إن لم يكن في زمننا…

الدمار الممنهج للقرى والمدن الفلسطينية واللبنانية يكشف عقيدة تقوم على محو المكان، لكن الذاكرة والهوية تبقيان أقوى من آلة الهدم.

لا يحتاج كيان الاحتلال إلى من يفسّر عقيدته العسكرية. يكفي أن يتحدث وزير حربه.
وقف يسرائيل كاتس أمام كاميرات القناة 24 الإسرائيلية، ولم يتحدث عن معركة، ولا عن اشتباك، ولا عن هدف عسكري. تحدث عن قرى. قال إن الجيش دمّر أربعاً وعشرين قريةً في جنوب لبنان. ثم شبّه ما جرى فيها بما جرى في الشجاعية وجباليا في غزة، وأضاف: "لقد دمّرنا كل المباني، لا بيتاً بعد بيت، بل قرىً بأكملها». ولم يكتفِ بذلك، بل أردف: «لقد تم تدميرها، وأنا لا أرى بيوتاً… لم تعد موجودة".

هذا ليس توصيفاً لنتائج حرب. إنه إعلان عن فلسفة. فالدولة التي يتحول فيها محو القرى إلى مادة للتفاخر، لا تكتفي بخوض الحروب، بل تجعل الخراب جزءاً من تعريفها لنفسها.

في جنوب لبنان، لا تقف المأساة عند حدود القصف. عيتا الشعب، ومارون الراس، ويارون، وكفركلا، والعديسة، والخيام، والناقورة… ليست أسماءً على لوحات الطرق. إنها أعمار طويلة من الزيتون والتبغ، وأجراس الكنائس، ومآذن المساجد، وبيوت الحجر التي بنتها أيدٍ لم تكن تعرف أنها ستُقاس يوماً بنسبة الدمار في صور الأقمار الاصطناعية. الجرافات لم تقتلع الجدران فقط؛ بل اقتلعت كرومًا، وكسرت شبكات مياه، وسوّت طرقاً زراعيةً، وأحرقت بساتين، ودفعت قرىً كاملةً إلى الفراغ.

ثم يأتي وزير الحرب ليقول إن البيوت لم تعد تُرى. وكأنه يتحدث عن مشهد طبيعي، لا عن حياة أُزيلت.

وفي غزة، تتكرر اللغة نفسها لأن الفعل واحد. الشجاعية، وجباليا، وبيت حانون، ورفح، وخزاعة، وأحياء واسعة من مدينة غزة، أصبحت شواهد على حرب تجاوزت استهداف المقاتلين إلى سحق البيئة المدنية نفسها. مستشفيات خرجت من الخدمة، ومدارس تحوّلت إلى أنقاض، وجامعات سقطت، وأبراج اختفت، وأحياء كاملة مُحيت ملامحها.

أما الضفة الغربية، فتعيش نسخةً أخرى من الدمار. في جنين، وطولكرم، ومخيمي نور شمس وبلاطة، تدخل الجرافة قبل أن يطلع الصباح. تُقتلع الطرق، وتُهدم المنازل، ويُعاد تشكيل المخيمات بالقوة، وكأن المكان يُعاقَب لأنه ما زال يتذكر أصحابه.

هذه ليست حوادث متفرقة. إنها نمط يتكرر من جنوب لبنان إلى غزة فالضفة الغربية: عندما يعجز الاحتلال عن إخضاع الإنسان، يحاول إخضاع المكان. يهدم البيت، ويقتلع الشجرة، ويكسر البئر، ويحوّل المدرسة إلى ركام، معتقداً أن الذاكرة يمكن أن تُدفن تحت الإسمنت.

لكن أكثر ما يدين هذا المشروع ليس حجم الدمار وحده، بل اللغة التي ترافقه. أن يقف وزير حرب ويتحدث عن اختفاء أربعٍ وعشرين قريةً بلهجة المنتصر، فذلك يعني أن الخراب لم يعد نتيجةً للحرب، بل أصبح معياراً للنجاح فيها.

التاريخ لا يخلّد الذين أتقنوا الهدم. يذكرهم في هوامشه، إلى جانب المدن التي أحرقوها. أما القرى التي قيل إنها «لم تعد موجودة»، فإنها تبقى في ذاكرة أهلها أكثر رسوخاً من أسماء الذين تفاخروا بإزالتها. فالقرية ليست حجارةً، بل هي زمن. والزمن لا تستطيع الجرافات احتلاله.

كلّي إيمان، أكثر من أي وقت مضى، أن هذا الكيان إلى زوال. إن لم يكن في زمننا، ففي زمن أولادنا وأحفادنا.