاكتشافان تمّا عن طريقة الصدفة، كما في غالبية المغاور الأخرى، وتولّت الغوص فيهما مجموعة "اكتشف عكار للسياحة البيئية" التي تعاونت مع "النادي اللبناني للمغاور" لمواصلة وتعميق الأبحاث والاكتشافات فيها.  

رئيس المجموعة العكارية عبد القادر عبد المجيد، وهو مرشد جبلي محلي، وناشط بيئي، روى لـ"الميادين نت" كيفية اكتشاف الموقعين.

اكتشاف "هوّة تاشع"

الأحدث بينهما هي هوّة تاشع، البلدة التي تقع على ارتفاع متوسطه ألف متر عن سطح البحر، وتقبع في إطلالة لامتناهية باتجاه الشمال والغرب، أراد أبو مشهور، أحد أهالي البلدة، توسيع منزله، على ما روى عبد المجيد، لافتاً إلى أنه أثناء الحفر، عثر على فتحة في الأرض، وكان من البديهي أن تدفعه حشريته لمعرفة ماهيتها، فرمى فيها حجراً، ولشدّة دهشته سمع كركبة صوت تدحرج الحجر في وقت طويل، وتباعد الصوت تدريجياً في الأعماق.

أدرك "أبو مشهور" أنّ الحفرة ليست ظاهرة بسيطة أو عادية، فحاول إرسال إشارات ضوئية في داخلها، فلم يستطع مشاهدة أّي شيء، فوسّع الحفرة، وأثناء العمل شعر بخروج موجات هواء باردة منها في ظروف غير متوافقة مع البرودة.

وبغية الخروج من الحيرة التي واجهته، اتصل بمجموعة "اكتشف عكار.."، كما قال عبد المجيد،  الذي لبّى النداء، فحضر مع زميله في المجموعة حسن عوض.

 هوّة عميقة عمودية

المجموعة احترافية، فيها متدربّون وكادرات متدرّبة على تسلّق الجبال، والإنقاذ. حاول عبد المجيد وعوض دخولها مستطلعين حالتها، فإذا هي، بحسب عبد المجيد، هوّة عميقة عمودية، أي إنها ليست مغارة التي يفترض أن تكون أفقية، أو بزاوية مائلة. وثّقناها بالصورة والصوت، وتبيّن أنّ عمقها من فتحتها حتى سقفها يبلغ 18 متراً، بينما ارتفاعها في الداخل، أي من أرضيتها، يبلغ 20 متراً، وعرضها 22 متراً، وفيها صواعد (stalactite)، ونوازل (stalagmite) كثيرة، لكنّ المياه فيها قليلة”.

بعد أن كشفت المجموعة على الهوّة، وجد مسؤولها أنها بحاجة لتوثيق بصورة أكثر تخصصية، فتواصل مع النادي اللبناني للمغاور فـ "حضروا بأجهزة ومعدات أكثر تطوراً، وعملوا لها مسحاً جيولوجياً، وحدّدوا موقعها على الـGPS، و"أسميناها على اسم صاحب الأرض أبو مشهور العسّ، ونبّهناه لضرورة الحفاظ عليها، ومنع أي أحد من دخولها".

الهوة بحسب مصادر بلدية البلدة، باتت بعهدة المديرية العامة للآثار التي ينتظر أن تجري عليها الترتيبات الضرورية قبل فتحها أمام المواطنين، والقطاع السياحي.

مغارة  في رحبة

المغارة المكتشفة في رحبة تقع في وادي مرعي في منطقة تُعرف بـ"دير عوزا"، وقصتها أنّ صياداً يلاحق حيوان النيص (القنفذ) الشوكي، فشاهد نيصاً يدخل فتحة في الأرض، تعقّبها كلبه، فعلق فيها، ولم يعد يستطيع الخروج. وعندما حاول إنقاذ الكلب، لاحظ فجوة في الأرض، ومغارة عميقة، يخرج منها هواء بارد رغم شدّة الحر في أواخر أيلول/سبتمبر من العام 2020. 

اتصل الصياد بمجموعة "اكتشف عكار"، فتجهّزت مجموعة منها للنزول فيها، ويقول عبد المجيد: "نزلنا في بدايتها زحفاً لمسافة 5-6 أمتار، إلى أن وصلنا إلى نقطة استطعنا الوقوف فيها، فوجدنا مغارة كبيرة مرتفعة بحدود العشرة أمتار، ولجهة اليمين انحدار شديد، ولاحظنا النوازل والصواعد الجميلة جداً، والكثيرة. في الجهة المقابلة، لاحظنا صخرة مرتفعة فتسلّقناها وصرنا نتنقل عليها من مكان إلى آخر صعوداً وهبوطاً في الفسحة الضخمة لجهة اليسار، حيث لاحظنا ازدياد الارتفاع لـ12 -13 متراً والعرض تراوح بين العشرة أمتار، والثلاثين متراً. 

أضاف: "كانت مغارة رائعة كاملة الأوصاف فيها عواميد ضخمة من النوازل والصواعد، تستحق التصوير. كما لاحظنا دهاليز  كثيرة فيها، ودخلناها جميعاً، ووصلنا إلى نقطة لم نعد قادرين على المتابعة بما نملك من تجهيزات ومعدات. تواصلنا مع أصدقاء في "النادي اللبناني للمغاور"، وقمنا بزيارتها ثانية معاً من جديد، وجهّزناها بالإنارة، وقمنا بزيارتها عدة مرات. ومن الذين حضروا لمشاهدتها سفير النمسا في لبنان مع عائلته.

في هذه الأثناء، وسّع اصحاب الأرض المدخل، بالتعاون مع بلدية رحبة، وركّبوا لها بوابة حديد 130 سم، منعاً لدخولها وانتهاكها. 

 

 

اخترنا لك