منبوذان على ضفّتي هرمز
في سوقٍ شعبيّ في طهران، تقف امرأةٌ أمام بائع رمّان. تسأله عن السعر، فيضحك ويقول: اسألي واشنطن. تشتري ثلاثة أكواز بدل خمسة، وتمضي. هنا، بعيداً من بيانات الخزانة، يُكتب التاريخ الحقيقي للحصار: في قرار امرأةٍ أن تأكل أقلّ، وتنحني أقلّ.
-
أيّ المنبوذَين سيجد من يجلس معه إلى الطاولة؟
نبذوه، فنبذَ الخوف. اسمٌ جديد علّقته إدارة ترامب على باب إيران: المنبوذ الاقتصادي. لافتةٌ تشبه تلك التي يعلّقها الدائن على دكّانٍ لم يُفلس، كي يقنع الزبائن بأنّ صاحبه مات. غير أنّ صاحب الدكّان ما زال يفتح الباب كلّ صباح، يكنس العتبة، ويعدّ ما تبقّى في الدرج من قروشٍ وكرامة.
منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير، والرياح الأميركية تهبّ على هضبة فارس من الجهات الأربع. هبّت أوّلاً ناراً، فاغتالت المرشد في بيته، ونزلت على مدرسةٍ في ميناب فنقلت من دفاتر الأطفال أكثر من مئةٍ وسبعين اسماً إلى سجلّ الشهداء. ثمّ هبّت بحراً، فطوّقت الموانئ الجنوبية. ثمّ هبّت حبراً، فصار البيت الأبيض يكتب الحصار بلغة المعارك: الغضب الاقتصادي خلفاً للغضب الملحمي، ويوم إنزالٍ اقتصاديّ يستعير شاطئ النورماندي ليطوّق شاطئ بندر عباس.
ميناب. الاسم وحده يكفي. ميناءٌ للماء صار ميناءً للدم، والحقيبة التي حملت أقلام التلوين حملت شظيّة. في ذلك الصباح لم يكن في الصفّ مفاعلٌ نووي، كان هناك طفلٌ يسأل معلّمته إن كانت الاستراحة طويلة. وطالت.
من هنا يبدأ الوجه الآخر للحكاية. إذا كانت إيران منبوذاً اقتصادياً بقرارٍ من وزارة الخزانة، فمن يكون الذي شنّ حرباً بلا تفويضٍ من الكونغرس، وبلا غطاءٍ من مجلس الأمن، وبلا عدوانٍ سابقٍ يبرّر الطلقة الأولى؟ أكثر من مئة خبيرٍ في القانون الدولي كتبوا أنّ الضربات خرقت ميثاق الأمم المتحدة، وأنّ إيران لم تهاجم أحداً. وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا وبلجيكا والنرويج، وهي من أهل البيت الغربي، وصفت الحرب بأنّها خارج القانون. هذا هو المنبوذ الأخلاقي. منبوذٌ لا تُعلَّق على بابه لافتة، لأنّه يملك المطبعة.
الفرق بين المنبوذَين فرقٌ في نوع الجوع. الأوّل جائعٌ إلى الدولار، والثاني جائعٌ إلى المبرّر. الأوّل يحصي التضخّم في السوق، والثاني يحصي الذرائع في المؤتمرات الصحافية؛ يعلن أنّ البرنامج النووي مُحي منذ حزيران/يونيو الفائت، ثمّ يقصف بحجّة البرنامج نفسه. رجلٌ يدفن ما يعتبره الجثّة ثمّ يعود ليطلق عليها النار.
في واشنطن، وصف مسؤولون قواعد الاشتباك بالغباء، وقدّموا الفتك على الشرعية. جملةٌ واحدة تختصر قرناً من خطب الحرّية. الإمبراطورية التي كتبت للعالم دساتيره صارت تمزّق الهامش، ثمّ المتن، ثمّ تعلن أنّ الورق كلّه مؤامرة.
أمّا المنبوذ الاقتصادي، فيقف كما تقف شجرة الكرز في آخر الشتاء: عاريةً، والجذر يعرف موعد الربيع. ريالٌ يهوي، أسعارٌ تصعد، مصانع تحت الركام، وصادرات نفطٍ مخنوقة في جزيرة خارك التي قُصفت كمن يُقطع شريانه الأبهر.
ومع ذلك، لم تسقط الدولة في الأسبوع الأوّل كما توقّعت غرف العمليات، ولا في الشهر الأوّل، ولا حين صار المضيق ورقةً في يد طهران بعدما أرادته واشنطن سوطاً في يدها.
هرمز. أربعة حروف تختصر الدرس كلّه: هاء الهيبة، راء الردع، ميم الممرّ، زاي الزمن. ومن يملك الزمن في حرب الاستنزاف يملك نصف النصر. ترامب نفسه قالها في لحظة صدقٍ نادرة: إنّه يخفض الإيقاع ويتفرّج على إيران وتضخّمها. اعترافٌ مقنّع بأنّ مخازن الذخيرة الأميركية لها قاع، وبأنّ القاذفة التي لا تُسقط دولةً تتحوّل إلى محاسبٍ يعدّ الأيام.
هكذا انتقلت واشنطن من الصاروخ إلى الصرّاف. انتقالٌ يشبه ملاكماً خسر الجولات بالنقاط فقرّر أن يقطع الكهرباء عن الحلبة. وفي العشرين من آب/أغسطس، أعلن الرئيس أقسى عملية اقتصادية في التاريخ، وتوعّد كلّ دولةٍ تمدّ لإيران طوق نجاة بعواقب هائلة. الحصار صار أوسع من إيران. صار على العالم أن يختار بين السوق الأميركية والضمير.
بعض العواصم اختارت. أبو ظبي علّقت تعاملاتها الاقتصادية مع طهران عشيّة الإعلان. لكنّ بيجين لم تختر بعد ولن، وموسكو تحذّر، وأوروبا تتلعثم. والمفارقة أنّ أداة النبذ نفسها تُنبذ ببطء: كلّ عقوبةٍ ثانوية تدفع دولةً إضافية إلى البحث عن عملةٍ أخرى، وممرٍّ آخر، ونظامٍ ماليّ لا يمرّ عبر نيويورك. الدولار الذي صار هراوةً يخسر شيئاً من بريقه كلّما ارتفع فوق الرؤوس.
والصين هي العقدة التي لا يقطعها سيف. أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وأكبر دائنٍ للخزانة الأميركية. معاقبة مصارفها تعني إطلاق النار على قدمين في آنٍ واحد. لهذا يرفع البيت الأبيض الخطّ الأحمر عالياً، ثمّ يقف تحته ويتأمّل، كمن رسم باباً على جدارٍ ويخشى أن يطرقه فيكتشف أنّه جدار.
ثمّة قانونٌ قديم في السياسة: الحصار الذي لا يُسقِط يُصلِّب. حوصرت كوبا فبقيت. حوصر العراق فجاع أطفاله وبقي القرار في بغداد حتى جاءت الدبابات. وحوصرت غزّة أكثر من ستة عشر عاماً فخرج من تحت الأرض جيلٌ لم يعرف شكل البحر، لكنّه يحفظ طريق الأنفاق عن ظهر قلب. الجوع يعلّم الشعوب ما لا تُدرّسه هارفارد.
وللتاريخ ذاكرةٌ أطول من ولاية رئاسية. في خريف ألف وثمانمئة وستة، أعلن نابليون من برلين حصاره القاريّ على بريطانيا، وأراد أن يخنق جزيرة التجّار بإغلاق موانئ أوروبا فيوجّهها. فازدهر التهريب، وجاعت المدن الفرنسية قبل اللندنية، وتمرّدت روسيا على الحصار، فسار الإمبراطور إليها ليعاقبها، وعاد من ثلوجها بنصف جيش ونصف أسطورة. الحصار الذي يُفرض على الجميع يتحوّل، في النهاية، إلى حصارٍ على صاحبه.
وهنا عقدة الحساب الأميركي. كلّ برميلٍ يُمنع من الخروج من خارك يرفع سعر الوقود في محطّةٍ في أوهايو. وكلّ ناقلةٍ تتردّد أمام هرمز تضيف سنتاً إلى فاتورة مزارعٍ في آيوا،وقلقاً إلى مصنعٍ في بافاريا. الخنق الاقتصادي حبلٌ بطرفين، ومن يشدّ أحدهما يشعر بالآخر يلتفّ على معصمه.
في سوقٍ شعبيّ في طهران، تقف امرأةٌ أمام بائع رمّان. تسأله عن السعر، فيضحك ويقول: اسألي واشنطن. تشتري ثلاثة أكواز بدل خمسة، وتمضي. هنا، بعيداً من بيانات الخزانة، يُكتب التاريخ الحقيقي للحصار: في قرار امرأةٍ أن تأكل أقلّ، وتنحني أقلّ.
والمنبوذ الأخلاقي؟ يملك حاملات الطائرات، ويملك أمّ القنابل ويملك المصارف، ويملك المنابر. لكنّه خسر الشيء الوحيد الذي لا يُطبع في مطابع الخزانة: الثقة. حلفاؤه يدينونه همساً وعلناً، وأساتذة القانون في جامعاته يكتبون مرافعات الاتّهام ضدّه، وشريكه في الحرب، كيان الاحتلال، يحمل على كتفيه سجلّ غزّة ولبنان كاملاً، ويبحث في طهران عن انتصارٍ يمحو به ما لا يُمحى. والانتصار الذي يُبحث عنه في أرض الآخرين يُدفن غالباً في أرض الباحث.
وفي جنيف، حيث وُلدت اتفاقيات الحرب ذات خريفٍ أوروبي، يتذكّر الصليب الأحمر أنّ الحرب على البنية التحتية حربٌ على المدنيين. جملةٌ قالتها رئيسته في آذار/مارس، وبقيت معلّقةً في الهواء كجرسٍ لا يسمعه من في البرج. المنبوذ الأخلاقي يكره الأجراس. يفضّل صفّارات الإنذار، لأنّها تُطلق في بلاد الآخرين.
ولبنان يعرف هذه المعادلة جيّداً. عرفها في تمّوز/يوليو، وعرفها في أيلول/سبتمبر الدامي، وعرفها في كلّ مرّةٍ قيل له إنّ المقاومة معزولةٌ ومحاصَرة ومنبوذة، ثمّ اكتشف المحاصِر أنّ الجنوب أوسع من الطوق. النبذ سلاح من خسر الحجّة، والصبر سلاح من ربح الأرض.
ويبقى السؤال معلّقاً فوق مياه الخليج: حين تصمت المدافع وتُحصى الخسائر في الدفاتر، أيّ المنبوذَين سيجد من يجلس معه إلى الطاولة؟ ومن سيكتشف أنّ العالم،بهدوءٍ ومن دون إعلان، قد أدار له ظهره؟