كيف خسر "الصبية الموهوبون" الحرب؟

 خسر "الصبية الموهوبون" بقيادة ماكنمارا الحرب في فيتنام، لكنّ الولايات المتحدة تشنّ اليوم حرباً ضدّ خصم أكثر تنظيماً وأشدّ مراساً، ولكن بقيادة "صبية غير موهوبين"!

  • التعبئة الشعبوية تختلف عن الهوية العقائدية التي تنمو لأسباب تاريخية في المجتمعات.
    التعبئة الشعبوية تختلف عن الهوية العقائدية التي تنمو لأسباب تاريخية في المجتمعات.

في شهر نيسان/أبريل من عام 1966، يكتب ريتشارد ستيلمان، الكولونيل الأميركي وأحد المحاربين القدامى في الحرب العالمية الثانية مقالاً ما زالت صفحات المعهد البحري الأميركي تحتفظ به. يناقش المقال الإشكالية التي نشأت آنذاك في الجيش الأميركي، بين الفئة المدنية المثقّفة التي وصلت إلى مراكز القرار في البنتاغون والفئة العسكرية البيروقراطية ذات التقاليد الصارمة. 

شهدت الحرب الأميركية على فيتنام تدفّقاً كبيراً لخرّيجي الجامعات الأميركية العريقة إلى البنتاغون. كان روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع خلال الحرب على فيتنام، واحداً منهم. لا تختلف قصة ماكنمارا في المرور عبر "الباب الدوّار" عن كثير من المسؤولين الأميركيين، فخرّيج كلية الأعمال من جامعة هارفرد، انتقل بسرعة من العمل في البيانات والإحصاء وشركة فورد إلى وزارة الدفاع ولاحقاً البنك الدولي. 

 صعد ماكنمارا في سلّم الترقيات في البنتاغون، وكان ضمن دفعة من المسؤولين الكبار الحائزين على شهادات جامعية أو دراسات عليا من ييل وبرنيستون وستانفورد. لكنه حين وصل إلى منصب وزير الدفاع، عيّن عدداً كبيراً من الشباب حديثي التخرّج أو في عمر الثلاثينيات في مناصب حسّاسة في البنتاغون. لم يكن مشهداً غريباً في البنتاغون أن يتجوّل شاب حديث التخرّج في أقسام البنتاغون المختلفة، ليختار بعد جولته الاستكشافية القسم الذي يثير اهتمامه أكثر. 

 ناقش ستيلمان في مقاله المنشور عام 1966 هذه الإشكالية، إشكالية الفجوة الناشئة بين الفئة العسكرية التقليدية والنخبة المثقّفة القادمة من أروقة الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة. تعرض مجموعة من المراجعات قصة أحد هؤلاء الشبّان، الذي كُلّف بإعداد خطة تعديلات هيكلية شاملة للناتو، براتب شهري قدره 30 ألف دولار. كانت الخطة تقتضي تلمّس النتائج خلال 6 شهور، ولكن بعد عودة الشاب المكلّف من باريس بعد عام ونصف العام من دون إنجاز يذكر، قال له أحد العسكريين التقليديين: "في هذا الميدان الصبر أكثر أهمية من غزارة الأفكار"!

 استمرّت إشكالية الفجوة في أروقة البنتاغون بين مثقّفي الجامعات والعسكريين التقليديين. في نهايات الدورة الرئاسية الثانية لباراك أوباما، تفاعلت انتقادات مشابهة لتعيين آشتون كارتر كوزير للدفاع، واعتبر بعضهم أنّ وزارة الدفاع تحتاج إلى من يستطيع الغوص وتلويث يديه، وليس لأكاديمي.

في تلك الفترة، نشر موقع War on the rocks، مقالاً في الذكرى المئوية لميلاد روبرت ماكنمارا، بعنوان "الإرث الآخر لروبرت ماكنمارا". حاول فريق ماكنمارا، وبمساعدة تشارلز هيتش، الباحث في مؤسسة راند، أن يعكسوا معارفهم في الاقتصاد الجزئي والإحصاء والرياضيات ليس فقط على إدخال آليات جديدة لإدارة وزارة الدفاع، وإنما أيضاً على مجريات الحرب في فيتنام، بما في ذلك تحديد الأهداف في الميدان.

لم تتمكّن المعرفة في ميدان الاقتصاد والرياضيات من أن تجيب عن الأسئلة في ميدان علم الاجتماع، فاستمرار الحرب في فيتنام تسبّب في نمو قضية مقاومة كبرى لدى الفيتناميين وتذمّر لدى دافعي الضرائب في الولايات المتحدة. وهكذا كُتبت تعليقات أميركية عديدة: "لقد خسر الصبية الموهوبون الحرب"!

 مع بيت هيغسيث تبدو أزمة وزارة الحرب من نوع آخر، وتبدو أيضاً عصيّة على التصنيف. هيغسيث لا يمثّل العسكرتاريا التقليدية، ولا يمتلك خبراتها أصلاً، وعدد الجنرالات من مستوى "فريق أول" في موقع كبار المسؤولين في البنتاغون تراجع مع هيغسيث إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود. 

تقول مجموعة من التعليقات الأميركية إنّ جوهر الخلاف مع وزير الجيش دريسكول تنطلق من تأييد دريسكول إلى المرونة التكنولوجية وضرورة التحديث التكنولوجي السريع، والشراكة مع القطاع الخاصّ، تحديداً فيما يتعلّق بالمشتريات، وتفويض المزيد من الصلاحيات للمستويات الأدنى، ولكنّ هيغسيث يعتبر أنّ مشاركته للجنود التدريبات البدنية أهمّ من كلّ ذلك، كما أنه يتمسّك بعنصر الولاء الشخصي والمركزية المطلقة في إدارة المشتريات. 

 من جهة أخرى، لا يمتلك هيغسيث بطاقة دخول إلى نادي "الصبية الموهوبين". فالتحصيل الأكاديمي من جامعة برنستون، لم يُستثمر في تجارب خارج إطار المشاركة في الحرب على العراق وأفغانستان، ومن مواقع غير متقدّمة، ناهيك عن الاستنزاف المتواصل في مهمات شعبوية لسنوات على منصات الإعلام والعمل السياسي المحدود. 

لا يمتلك هيغسيث منظومة معرفية يتمكّن من إسقاطها على إدارة وزارة الحرب، ويملتك بديلاً عنها الانفعال والتسرّع والتعصّب المرمّز بوشوم اليد. لا يمتلك هيغسيث رصيداً معرفياً يؤهّله لتقديم الإجابات عن الأسئلة الكبرى: لماذا تراجعت قاعدة الإنتاج الصناعي الحربي في الولايات المتحدة؟ (ربما أنّ دريسكول يمتلك جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال)؟ ولماذا تقف الولايات المتحدة في إيران مكبّلة وعاجزة؟ (ربما يمتلك راندي جورج جزءاً من الإجابة أيضاً).   

التعبئة الشعبوية تختلف عن الهوية العقائدية التي تنمو لأسباب تاريخية في المجتمعات والمؤسسات، وهذا ما لا يدركه هيغسيث. وعندها يصبح تحفيز الجنود والركض معهم أمام الكاميرات بلا أثر يذكر. غياب المعرفة الأكاديمية غير المصقولة والخبرة العملياتية المحدودة جداً تضع هيغسيث خارج الفريقين المتصارعين تاريخياً داخل البنتاغون (العسكريون التقليديون والنخبة المدنية المثقّفة)، تجعل منه مرحلة مختلفة، تعطي دلالة إضافية على الهبوط المستمر للإمبراطورية، وهي الفجوة العميقة بين كفاءة هيغسيث ومتطلّبات إدارة أضخم جهاز تنفيذي وبيروقراطي في الولايات المتحدة. 

لا يمكن لمن تُفضح مراسلاته عبر تطبيق سيغنال بشأن تفاصيل حربية أن يكون عسكرياً تقليدياً صارماً، ولا يمكن لمن يكرّر شعار "أقوى جيش في العالم" بلا ملل، أثناء قصف القواعد الأميركية أن يكون من النخبة المثقّفة. إنّ هيغسيث في ذاته تعبير عن حالة الهبوط، تماماً كما هي مؤشّرات تراجع قاعدة الإنتاج الصناعي الحربي الأميركي.

 خسر "الصبية الموهوبون" بقيادة ماكنمارا الحرب في فيتنام، لكنّ الولايات المتحدة تشنّ اليوم حرباً ضدّ خصم أكثر تنظيماً وأشدّ مراساً، ولكن بقيادة "صبية غير موهوبين"!