ورقة إيران في الانتخابات النصفية... "قد" تصنع الفارق (4)
كلمة "قد" ضرورية هنا بسبب كونها احتمالية ولا تربط الفعل الإيراني الافتراضي بتبعات سلبية تلقائية.
-
الخارجية الإيرانية حافظت بعد ضربة لارك على اللغة القانونية نفسها.
انتهى المقال السابق إلى أن ضربة جزيرة لارك لم تنسف فرضية السلسلة، بل كشفت حدودها: تستطيع المواجهة في هرمز أن تنتقل إلى أسعار النفط والأسواق ثم إلى صندوق الاقتراع، لكن إيران لا تملك وحدها زمام التصعيد، ولا يكفي امتلاك الورقة للقول إنها ستُستخدم. يبقى السؤال الأصعب: من يقرر داخل طهران درجة التصعيد، وبأي منطق، وكيف يمكن استخدام القوة من دون خسارة خطاب الدفاع عن النفس أو المخاطرة بدفع دول محايدة وشريكة للالتحاق إلى جانب واشنطن؟
تضيف بنية القرار الإيراني قيداً أساسياً. فالجمهورية لا تتحدث بصوت واحد في جميع القضايا والمسائل والخيارات، وإن كانت مؤسساتها تتوحد عادة عند التعرض لهجوم مباشر. ثمة خطاب سياسي ودبلوماسي يصر على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وخطاب عسكري وأمني يميل بصورة أوضح إلى الردع الهجومي والمبادرة.
لا يعني هذا التمايز بالضرورة وجود انقسام نهائي بين "حزب حرب" و"حزب تفاوض". وجودهما جنباً إلى جنب قد يخدم استراتيجية المواجهة التي يستثمرها طرف ثالث فاعل يجمع غالباً بين التهديد وأوراق القوة وبين عرض التسوية بشروط إيرانية. لكن التمايز يعني أيضاً أن قراراً بخطوة عسكرية استباقية كبيرة لا يصدر في فراغ، بل يحتاج إلى المرور عبر توازنات المجلس الأعلى للأمن القومي ومؤسسات القيادة، وإلى تبرير كلفته أمام دولة ومجتمع تعرّضا لخسائر وأضرار ويعانيان تبعات الحصار والعقوبات.
بين التفاوض والهجوم... "قد"
تكشف تصريحات الأيام الأخيرة هذا التجاذب بوضوح. قال الرئيس مسعود بزشكيان، خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة شنغهاي في الـ31 من آب/أغسطس، إن إيران لا تزال تسعى إلى "طريق الاتفاق والتفاهم" رغم عدم وفاء واشنطن بالتزاماتها، وإن استمرار الحرب ليس في مصلحة إيران ولا المنطقة ولا الإنسانية؛ كما أكد أن حل القضايا القائمة يمر بالحوار والتعاون.
الخارجية الإيرانية حافظت بعد ضربة لارك على اللغة القانونية نفسها. وصفت الضربة بأنها استمرار للعدوان والحصار، وأكدت أن القوات المسلحة لن تتردد في ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس وسترد بصورة حازمة ومتناسبة.
وظيفة هذا الخطاب ليست لغوية فحسب؛ فهو يحاول تثبيت صورة إيران بوصفها الطرف الذي يرد ولا يبدأ، ويلتزم بقواعد القانون الدولي بما يشمل حق الدفاع وحق السيادة، ويحافظ على مساحة للدبلوماسية وكسب التأييد الدولي. لا يغيب أيضاً أن خطاب التمسك بالعودة إلى مذكرة التفاهم، بما يمثله من مطلب رسمي إيراني يعبّر عنه رئيس الجمهورية، يمكن فهمه انطلاقاً من أن مضمون المذكرة وبنودها يشكلان مصلحة إيرانية أكيدة وينتزعان مكاسب بالجملة لصالح إيران. هذا ما تجمع عليه أوساط رصينة بحثية وسياسية وإعلامية داخل أميركا نفسها.
التباين هنا إذاً ليس بالضرورة أن يكون نابعاً من خلاف جذري حول أدوات وأساليب المواجهة والأهداف؛ إلا أنه يصعب في المقابل إغفال المؤشرات التي تعكسها الصحافة الإيرانية حول وجود خلافات فعلية حول جملة أمور.
لهذا تنطوي أي مبادرة إيرانية مكشوفة باتجاه التصعيد على ثمن سياسي محتمل. فهي "قد" تضعف المتحمسين للمفاوضات وتثير استياءهم، و"قد" تثير خلافاً داخل مؤسسات القرار، و"قد" تقوّض خطاب الدفاع عن النفس الذي تصدّره طهران إلى العالم.
كلمة "قد" ضرورية هنا بسبب كونها احتمالية، ولا تربط الفعل الإيراني المحتمل بتبعات سلبية تلقائية؛ إذ إن عملية تكتيكية محسوبة، أو خطوة تقدم بوصفها منعاً لخطر قريب، أو رداً على الحصار الذي تعتبره إيران عملاً حربياً، يمكن أن تحافظ على السردية نفسها بدلاً من هدمها.
هذا هو المدخل الذي يستخدمه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على سبيل المثال. ففي رسالة مصورة في الأول من أيلول/سبتمبر، وصف الحصار البحري الأميركي بأنه عمل عسكري وفق القانون الدولي، وحذر من أن تشديده سيقابَل برد عسكري وسيلحق الضرر بالجميع. كما شدد على أن طهران لن تسمح لواشنطن بفرض استخدام المسار الجنوبي للمضيق خلافاً لما تفهمه إيران من مذكرة التفاهم.
في الـ 28 من آب/أغسطس الفائت أعاد قاليباف نشر بيان كان قد نشره للمرة الأولى في الـ 22 من تموز/يوليو الماضي عبر حسابه في منصة "إكس": "معادلة الحرب واضحة، إما الجميع أو لا أحد. لن يتمكن أحد من بيع النفط في منطقة لا نستطيع فيها بيع نفطنا".
في الوقت المناسب
في الجهة الأخرى، يبدو المناخ العسكري أكثر ميلاً إلى المبادرة إذا أصبحت كلفة الانتظار وتلقّي الضربة أعلى من كلفة التحرك. في مقابلة مع "الميادين" بتاريخ الـ31 من آب/أغسطس قال العميد محمد رضا نقدي، المستشار الأعلى للقائد العام للحرس الثوري، إن معظم القادة الحاليين يميلون إلى العقيدة الهجومية، ووصفها بأنها قابلة للتنفيذ ومجدية عملياتياً.
لا يثبت هذا التصريح أن قراراً هجومياً اتُخذ، لكنه يكشف أن المبادرة لم تعد فكرة هامشية داخل التفكير العسكري. يتعزز هذا الانطباع في ضوء مسار متراكم من التهديدات الإيرانية. في الـ 22 من آب/أغسطس، دعا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي دول الجوار إلى عدم مساعدة حملة الضغط الأميركية، محذراً من استهداف مصالحها إذا شاركت فيها. وفي الـ 2 من أيلول/سبتمبر خاطب الأميركيين قائلاً: "سترون قريباً كيف ستؤدي الاستراتيجية الجديدة إلى تحطيم بنيانكم من أساسه".
وفي مطلع آب/أغسطس، أنذر بأن استمرار الحصار سيعرّض السفن والقوات الأميركية لمخاطر وخسائر جسيمة. ثم نقلت "رويترز" في الـ 17 من آب/أغسطس عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قررت التحول من سياسة دفاعية إلى وضع "هجومي بالكامل"، وحددت مهلة من بضعة أسابيع لتطبيق الولايات المتحدة مذكرة التفاهم، وإلا نفذت هجوماً "في الوقت المناسب وبدقة" لكسر الحصار البحري.
وفي الـ 13 من آب/أغسطس، قال مستشار المرشد محمد مخبر إن استراتيجية القيادة تقضي بتحول الحرب إلى وضع هجومي إذا لم تتحقق شروط إيران، وإن ذلك سيغير معادلات القوة.
وبجمع هذه التصريحات، يتضح أن سؤال المبادرة الإيرانية ليس فرضية ابتكرتها هذه السلسلة من خارج الوقائع؛ إنه احتمال يناقشه مسؤولون إيرانيون بصيغ مختلفة، وإن لم يربطوه علناً بهدف انتخابي أميركي.
كما أن سجلّ الأشهر الماضية يبيّن قدرة طهران على الانتقال من انتظار الضربة إلى المبادرة. فقد وصفت جهات إيرانية استهداف قواعد أميركية في الأردن والكويت في تموز/يوليو الماضي بأنه جزء من نهج هجومي وضربات استباقية هدفها تعطيل التهديد قبل تحوله إلى هجوم.
ولم يبقَ أثر هذه العمليات في نطاق الرواية الإيرانية وحدها؛ إذ أقرت القيادة المركزية الأميركية بمقتل وفقدان عسكريين أميركيين وإجلاء آخرين للعلاج ووقوع إصابات، خلال التصدي لهجمات إيرانية طاولت مواقع في الأردن والكويت والبحرين.
وتكمن دلالة هذه السابقة في أن القيادة الإيرانية اختبرت عملياً إمكان القيام بمبادرة هجومية وإبقائها داخل سردية الدفاع الاستباقي وردع اعتداء وشيك، من دون أن يؤدي ذلك إلى انقسام سياسي أو شعبي حاسم يمنع التنفيذ.
هذا لا يجعل تكرار التجربة قليل الكلفة، لكنه يبين أن المحافظة على خطاب المظلومية والدفاع عن النفس لا تفرض على طهران دائماً انتظار تلقّي الضربة الأولى؛ فقد تبني حجّتها على أن القواعد المستهدفة كانت تستعد للمشاركة في الهجوم، أو أن الحصار نفسه يمثل عملاً حربياً قائماً. ومن هنا تبقى أمامها مساحة لتوسيع الضغط مع صيانة سرديتها، بدلاً من الظهور كطرف يشنّ حرباً من أجل نتيجة انتخابية خارجية.
في هذا الإطار يأتي موقف نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف مشحوناً بالدلالات، ويقلّص المسافة بين الخطاب السياسي والخطاب العسكري. في الـ 3 من أيلول/ سبتمبر قال إن الجرائم الجديدة التي ارتكبتها أميركا بحق الشعب غيّرت المعادلات الأمنية والعقيدة الدفاعية. وشرح بأنه من الآن فصاعداً سيكون الردّ الإيراني "غير متوازن" و"متعدد الطبقات" و"سالباً لأمن المعتدي"، خاتماً بأنه "على الأميركيين أن يفكروا في تخزين البنزين والوقود فأشهر سُود تنتظر الاقتصاد الأميركي".