أميركا لم تفقد القدرة على القتال ولكن.. ماذا استنتجت الصين؟

ربما لا تكشف التسريبات لإيران ما كانت تجهله تماماً، لكنها تقدم لبقية العالم اختباراً عملياً للصناعة العسكرية الأميركية.

  • أميركا لم تفقد القدرة على القتال ولكن.. ماذا استنتجت الصين؟
    أميركا لم تفقد القدرة على القتال ولكن.. ماذا استنتجت الصين؟

إذا كان نقص الذخائر لا يكفي وحده لتفسير إحجام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شن هجوم موسّع على إيران، فإنه يفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل يعقل أن تصل أكبر دولة في العالم إلى هذه المرحلة من الحراجة في حرب واحدة تخوضها مع دولة إقليمية لا تضاهيها في الإمكانات والقدرات؟

لا تتعلق المسألة بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة القتال بالمطلق، ولا بنفاد كل ما تملكه من أسلحة، وإنما بتراجع مخزون فئات محددة يصعب تعويضها أو الاستعاضة عنها، وفي مقدّمها الصواريخ الاعتراضية اللازمة لمواجهة الصواريخ الباليستية، والذخائر الدقيقة بعيدة المدى التي تسمح بضرب الأهداف من خارج نطاق الدفاعات المعادية.

بعيداً من التشويش

بحسب الأرقام التي أوردتها "الواشنطن بوست"، أطلقت الولايات المتحدة خلال الشهر الأول من الحرب أكثر من 850 صاروخ "توماهوك"، وأكثر من ألف صاروخ اعتراض من منظومتي "باتريوت" و"ثاد"، إضافة إلى أكثر من 1300 صاروخ باليستي تكتيكي خلال الأسابيع الأولى من القتال، فيما تراجع مخزون صواريخ "أتاكمز" إلى مستوى يكاد لا يتبقى معه شيء.

وقدمت رويترز لاحقاً صورة متقاربة، إذ نقلت عن مصادر مطلعة أن الجيش الأميركي استخدم "تقريباً جميع" صواريخ "أتاكمز" و"بريزم" المتوافرة لديه، وما يقارب نصف المخزون العالمي للبحرية الأميركية من صواريخ "توماهوك". وأشارت إلى تقديرات تفيد بأن نحو 65 في المئة من صواريخ "باتريوت" الأميركية استُهلكت بين شباط/فبراير وتموز/يوليو، فيما انخفض مخزون صواريخ "ثاد" بما لا يقل عن 38 في المئة.

وهذه النسب تختلف عن تقارير سابقة تحدثت عن استهلاك نحو 80 في المئة من ذخائر "ثاد" ونصف صواريخ "باتريوت". لكن التفاوت لا ينسف أصل المشكلة؛ لأن أعداد المخزونات الفعلية تبقى سرية، ولأن بعض التقارير تقيس الاستهلاك خلال فترات زمنية مختلفة، أو تخلط بين المخزون الأميركي العالمي والكميات المنتشرة في مسرح عمليات محدد، أو بين ما أطلقته القوات الأميركية وما استخدمه حلفاؤها.

ولكن بمعزل عن كل الأرقام والمعطيات التي يتم تسريبها، ينبغي أن يبقى السؤال ماثلاً: من يسرّب ولماذا؟ وهل يُعقل أن تكشف جهات أميركية مطلعة عن معلومات سرية وتعرض الأمن القومي الأميركي للخطر؟

ماذا يعني "نقص الذخائر" في سياق أشمل؟

قد تمتلك الولايات المتحدة آلاف القنابل والصواريخ من أنواع مختلفة، ومع ذلك تواجه نقصاً حرجاً في سلاح بعينه. فالقنبلة الانزلاقية أو الصاروخ جو-أرض لا يعوّض صاروخ "ثاد" أو "باتريوت" عند اعتراض صاروخ باليستي يتجه نحو قاعدة أميركية. كما أن الذخائر القصيرة المدى يمكن أن تحل محل "توماهوك" في بعض الهجمات، لكنها تضطر الطائرات إلى الاقتراب من الدفاعات الإيرانية وتعريض الطيارين والمنصات الباهظة للخطر.

وبحسب تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في نيسان/أبريل الماضي، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من الذخائر لمواصلة الحرب على إيران ضمن السيناريوهات المعقولة. إلا أن الخطر الأكبر يتعلق بما سيبقى لديها لحرب تالية، أو لمواجهة أزمتين في وقت واحد. وقدّر المركز أن واشنطن ربما استهلكت أكثر من نصف مخزونها السابق للحرب في أربعة من سبعة أنواع أساسية من الذخائر.

هنا يصبح السؤال عن كفاية الرقم أكثر تعقيداً. هل يُعد امتلاك بضعة آلاف من الصواريخ الاعتراضية رقماً كبيراً لدولة عظمى، أم رقماً متواضعاً أمام قدرة إيران أو أي قوة أكبر منها على إطلاق آلاف الصواريخ والمسيّرات؟

لا توجد إجابة عامة منفصلة عن خطط الحرب. فالحاجة إلى الصواريخ الاعتراضية تتوقف على عدد الجبهات والقواعد والمنشآت المطلوب حمايتها، ومدة الحرب، ونوعية المقذوفات المعادية، ونسبة نجاح أنظمة الاعتراض، وعدد الصواريخ التي تُخصص لكل هدف. وقد يقتضي ضمان تدمير صاروخ باليستي إطلاق أكثر من صاروخ اعتراضي عليه، فيما لا يمكن استخدام "باتريوت" و"ثاد" بالطريقة نفسها ضد كل مسيّرة رخيصة أو صاروخ قصير المدى.

كما لا تعني حيازة ألف صاروخ أن جميعها جاهزة للإطلاق في المكان المطلوب. فجزء منها مخصص للتدريب والاختبارات، وجزء موزع بين الولايات المتحدة وقواعدها الخارجية، فيما تقيد القدرةَ العملية أعدادُ البطاريات والقاذفات والرادارات وسرعة إعادة التلقيم. وقد يمتلك الجيش ذخائر في مستودع بعيد، لكنه لا يستطيع نقلها ونشرها بالسرعة الكافية لمواجهة موجة صاروخية مفاجئة.

أما حجم الترسانة الإيرانية نفسه فليس معلوماً بدقة. وقد أشارت تقديرات ما قبل الحرب إلى أنه يتراوح بين 2500 ونحو 6000 صاروخ باليستي، وفق تقرير لرويترز، من دون احتساب جميع صواريخ "كروز" والمسيّرات والمقذوفات القصيرة المدى والصواريخ المستخدمة كطُعوم لاستنزاف الدفاعات. لذلك يصعب تثبيت أي رقم تمتلكه إيران ويبقى هذا الأمر أيضاً في إطار السرية، لكن الثابت أن قدرتها على الجمع بين آلاف الصواريخ والمسيّرات والوسائط الأرخص تكفي لخلق مشكلة إغراق حقيقية.

ولا تحتاج إيران إلى امتلاك صاروخ باليستي مقابل كل صاروخ اعتراضي أميركي. يكفيها أن تجبر خصمها على إطلاق ذخيرة أغلى ثمناً، وربما أكثر من صاروخ على الهدف الواحد، وأن تختار توقيت الهجمات وكثافتها والأهداف التي يصعب المخاطرة بعدم حمايتها. بذلك تتحول المعركة من مقارنة تقنية بين صاروخ هجومي وآخر دفاعي إلى منافسة بين مخزونين، وقدرتين إنتاجيتين، وإرادتين لتحمل حرب طويلة.

"توماهوك" يقدّم مثالاً واضحاً

تكشف الأزمة خللاً سابقاً للحرب الإيرانية، فقد بُني جزء كبير من الصناعة العسكرية الأميركية خلال العقود الماضية على إنتاج ذخائر متطورة وباهظة بأعداد محدودة، تناسب الحروب القصيرة التي تحقق فيها الولايات المتحدة تفوقاً جوياً سريعاً، أكثر مما تناسب حرب استنزاف تتعرض فيها عشرات القواعد والمنشآت لهجمات يومية.

ولا تستطيع الشركات الاحتفاظ من تلقاء نفسها بخطوط إنتاج ضخمة لا تتلقى طلبات ثابتة لتشغيلها.

كما أن الصاروخ ليس منتجاً يمكن مضاعفة تصنيعه فور زيادة التمويل؛ فهو يحتاج إلى محركات تعمل بالوقود الصلب، وبواحث ورقائق إلكترونية ومواد متفجرة ومكونات دقيقة، يأتي بعضها من عدد قليل من الموردين. ويحتاج توسيع المصانع وتأهيل العمال واختبار خطوط الإنتاج الجديدة إلى سنوات.

يقدم "توماهوك" مثالاً واضحاً. فقد بلغ متوسط مشتريات الولايات المتحدة خلال السنوات المالية العشر الماضية 86 صاروخاً سنوياً، وكان الإنتاج الفعلي أخيراً أقل من مئتي صاروخ، في مقابل أكثر من ألف صاروخ قيل إنه استُخدم في الحرب. وحتى بعدما طلبت البحرية 785 صاروخاً في موازنة 2027، لن تبدأ عمليات التسليم المتوقعة، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قبل آذار/مارس 2030.

وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على الصواريخ الاعتراضية. لم تتسلم الولايات المتحدة صواريخ "ثاد" جديدة منذ آب/أغسطس 2023، على أن تُستأنف التسليمات في 2027. أما إنتاج "باتريوت PAC-3 MSE"، فتسعى الشركة المصنعة إلى رفعه من نحو 600 صاروخ سنوياً إلى ألفي صاروخ بحلول 2030، لكن هذا الإنتاج لا يذهب كله إلى الجيش الأميركي؛ إذ تستخدم المنظومة 19 دولة، تتنافس جميعها على الصواريخ نفسها.

وقد وقّع البنتاغون اتفاقات بأكثر من ثلاثة مليارات دولار لتوسيع إنتاج مكونات "باتريوت" و"ثاد"، بما يتيح رفع الطاقة الإنتاجية للأول إلى ثلاثة أضعاف وللثاني إلى أربعة أضعاف.

لم تفقد الولايات المتحدة القدرة على القتال

لن يكون دقيقاً تحميل حرب إيران وحدها مسؤولية الوضع. فقد سبقتها مساعدات ضخمة لأوكرانيا، ودعم عسكري متواصل لإسرائيل، واستهلاك صواريخ اعتراضية في المواجهات السابقة مع إيران، فضلاً عن الطلب المتزايد من دول الخليج وأوروبا وآسيا.

لكن الحرب الإيرانية حولت مشكلة مزمنة إلى أزمة ظاهرة؛ لأنها جمعت بين الاستهلاك الهجومي الكثيف والحاجة إلى الدفاع عن شبكة واسعة من القواعد والقوات والمنشآت. كما أنها جاءت في وقت لم تكن فيه خطوط الإنتاج قد عوّضت بعد ما نُقل إلى أوكرانيا أو استُهلك في الشرق الأوسط.

المشكلة، إذاً، ليست أن الولايات المتحدة فقدت القدرة على القتال، بل إنها استهلكت في جبهة إقليمية جزءاً مهماً من الأسلحة المطلوبة أصلاً لمواجهة قوة أكبر. وقد كانت المخزونات، بحسب الدراسات الأميركية نفسها، غير كافية لحرب طويلة مع الصين حتى قبل اندلاع الحرب على إيران.

الصين تقرأ الأرقام

من هنا لا تقتصر خطورة الكشف عن النقص على ما يمكن أن تستنتجه إيران أو تستخدمه في المفاوضات. فهناك دول أخرى تراقب معدلات الاستهلاك ونقاط القوة والضعف في أداء الجيش الأميركي، وعلى رأسها الصين.

لا تحتاج بكين إلى معرفة العدد الدقيق المتبقي في كل مستودع. تكفيها معرفة أنواع الصواريخ التي لا بديل مناسباً منها، ومعدلات استهلاكها، والمدة اللازمة لتعويضها، والجبهات التي تتنافس عليها، والمرحلة التي تضطر فيها واشنطن إلى تقليل الاعتراضات أو استخدام الطائرات في مهمات أكثر خطورة.

ويشير تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن الاستعداد لحرب مع الصين نشر في أيار/مايو الماضي إلى أن قواعد الولايات المتحدة في اليابان وغوام والفلبين ستكون عرضة لهجمات صاروخية ومسيّرة أوسع كثيراً من الهجمات الإيرانية.

لا يعني ذلك أن انخفاض المخزونات يجعل الحرب الصينية وشيكة أو أن الردع الأميركي انهار؛ فالقدرة الأميركية تشمل الغواصات والقاذفات والطائرات الشبحية والحلفاء والسلاح النووي، ولا تختزل في عدد صواريخ "باتريوت" و"توماهوك". لكن الأرقام المنشورة تساعد الخصوم على تقدير المدة التي تستطيع واشنطن خلالها خوض حرب عالية الكثافة، ومدى قدرتها على الدفاع عن جبهتين في آن واحد.

وهنا تظهر المفارقة: ربما لا تكشف التسريبات لإيران ما كانت تجهله تماماً، لكنها تقدم لبقية العالم اختباراً عملياً للصناعة العسكرية الأميركية. فالضعف الأخطر ليس أن ينخفض مخزون صاروخ معين بعد حرب كبيرة، بل أن يكون استهلاك بضعة أسابيع أسرع من إنتاج سنوات، وأن تحتاج القوة الأولى في العالم إلى أعوام كي تعود إلى النقطة التي كانت فيها قبل الحرب.