ورقة إيران في الانتخابات النصفية.. صندوق المفاجآت ومفتاح التصعيد (1)
لا تتوزع المعركة الحقيقية على الولايات المتحدة كلها بل تتركز في عدد محدود من الدوائر وفق 3 تصنيفات: مقاعد محسومة، ومقاعد تميل إلى أحد الحزبين، ومقاعد متأرجحة.
-
هل لإيران مصلحة بالتأثير في البيئة التي ستجري فيها انتخابات الكونغرس؟
تتراكم الأسباب التي تزخّم التوقّعات القاضية بأن تبادر إيران باتجاه عمل أمني أو عسكري خلال الفترة الفاصلة عن الانتخابات النصفية الأميركية، إذا بقيت مسارات التهدئة تراوح مكانها بموازاة تصعيد أميركي في الأدوات الاقتصادية.
كما تسعى واشنطن، بأدوات الضغط العسكرية والاقتصادية والإعلامية، إلى التأثير في الداخل الإيراني وإحداث تغيير في حسابات السلطة والمجتمع، تملك طهران بدورها أسباباً تدفعها إلى محاولة نقل جانب من المعركة إلى الداخل الأميركي، بما يخدم أهدافها في إدارة المواجهة وزيادة الكلفة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
من هنا، تنشأ فرضية أن تكون لإيران مصلحة بالتأثير في البيئة التي ستجري فيها انتخابات الكونغرس: ليس عبر التدخل في عملية الاقتراع، بل من خلال رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، بما قد يفاقم الضغوط على ترامب وحزبه ويساعد الديمقراطيين على انتزاع أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما. وإذا حدث ذلك، فقد تجد الإدارة نفسها أمام سلطة تشريعية أكثر تشدداً في الرقابة وأقل استعداداً لتمويل حرب مفتوحة أو منح الرئيس هامشاً واسعاً في اتخاذ القرار، وربما أمام إجراءات عزل الرئيس.
فرضية استفادة إيران من تبدّل موازين الكونغرس لا يعوزها سند سياسي. منذ بدء الحرب قاد الديمقراطيون سلسلة متلاحقة من محاولات كبح ترامب وإنهاء العمليات غير المفوّضة. في 3 حزيران/يونيو أقرّ مجلس النواب أحدها بـ215 صوتاً مقابل 208، ثم تبناه مجلس الشيوخ في 23 من الشهر نفسه بـ50 مقابل 48، بمشاركة أربعة جمهوريين، في أول إدانة مشتركة من المجلسين للحرب، وإن ظل القرار غير ملزم.
وفي 23 حزيران/يونيو أقرّ النواب قراراً مماثلاً بـ214 صوتاً مقابل 208، وصوّت لمصلحته جميع الديمقراطيين المشاركين إضافة إلى أربعة جمهوريين. وبحلول 30 تموز/يوليو، كان ديمقراطيو مجلس الشيوخ قد فرضوا ثلاثة عشر تصويتاً متعلقاً بصلاحيات الحرب، فيما وصف زعيمهم تشاك شومر المواجهة بأنها "حرب اختيارية" مكلفة وغير ضرورية، وتعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب بالعمل على إنهائها.
هذا يعني أن انتقال السيطرة إليهم لن ينشئ معارضة للحرب من الصفر، بل قد يمنح معارضة قائمة بالفعل القدرة على التحكم في جدول الأعمال واللجان والتمويل والرقابة، وإن بقي تجاوز حق النقض الرئاسي عقبة أساسية.
كسر المراوحة
بمعزل عن أي استحقاقات انتخابية، تكتسب فرضية التأثير الإيراني في الانتخابات النصفية مسوغاتها من التطورات الأخيرة والتصعيد الاقتصادي ضد طهران. فقد فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على إيران وصفتها بأنها الأقسى في التاريخ، وأعلنت أنها تستهدف قطع شرايين الاقتصاد الإيراني، فيما عاد ترامب إلى التلميح حول رهانه على تحريك الشارع في الداخل. وتأتي هذه الإجراءات، التي يترقب العالم مدى فاعليتها ومدى حجم التزام شركاء إيران الاقتصاديين بها، مقرونة بالتهديد بفرض عقوبات ثانوية على الجهات التي تخالفها، وبعد أسابيع من إعادة واشنطن فرض طوق بحري على السواحل الإيرانية.
لا يعني ذلك أن إيران حسمت قرارها بالرد العسكري أو الأمني، كما لا يعني أنها قررت توظيف هذا الرد في الانتخابات الأميركية. فالمنطقة تتأرجح حالياً بين مسارين متعاكسين: مسار متفائل تقوده وساطات باكستانية وقطرية واتصالات مع سلطنة عُمان سعياً إلى فتح طريق نحو التسوية؛ ومسار تصعيدي تعبّر عنه الوقائع الميدانية والتصريحات المتبادلة.
في هذا السياق، نقلت وكالة "نورنيوز" في الأيام الأخيرة عن مسؤول أمني إيراني قوله إن طهران تمتلك الأدوات اللازمة لرفع كلفة السياسة الأميركية إذا صعّدت واشنطن المواجهة الاقتصادية والبحرية، وإنها "ستستهدف المصالح الأميركية بالمثل". كما نقلت وكالة "فارس" حديثاً عن رئيس منظمة استخبارات حرس الثورة السابق وقائد منظمة الباسيج حالياً حسين طائب قوله: "إذا كان من المقرر أن يختل الاقتصاد الإيراني، فإن الاقتصاد الأميركي سيختل أيضاً".
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أكّد بدوره أن بلاده سترد على أي تصعيد اقتصادي بإجراءات مضادة تستهدف المصالح الاقتصادية الأميركية في المنطقة، فيما أعلنت استخبارات حرس الثورة أن نهج إيران لم يعد يقتصر على الرد بل يتحرك نحو تعزيز المبادرة الإستراتيجية و"التأثير".
نافذة الفرصة الإيرانية
للتصعيد الإيراني، إذا وقع، أسبابه ومسوّغاته بمعزل عن الانتخابات. فهو يأتي امتداداً لحرب فُرضت على إيران، وما زالت مستمرة بأشكال عسكرية واقتصادية وأمنية متعددة. لكن الجديد الذي تضيفه الانتخابات هو ما يمكن تسميته "نافذة الفرصة الإيرانية": في الوقت الذي يحتاج فيه ترامب والحزب الجمهوري إلى العبور من الانتخابات بأقل قدر ممكن من الخسائر، قد ترى طهران في الأسابيع السابقة للاقتراع فرصة لزيادة الضغط عليه وانتزاع مكاسب قد لا تبقى متاحة بالقيمة نفسها بعد انتهاء الانتخابات.
ويصبح عامل الوقت، ضمن هذه النافذة، متغيراً مرتفع القيمة. فالمسألة لا تتعلق فقط بما تستطيع إيران فعله، بل أيضاً بموعد استخدام أوراقها، وبالقدر الذي يمكنها ضبط آثارها. وقد تدخل "إسرائيل" هذه الحسابات بوصفها لاعباً مؤثراً وهدفاً محتملاً في الوقت نفسه، خصوصاً إذا حاولت طهران رفع كلفة الحرب على ترامب مع تجنب مواجهة مباشرة وواسعة مع القوات الأميركية. وهنا، تتحوّل فرضية تبدو بسيطة للوهلة الأولى إلى معادلة شديدة التعقيد، ما يطرح مجموعة أسئلة:
هل يكفي رفع كلفة الحرب وتعطيل الملاحة وزيادة أسعار النفط والبنزين كي يدفع جزءاً من الناخبين إلى معاقبة ترامب والجمهوريين؟ أم أن تصعيداً من هذا النوع قد يعطي ترامب في بعض الولايات والدوائر زخماً ويرفع الكلفة على إيران أيضاً؟
ثم، ما الذي تكسبه طهران فعلياً إذا انتزع الديمقراطيون مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو كليهما؟ وهل تستطيع غالبية معارضة تقييد قرارات ترامب، أم تبقى أدوات الحرب الأساسية في يد الرئيس؟ وأين تقع "إسرائيل" في هذه المعادلة، ولا سيما مع تقارب موعدي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية؟ وهل تستطيع إيران استخدام عامل الوقت بدقة، أم يتحوّل إلى مغامرة لا تملك التحكم في نتائجها السياسية؟
تلك هي الأسئلة التي تحاول هذه السلسلة تفكيكها. لكن الإجابة عنها تبدأ من معرفة حجم المعركة الانتخابية نفسها، وأي المقاعد يمكن أن تنتقل فعلاً بين الحزبين؟ وما مقدار التغيير المطلوب كي يفقد الجمهوريون سيطرتهم على أحد المجلسين أو كليهما؟
مجلسان وانتخابان
يتوجه الأميركيون إلى الاقتراع في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 لانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب، وعددهم 435 نائباً. فالولاية في هذا المجلس سنتان فقط، ولذلك يعاد انتخابه بكامله في كل انتخابات نصفية.
أما مجلس الشيوخ، فيتألف من مئة عضو مدة ولاية كل منهم ست سنوات، لكن الانتخابات لا تجري للمقاعد كلها دفعة واحدة؛ إذ يعاد انتخاب نحو الثلث كل سنتين. ويشهد اقتراع هذه السنة انتخابات على 35 مقعداً: 33 مقعداً دورياً، إضافة إلى انتخابين خاصين في فلوريدا وأوهايو، بديلاً من المقعدين اللذين كان يشغلهما ماركو روبيو بعد تعيينه وزيراً للخارجية، وجي دي فانس بعد تعيينه نائباً للرئيس؛ ويختار الناخبون في هذه الدورة من يكمل السنتين المتبقيتين من ولايتيهما.
ويحتفظ الجمهوريون حالياً بـ53 مقعداً في مجلس الشيوخ، مقابل 45 للديمقراطيين وعضوين مستقلين يصوّتان معهم تنظيمياً، أي إن المعسكر الديمقراطي يملك 47 صوتاً. ويحتاج الديمقراطيون إلى ربح أربعة مقاعد إضافية للوصول إلى 51 والسيطرة على المجلس. أما إذا وصلوا إلى خمسين فقط، فسيبقى المجلس منقسماً بالتساوي، ويملك نائب الرئيس جي دي فانس حق كسر التعادل بحكم منصبه الدستوري، ما يرجّح كفة الجمهوريين.
المعركة تنحصر في عدد محدود من المقاعد
يعتمد رسم الخارطة الراهنة على تصنيفات "تقرير كوك السياسي"، وهي نشرة أميركية مستقلة وغير حزبية تتابع جميع دوائر مجلس النواب وسباقات الشيوخ، وتُستخدم تصنيفاتها على نطاق واسع في الإعلام الأميركي، لكنها تبقى تقديرات تحليلية قابلة للتغير وليست استطلاعات أو نتائج مسبقة.
يمكن اختصار خارطة المنافسة بين الحزبين وفق النشرة تبعاً لثلاث فئات رئيسية: مقاعد مضمونة أو شبه مضمونة، ومقاعد تميل إلى أحد الحزبين مع بقاء المنافسة مفتوحة، ومقاعد متأرجحة لا يتمتع فيها أي طرف بأفضلية واضحة.
وفق آخر تحديث يتعلق بخارطة مجلس النواب في 13 آب/أغسطس، هناك 397 مقعداً مضموناً أو قريباً من الحسم: 195 في الجانب الديمقراطي و202 في الجانب الجمهوري. وتبقى 38 دائرة في ساحة المنافسة الأوسع؛ منها 19 مقعداً تميل إلى أحد الحزبين، موزعة بين عشرة تميل إلى الديمقراطيين وتسعة إلى الجمهوريين، و19 مقعداً متأرجحاً تماماً.
وبذلك لا تتوزع المعركة الحقيقية على الولايات المتحدة كلها، رغم انتخاب النواب الـ435، بل تتركز في عدد قليل من الدوائر، وتشتد بصورة خاصة في المقاعد الـ19 التي لا يتقدم فيها أي طرف بوضوح. والأكثر أهمية أن 15 من هذه المقاعد المتأرجحة يشغلها جمهوريون حالياً، في مقابل أربعة يشغلها ديمقراطيون، ما يضع الحزب الجمهوري في موقع دفاعي أوسع.
وإذا سارت المقاعد المضمونة والمائلة وفق تصنيفات كوك، يدخل الديمقراطيون المعركة الحاسمة وفي رصيدهم المتوقع 205 مقاعد، مقابل 211 للجمهوريين، وتبقى المقاعد التسعة عشر المتأرجحة هي التي تحدد من يعبر عتبة الغالبية البالغة 218 نائباً. يحتاج الديمقراطيون عندئذ إلى الفوز بثلاثة عشر منها، فيما يكفي الجمهوريين الفوز بسبعة. ليست هذه نتيجة متوقعة بصورة نهائية، لكنها تبيّن بدقة أين تقع ساحة المنازلة الانتخابية.
المعركة في مجلس الشيوخ على 9 مقاعد فقط
خارطة مجلس الشيوخ أضيق وأكثر تعقيداً. فمن أصل المقاعد الـ35 المعروضة على الاقتراع، يصنف "تقرير كوك" 26 مقعداً على أنها مضمونة أو شبه مضمونة، فيما تنحصر المنافسة الفعلية في 9 مقاعد.
تميل ثلاثة منها حالياً إلى الديمقراطيين: جورجيا ونيوهامشير ونورث كارولاينا. أما المقاعد الستة التي لا يمنح فيها التقرير أي حزب أفضلية واضحة، فهي ألاسكا وأيوا ومين وميشيغان وأوهايو وتكساس. وقد نقل تقرير نشرته "الواشنطن بوست" في 20 آب/أغسطس الماضي سباقي أيوا وتكساس من خانة الميل الجمهوري إلى خانة التعادل، رغم أن ترامب فاز في الولايتين بفارق كبير عام 2024.
خمسة من المقاعد الستة شديدة التأرجح يسيطر عليها الجمهوريون حالياً، فيما يدافع الديمقراطيون عن مقعد ميشيغان. لكن هذه الأفضلية العددية لا تجعل الطريق سهلاً أمامهم؛ إذ يتعين عليهم الاحتفاظ بكل مقاعدهم المتنافس عليها وانتزاع أربعة مقاعد جمهورية للوصول إلى الغالبية.
وتحمل ميشيغان أهمية إضافية لهذه السلسلة، لأن المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المنتقد للدعم العسكري غير المشروط لـ"إسرائيل"، يواجه الجمهوري مايك روجرز في ولاية متأرجحة تضم كتلة عربية وإسلامية وازنة. وقد يتحوّل هذا السباق إلى اختبار متزامن لموقع "إسرائيل" داخل الحزب الديمقراطي، ولوزن الناخبين العرب والمسلمين، ولمدى قدرة مرشح تقدمي على الفوز خارج الانتخابات الحزبية التمهيدية.
التاريخ ضد الرئيس
تخضع الانتخابات النصفية لما يسمّيه مجتمع السياسة الأميركي "عقوبة الحزب الرئاسي"، إذ يميل الناخبون تاريخياً إلى تقليص تمثيل حزب الرئيس في الكونغرس. هذه الخسارة المحتملة ليست قاعدة مطلقة، لكنها تصف نمطاً تاريخياً قوياً. فقد أورد تحليل نشرته مؤسسة "بروكينغز" أن حزب الرئيس خسر مقاعد في مجلس النواب في 20 من آخر 22 انتخابات نصفية منذ عام 1938.
وقع الاستثناء عام 1998، عندما كسب الديمقراطيون مقاعد في ظل شعبية مرتفعة لبيل كلينتون ورد فعل سلبي على محاولة الجمهوريين عزله. وتكرر عام 2002، حين استفاد الجمهوريون من الالتفاف حول جورج بوش الابن بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر. أما في انتخابات 2018، خلال ولاية ترامب الأولى، فخسر الجمهوريون 41 مقعداً وسيطرتهم على مجلس النواب، لكنهم ربحوا مقعدين في مجلس الشيوخ بسبب طبيعة المقاعد المعروضة يومها.
المغزى أن الحرب لا تنتج أثراً انتخابياً واحداً: قد تدفع الناخبين إلى الالتفاف حول الرئيس إذا بدت ناجحة وضرورية، كما قد تعاقبه إذا طالت وارتفعت كلفتها وغابت أهدافها. وهذا تحديداً ما يجعل إيران وأسعار الطاقة جزءاً محتملاً من الحسابات على اعتبار أن هذه الحرب تحديداً تعارضها أغلبية أميركية وفق مؤشرات استطلاعات الرأي.
"البطة العرجاء" فرصة ترامب في المقابل
وفق الدستور الأميركي، تبدأ ولاية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ المنتخبين في 3 كانون الثاني/يناير المقبل، لا في اليوم التالي للاقتراع. وحتى ذلك الموعد، يبقى الكونغرس الحالي صاحب الصلاحيات القانونية الكاملة، بما في ذلك إقرار التمويل والقوانين واتخاذ القرارات المرتبطة بالحرب.
الأثر القانوني للانتخابات سيتأخر شهرين إذاً، وهناك سبب وجيه لإبراز هذه المعلومة. هذه الفترة، المعروفة بمرحلة "البطة العرجاء"، تفتح نافذة شديدة الحساسية: إذا خسر الجمهوريون أحد المجلسين أو كليهما، فهل يسعى ترامب إلى تثبيت وقائع عسكرية أو اقتصادية قبل تسلم الكونغرس الجديد؟ وهل تتجنب إيران التصعيد خلالها انتظاراً لبدء الغالبية الجديدة عملها، أم ترى أن رئيساً تلقى هزيمة انتخابية وبات متحرراً من ضغط صناديق الاقتراع قد يصبح أكثر خطراً؟