حين تصبح طرابلس رئةً لسوريا؟
اقتراح منح سوريا سيطرة إدارية على طرابلس يثير جدلًا حول السيادة اللبنانية، رغم إمكان التعاون الاقتصادي عبر المرفأ والسكك الحديدية دون تغيير الحدود.
-
حين تصبح طرابلس رئةً لسوريا؟
أحيانًا، تبدأ الأشياء الكبيرة بجملة تبدو عابرة.
مدينة بعيدة على شاطئ المتوسط. مرفأ يحتاج إلى رافعات جديدة. دولة خرجت من حرب طويلة وتبحث عن منفذ إلى البحر. ورئيس أميركي يقول، أكثر من مرة، إن في إمكان سوريا أن تتولى ملف حزب الله في لبنان.
ثم، يظهر كاتب أميركي-إسرائيلي يقترح ما يبدو، للوهلة الأولى، مجرد صفقة على ورق: أن تحصل سوريا على سيطرة إدارية على طرابلس، وأن تدخل المدينة في ترتيب إقليمي أوسع، تتقاطع فيه إعادة إعمار سوريا مع مرفأ طرابلس.
هنا، تتغير العبارة والعِبرَة.
فطرابلس لم تعد مدينة فقيرة تنتظر مشروعًا. تصبح رئةً اقتصادية لدولة أخرى.
وهذه الفكرة تحديدًا هي التي تجعل اقتراح جوزيه ليف ألفاريز جديرًا بالتوقف. لا لأنه خطة أميركية معلنة. وليست كذلك. ولا لأن واشنطن أعلنت أنها تريد نقل السيادة على طرابلس إلى دمشق. لم تفعل. إنما لأن الفكرة ظهرت في لحظة إقليمية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: سوريا تبحث عن طريق إلى إعادة الإعمار، ولبنان يعيش إعادة ترتيب قسرية لمعادلات القوة، وواشنطن تبحث عن أدوات جديدة لمعالجة ملف حزب الله.
يكتب ألفاريز أن إدارة ترامب أمام فرصة نادرة لتصحيح «الخطأ» في البنية اللبنانية، وأن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى صفقة واقعية قائمة على المصالح المتبادلة. وهو يستند إلى تقديرات تتحدث عن كلفة هائلة لإعادة بناء سوريا، وصلت في تقديرات بحثية سابقة إلى مئات مليارات الدولارات.
حتى هنا، يمكن للاقتصاد أن يتكلم.
سوريا تحتاج إلى الموانئ. وطرابلس قريبة من الحدود السورية. مرفؤها هو ثاني أكبر مرافئ لبنان، والمنطقة الاقتصادية الخاصة المجاورة له صُممت أصلًا لتكون منصة للتجارة والاستثمار. وفي عام 2026 بدأت الحكومة اللبنانية خطوات لإحياء خط السكك الحديدية بين طرابلس والعبودية، وصولًا إلى الحدود السورية. أي أن طرابلس تستطيع بالفعل أن تكون بوابة لوجستية مهمة في عملية إعادة إعمار سوريا من دون أن تتغير راية واحدة فوق مبنى لبناني.
وهنا، تقع الفاصلة التي يجب ألا تضيع. أن تكون طرابلس رئةً اقتصادية لسوريا، شيء. وأن تصبح الرئة ملكًا لسوريا، شيء آخر.
يمكن لمرفأ طرابلس أن يحمل الإسمنت السوري، والحديد السوري، والآلات السورية، والغذاء والدواء ومواد البناء المتجهة إلى سوريا. يمكن للقطارات أن تصل إلى الحدود. يمكن للمنطقة الاقتصادية أن تصبح ورشةً ضخمة تخدم إعادة إعمار بلدين. ويمكن للبنان أن يربح من موقعه بدل أن يخسر منه.
لكن، من الذي قال إن التعاون الاقتصادي يحتاج إلى سيادة جديدة؟ هذه هي العقدة التي تجعل الاقتراح سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا.
فالوثائق التاريخية نفسها تظهر أن إدخال طرابلس في لبنان الكبير عام 1920 لم يكن تفصيلًا عابرًا. لقد أُلحقت بالكيان الجديد مع مدن الساحل وعكار والبقاع وسائر المناطق التي صاغت لبنان الحديث. صحيح أن تلك الولادة كانت محكومة بالمصالح الفرنسية والصراعات الدولية، وصحيح أن مسألة الحدود السورية- اللبنانية حملت منذ ذلك الوقت كثيرًا من الالتباس، لكن ذلك لا يحوّل الحدود إلى أثاث قديم يستطيع طرف ثالث نقله من غرفة إلى أخرى.
والأكثر إثارة أن التاريخ نفسه يعيد إلقاء ظله على الطاولة.
قبل قرن تقريبًا، كانت الموانئ جزءًا من السؤال السوري. واليوم، يعود السؤال من الباب الاقتصادي. دمشق تحتاج إلى البحر. والبحر الأقرب إلى عمقها الشمالي هو باب طرابلس. أما واشنطن فتريد من دمشق شيئًا آخر أيضًا: دورًا في لبنان.
قال ترامب إن سوريا قد تكون أفضل في التعامل مع حزب الله. وقال إنه يمكن أن يتحدث مع الحزب إذا أراد الرئيس جوزاف عون ذلك. وفي تموز/يوليو، حين جلس الرئيس اللبناني في البيت الأبيض، عاد ترامب إلى فكرة إشراك سوريا في هذه المسألة.
فماذا لو اجتمعت الورقتان؟ مرفأ تحتاج إليه سوريا. وملف لبناني تريد واشنطن إغلاقه.
عندها، يصبح السؤال أكثر برودة من أن يكون عاطفيًا: ما الذي قد يطلبه اللاعبون من لبنان مقابل الاستقرار الإقليمي؟
وهنا، يجب أن يتوقف اللبناني قليلًا.
لأن الدول الصغيرة كثيرًا ما تُعامل، في صفقات الكبار، كأنها غرف جانبية في فندق كبير. يُعاد ترتيب الأثاث فيها، ثم يُطلب من أصحابها أن يشكروا المهندس.
طرابلس ليست مرفأً فقط. هي مدينة لبنانية. ويمكن أن تكون رئة لسوريا من دون أن تصبح رئةً مستأجرة.
يمكن لسوريا أن تصل إلى البحر عبر اتفاقات تجارية. عبر السكك الحديدية. عبر المرفأ. عبر منطقة اقتصادية مشتركة. عبر استثمارات وضمانات دولية. كل ذلك ممكن. بل إن لبنان نفسه يعمل اليوم على بعض هذه المسارات.
أما أن تتحول الحاجة السورية إلى مبرر لإعادة فتح سؤال السيادة اللبنانية، فهنا لا يعود الحديث عن إعادة إعمار.
يصبح الحديث عن إعادة توزيع البلاد.
وقد يكون أخطر ما في فكرة ألفاريز أنها لا تحتاج إلى أن تصبح سياسة رسمية كي تكون خطرة. يكفي أن تدخل قاموس الأفكار الممكنة. فالحدود، في الشرق،
كثيرًا ما تبدأ حبرًا على ورق. ثم يأتي يوم يبحث فيه أحدهم عن ممحاة.