خارطة الألم.. كيف يصوّت النفط في الانتخابات النصفية الأميركية؟ (5)

لا يكفي السؤال عما إذا كانت إيران قادرة على رفع كلفة المعيشة في أميركا؛ الأهم أن يتم تحديد أين يظهر الأثر؟ وأي ناخبين يستطيعون تحويله إلى مقاعد؟

  • لا يحتاج الناخب إلى متابعة حركة السفن في الخليج ليرى أثر الاختناق في سوق الطاقة.
    لا يحتاج الناخب إلى متابعة حركة السفن في الخليج ليرى أثر الاختناق في سوق الطاقة.

لا يذهب الناخب الأميركي إلى صندوق الاقتراع وفي ذهنه مضيق هرمز بالضرورة، لكنه قد يصل إليه حاملاً أثره في فاتورة الوقود والغذاء والسلع. تظل السياسة الخارجية بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن الأميركي ما دامت تُناقش بلغة الخرائط والصواريخ، لكنها تتحوّل إلى قضية داخلية عندما ترتفع أكلاف الفواتير.

من هنا، تمر الطريق التي تربط بين تصعيد إيراني في الخليج وخسارة الجمهوريين مقاعد في الكونغرس، وهي طريق تحتاج ربما إلى متسع من الوقت، كي يتاح لأي تأثير أن يعبر من لحظة الاختناق إلى لحظة التفاعل مع الأسواق، وفق آليات السوق وتراكم الأثر.

عند هذه المحطة، يبرز السؤال التالي: إذا كانت إيران تملك أدوات قد تؤثر في كلفة المعيشة الأميركية فهل تستطيع أن تضمن تجييرها تلقائياً إلى أصوات في صناديق الديمقراطيين؟ 

هناك عوامل وشروط لا غنى عنها في سبيل ضمان هذا التأثير. لكن هذا لا يلغي منطق الفرصة والإمكانية انطلاقاً من المعادلة التالية: إذا كان تغيير توازن الكونغرس يحتاج إلى انتقال مقاعد قليلة، فقد يكفي تغير محدود في موقف المستقلين أو ضعف حماسة المشاركة في دوائر محددة لتحقيق هذه النتيجة.  

ذلك أن الطريق من هرمز إلى جيب الناخب الأميركي لا تعبر الولايات المتحدة كلها بالاتساع نفسه؛ فارتفاع الوقود يضغط على أسرة ريفية أو عامل يتنقل يومياً بالسيارة أكثر مما يضغط على ساكن مدينة يملك شبكة نقل عام، وقد يرهق مزرعة أو شركة نقل فيما تستفيد منه شركة منتجة للطاقة وأطراف أخرى. لذلك، لا يكفي السؤال عما إذا كانت إيران قادرة على التأثير في الأسعار ورفع كلفة المعيشة في أميركا؛ الأهم أن يتم تحديد أين يظهر الأثر؟ وأي ناخبين يستطيعون تحويله إلى مقاعد؟

الاقتصاد أولاً

أظهر استطلاع أجراه "مركز بيو للأبحاث" بين 6 و12 تموز/يوليو الماضي أن القضايا الاقتصادية تتقدم بفارق واسع على كل ما عداها في أولويات الانتخابات النصفية. عندما سُئل الناخبون المسجلون عن الموضوع الذي يريدون من مرشحي الكونغرس مناقشته، ذكر 29% الاقتصاد، بينهم 15% سمّوا كلفة المعيشة والقدرة على تحمّل الأسعار تحديداً، في مقابل 4% فقط ذكروا السياسة الخارجية.

في الاستطلاع نفسه، قال 66% إنهم شديدو القلق من أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، فيما قفزت نسبة شديدي القلق من سعر البنزين من 34% في كانون الثاني/يناير، قبل اندلاع الحرب، إلى 56% في تموز/يوليو.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية لأن ترامب عاد إلى البيت الأبيض على وعد بخفض التضخم وتجنب الحروب الطويلة. لذلك، لا يُقاس الضرر السياسي للحرب بحجم رفضها وحده، بل بالفجوة بين الوعود والنتائج التي يراها الناخب أسبوعياً. وهذا ما أشار إليه الباحث وليام غالستون في تحليل نشره "معهد بروكينغز" في 25 آذار/مارس؛ إذ توقع وقتها أن ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب سينتقل إلى أجزاء واسعة من الاقتصاد، ويضيّق الوقت المتاح أمام إدارة ترامب لمعالجة أزمة القدرة على تحمّل الكلفة قبل الانتخابات.

في استطلاع "رويترز/إبسوس" المنشور في 24 آب/أغسطس الماضي، لم يؤيد الحرب سوى 31% من الأميركيين، بانخفاض من 37% في آذار/مارس، فيما استقر تأييد أداء ترامب عند 33%، وهو أدنى مستوى سجّلته استطلاعات الوكالة في ولايتيه. ووفق "رويترز"، تراجع تأييد الحرب بين الجمهوريين أنفسهم من 77% في آذار/مارس إلى 69%.

وفي استطلاع منفصل نشرته "رويترز" في 26 آب/أغسطس، تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بثماني نقاط، عندما سئل الناخبون أي الحزبين يملك مقاربة أفضل لكلفة المعيشة. وهي أوسع أفضلية ديمقراطية منذ بدأت الوكالة طرح السؤال في تشرين الأول/أكتوبر 2025. كما أظهرت استطلاعاتها في آب/أغسطس تقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد في الثقة بإدارة الاقتصاد، وإن بقي الفارق محدوداً ومتقلباً.

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع "أسوشيتد برس ــ نورك" الذي أجري بين 23 و27 تموز/يوليو؛ إذ رأى نحو ثلثي الأميركيين أن الحرب لم تكن مجدية، ولم يوافق على طريقة ترامب في إدارتها سوى 28%. والأكثر دلالة أن الأميركيين أظهروا اهتماماً أكبر بالحفاظ على انخفاض أسعار البنزين والتوصل إلى وقف دائم للنار من اهتمامهم ببعض الأهداف الأخرى التي تطرحها الإدارة للحرب.

لا تثبت هذه الأرقام أن الحرب ستسقط الغالبية الجمهورية، لكنها تبيّن أن الطريق من الضغط في هرمز إلى الضغط على ترامب لم تعد نظرية مجردة.

خارطة الألم

لا يحتاج الناخب إلى متابعة حركة السفن في الخليج ليرى أثر الاختناق في سوق الطاقة، فمحطة الوقود تكرر الرسالة كلما استخدم الأميركي سيارته. كذلك لا يحتاج سعر البنزين إلى شرح اقتصادي. بيد أن السلسلة لا تتوقف عند أصحاب السيارات، فالديزل وقود رئيسي للشاحنات والقطارات والآلات الزراعية، وعندما ترتفع كلفة النقل والتبريد والتخزين، تنتقل أجزاء منها إلى أسعار السلع، وإن لم يحدث ذلك فوراً أو بالنسبة نفسها.

ويشعر المزارعون بالضغط من جهتين: وقود الحراثة والحصاد ونقل المحاصيل، والأسمدة المتأثرة بالطاقة والغاز الطبيعي والشحن. هكذا ينتقل أثر هرمز من النفط إلى النقل والزراعة والغذاء. 

تتجلى انعكاسات هذه المعطيات في كون معركة مجلس النواب تتحدد في مساحة ضيقة، ومعركة مجلس الشيوخ في مساحة أضيق. تضع تصنيفات منظمتي "Cook Political Report" و"Inside Elections" معظم المقاعد خارج المنافسة الجدية، فيما يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صاف محدود لاستعادة الغالبية. وهذا يجعل عشرات الدوائر، لا المزاج الوطني وحده، الميدان الذي تجب مراقبته عند البحث عن الصلة بين هرمز والكونغرس.

تقارير ميدانية عدة أوردتها الصحافة الأميركية ووكالات الأنباء تشير إلى هذا المنحى، إذ تقدم الدائرة السابعة في بنسلفانيا مثالاً واضحاً على ذلك. تنقل "أسوشيتد برس" في تقرير نشر أواخر الشهر الماضي أمزجة ناخبين من العمال امتنعوا عن التصويت في عام 2024 وأبدوا عزمهم هذه المرة التصويت للديمقراطيين، رابطين قرارهم بزيادة البنزين وبقاء الأجر ثابتاً. هنا يجتمع إرث صناعي، وأعمال خدمية منخفضة الأجر، وتنقل يومي، ومقعد يمكن أن يحسم بفارق صغير.

وفي الدائرة السابعة عشرة في نيويورك، رصدت "الواشنطن بوست" في نيسان/أبريل الماضي أثر ارتفاع الوقود والشحن في الأسر والأعمال الصغيرة. أما في الدائرة الثانية والعشرين في كاليفورنيا، فيتداخل ارتفاع أسعار البنزين في الولاية مع دخول متواضعة واقتصاد زراعي يعتمد على الوقود والنقل، وهي أسباب دفعت عيّنة من العمال المستقلين إلى تأييد منافس ديمقراطي وفق الصحيفة.

حماس أقل.. حسم أكثر

بناءً على ذلك، لا يتوزع أثر الأسعار بالتساوي بين الأرياف والمدن. سكان الضواحي الذين يقودون مسافات طويلة، والأسر ذات الدخل المحدود، وسكان المناطق الريفية، وأصحاب الأعمال الصغيرة والمزارعون، يشعرون بارتفاع الوقود بصورة أسرع من سكان المدن الذين يملكون بدائل نقل أوسع. وهذه فئات موجودة بكثافة في ولايات ودوائر متأرجحة، بعضها حُسم في دورات سابقة بفوارق ضئيلة.

وجد مكتب إحصاءات النقل أن الأسرة الريفية أنفقت في 2024 أكثر من الأسرة الحضرية على النقل، وخصصت له حصة أكبر من دخلها. في المقابل، قد تخفف الوظائف والعائدات المرتبطة بالطاقة الأثر السلبي في بعض الولايات والمناطق المنتجة. ليست المسألة إذاً "ريفاً ضد مدن"، بل مقدار اعتماد الأسرة والاقتصاد المحلي على الوقود، وحجم الدخل المتاح لامتصاص الصدمة.

لا يعني ذلك أن كل متضرر سيصوّت للديمقراطيين. قد يبقى الجمهوري مع حزبه لكنه أقل حماسة للمشاركة، أو يعاقب المستقل نائباً جمهورياً مع احتفاظه بمواقف محافظة أخرى. وقد أظهر استطلاع حديث أجرته "رويترز/إبسوس" أن المستقلين فضّلوا مرشحي الديمقراطيين بـ33% مقابل 19% للجمهوريين، مع بقاء نسبة واسعة غير حاسمة.

وتوضح البيانات الجديدة أن "غير الحاسم" ليس فئة واحدة. فقد وجد "بيو" أن المستقلين أكثر تردداً من أنصار الحزبين، لكن الفجوة الأهم ظهرت بين المائلين إلى كل حزب: 28% من المستقلين المائلين إلى الجمهوريين لم يكونوا قد حسموا خيارهم، مقابل 12% من المائلين إلى الديمقراطيين.

هذا يعني أن الضرر لا يحتاج إلى انتقال جمهوري واسع نحو الديمقراطيين. قد يتردد ناخب صوّت لترامب، أو يمتنع عن المشاركة، أو يفصل بين تأييده للرئيس ومعاقبته نائباً جمهورياً. وفي انتخابات تحتاج فيها الغالبية إلى بضعة مقاعد، يصبح انخفاض الحماسة فعلاً انتخابياً حتى لو لم يتغير الانتماء الحزبي.

باب العقاب يبقى موارباً

مع ذلك، يجب الحذر في تعميم النتائج وفي الانسياق وراء استنتاجات متسرّعة. تدعم البيانات وجود تفاوت في التوجهات الانتخابية بناءً على سمات اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية. في كارولاينا الشمالية وآيوا على سبيل المثال يظهر وجه مختلف عما سبق: قواعد ريفية وزراعية تتضرّر من الديزل والأسمدة، لكنها قد تبقى جمهورية بفعل الهوية الحزبية والموقف الأمني من إيران. لذلك، لا يجوز تحويل الخارطة الاقتصادية إلى خارطة أصوات بصورة آلية. 

وتشرح الدراسات لماذا لا تكفي الأسعار وحدها لتحديد اتجاه الصوت. فقد وجدت دراسة عن انتخابات 2022 النصفية، نشرتها "British Journal of Political Science" عام 2025، أن ارتفاع العبء التضخمي الشخصي زاد الميل إلى معاقبة حزب الرئيس، لكنها وجدت أيضاً أن الرسالة التي تحدد المسؤولية تغير اتجاه الأثر: إلقاء اللوم على الإنفاق الحكومي أضعف الديمقراطيين، فيما أضعف اتهام الشركات بالجشع جزءاً من أفضلية الجمهوريين.

وهذه هي معركة 2026 أيضاً: الديمقراطيون يقولون إن ترامب بدأ حرباً رفعت الأسعار بعدما وعد بخفضها؛ والجمهوريون يقولون إن إيران هي التي عطلت الملاحة، وإن الكلفة ضرورية لمنع خطر أكبر. وما يقرر السلوك ليس مقدار الألم وحده، بل الجهة التي يحمّلها الناخب مسؤوليته.

الألم الاقتصادي لا يمحو الهوية الحزبية

تضغط الحرب أيضاً على التناقض داخل شعار "أميركا أولاً". فقد وعد ترامب بإبعاد البلاد عن الحروب المفتوحة، لكن جزءاً من قاعدته يؤيد استخدام القوة ضد إيران ويمنح الأولوية لمنعها من امتلاك سلاح نووي وحماية "إسرائيل". لذلك، لم يحدث انهيار جمهوري شامل في تأييد الحرب؛ فما زالت غالبية واضحة من الجمهوريين تدعمها، وتظهر استطلاعات "إيكونوميست/يوغوف" نشرت في منتصف تموز/يوليو أن أنصار حركة "ماغا" أكثر تأييداً لها من الجمهوريين الآخرين.

لكن الانتخابات لا تحتاج إلى انقسام كامل. فتراجع التأييد الجمهوري للحرب ثماني نقاط بين آذار/مارس وآب/أغسطس، وانخفاض الرضا عن تعامل ترامب مع كلفة المعيشة إلى نحو نصف الجمهوريين، يكشفان فجوة قد تظهر في ضعف المشاركة أو الضغط على مرشحي الحزب، لا في تصويت واسع للديمقراطيين.

مع ذلك، لا يسير التأثير في اتجاه واحد. فقد يدفع هجوم إيراني كبير أو ربما سقوط عدد مرتفع من الأميركيين إلى رد فعل عكسي، أي ارتفاع مؤقت في دعم الرئيس نتيجة الأزمات الخارجية. ويمكن لترامب أن يعيد صياغة ارتفاع الأسعار بوصفه تضحية ضرورية في مواجهة عدو يهدد الأمن الأميركي، أو أن يحمّل طهران مسؤولية تعطيل الملاحة وابتزاز المستهلكين. وتبقى لهذه السردية قاعدة قابلة للاستجابة؛ إذ لا يزال جزء من ناخبي ترامب يرى إيران، لا الرئيس، مسؤولة عن كلفة الحرب. 

إيران لا تحتاج، مع ذلك، إلى تغيير اتجاه الرأي العام الأميركي كله. في خارطة انتخابية تتركز معركتها الحقيقية في عشرات المقاعد، يكفي أن ترفع الأسعار والقلق درجة إضافية في عدد قليل من الدوائر التي تجمع دخلاً مضغوطاً واعتماداً مرتفعاً على السيارة أو الزراعة وكتلة من المستقلين، أو أن تؤثر في مشاركة بعض الجمهوريين المترددين، كي تصبح عاملاً مرجحاً.