هل تستطيع واشنطن تحييد ورقة مضيق هرمز من معادلة الصراع؟
واشنطن تعجز عن تحييد مضيق هرمز في معادلة الصراع، في ظلّ التعقيدات الجغرافية والاقتصادية وغياب البدائل الكافية.
-
هل تستطيع واشنطن تحييد ورقة مضيق هرمز من معادلة الصراع؟
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً وراهنية: "هل تستطيع الولايات المتحدة نزع ورقة مضيق هرمز من معادلة الصراع"؟ وهنا يتفرع السؤال المركزي إلى سؤالين أكثر تفصيلاً:
1- هل تستطيع واشنطن السيطرة الميدانية على المضيق؟
2- هل يمكن استخدام طرق بديلة عن مضيق هرمز مع ضمان تدفق النفط بالمستويات نفسها قبل الحرب؟
منذ أن بدأت الحرب، والإجراءات/التصريحات الأميركية تحوم حول فكرة السيطرة على المضيق:
1- دعوات أميركية قبل وقف إطلاق النار للناقلات للمرور عبر مسار بديل، وبتوجيهات البحرية الأميركية، وكانت النتيجة لمحاولات محدودة ارتطام سفن الشحن وتعطّلها.
2- دعوات لمرافقة القوات البحرية الأميركية، التي لم تلقَ استجابة لا من شركات الشحن ولا من شركات التأمين.
3- إعلان ترامب بعد وقف إطلاق النار وقبل التوقيع على مذكرة التفاهم عن "مشروع الحرية"، وتوقف المشروع بعد أقل من 48 ساعة.
4- تلويح ترامب أكثر من مرة بمشروع "الحرية بلاس"، وهو عنوان لم يرَ النور أو أي ترجمة عملية.
5- القصف الأميركي المتقطع لمواقع ساحلية خلال الفترة بين وقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم. وفي كل مرة تسارع سنتكوم للإعلان بأن وقف إطلاق النار ما زال مستمراً.
6- بعد توقيع مذكرة التفاهم، حاولت واشنطن الاتّكاء على مناخات المذكرة لتكريس المسار الجنوبي، وسحب سيطرة إيران على المضيق بالتدريج. الأمر الذي قوبل من إيران بتحذير السفن ومنعها من استخدام هذا المسار.
7- انقلاب واشنطن على مذكرة التفاهم، والبدء بتصعيد عسكري، أعلنت واشنطن معه بصراحة أن وقف إطلاق النار لم يعد فاعلاً.
8- تصريحات متكررة لترامب أن الولايات المتحدة سيطرت على المضيق وأن البحرية الأميركية نزعت الألغام.
9- بدأت إيران سلسلة حوارات مع سلطنة عمان بشأن إدارة المضيق، في ظل ضغوط أميركية متزايدة على السلطنة.
تمتلك بيانات الملاحة حقيقة النتائج لكل هذه الإجراءات الأميركية في هرمز. خلال الأيام الماضية لم يتجاوز عدد الناقلات خانة الآحاد، ونقلت "وول ستريت جورنال" عن شركة كبلر في الـ13 من آب، أن نصف السفن التي عبرت مضيق هرمز في أغسطس اختارت المسار الذي تديره إيران، والنصف الآخر اختار إخفاء بياناته. وأضافت "وول ستريت جورنال" أنه من أصل 166 عملية عبور خلال شهر آب، اختارت سفينتان فقط المسار الذي تدعو واشنطن للمرور عبره.
محاولات السيطرة الأميركية على مضيق هرمز تصطدم بحقائق جغرافية واقتصادية، منها:
1- الطبيعة الجغرافية للمضيق تسمح لإيران باستخدام المسيّرات والصواريخ لمنع السيطرة الأميركية عليه. لذلك ليست الألغام وحدها تقف عائقاً أمام المشروع الأميركي.
وهنا تظهر الفجوة واضحة بين تصريحات ترامب وفانس، ففي الوقت الذي يركز فيه ترامب الحديث عن الألغام، يتحدث فانس عن الإمكانات غير المتناظرة التي تمتلكها إيران، وهذا هو الأساس.
2- طبيعة الاستجابة الاقتصادية؛ فتحذير لسفينة مخالفة واحدة، واتخاذ إجراء معها، يتسبب في انكفاء ناقلات الشحن الأخرى، وهذا ما حدث في مضيق هرمز. تقول تجربة باب المندب النتيجة نفسها، فمستويات الشحن لم تعد مطلقاً إلى ما كانت عليه قبل فتح جبهة الإسناد اليمنية لقطاع غزة.
وهنا تتصاعد عوامل القلق الاقتصادية، أن الوقت المطلوب للتعافي، لا يبدأ في اليوم التالي لفتح المضيق بالكامل. لذلك فإن مرور كل يوم على الوضعية الراهنة هو رصيد إضافي في رحلة التعافي اللاحقة.
ماذا عن الطرق البديلة؟
تعاني الطرق البديلة 3 إشكاليات أساسية:
1- السعة الاستيعابية: تقول الوكالة الدولية للطاقة إنه من أصل 20 مليون برميل كانت تتدفق يومياً عبر المضيق، تستطيع الخطوط البديلة تأمين 3.5-5.5 مليون برميل يومياً. تجدر الإشارة إلى أن عدداً من التقارير الاقتصادية والصحافية ذهبت إلى ما هو أعلى من هذا الرقم.
2- التوترات الميدانية الموازية.
3- الوقت الطويل والاستثمار المالي الكبير اللازم لاستكمال المشاريع المستقبلية.
ومن الأمثلة الواضحة على هذه الإشكاليات:
1- قبل الحرب استحوذ مضيق هرمز على 85% من إجمالي صادرات السعودية النفطية. ولكن الاعتماد السعودي على البحر الأحمر تضاعف أثناء الحرب. تقول مجموعة من التقديرات إن الطرق البديلة عبر البحر الأحمر غطّت ما يقارب 50-60% ممّا تمّ خسارته من الصادرات عبر مضيق هرمز.
وإن استخدام طريق شرق-غرب (البقيق-ينبع)، ارتفع من 900 ألف برميل يومياً قبل الحرب، إلى أكثر من 4 ملايين برميل بعد الحرب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إجمالي صادرات السعودية من النفط تجاوز 6 ملايين برميل يومياً، بمعدلات ما قبل الحرب. لكن هذا الخيار يواجه تحديات التوترات الأمنية مع اليمن مؤخراً، بعد قصف السعودية مطار صنعاء، والانتقال إلى معادلة ميدانية جديدة عنوانها فك الحصار عن اليمن
ومن جهة أخرى تحتاج أرامكو إلى تعديل صيغ التعاقد مع كبار المشترين الآسيويين، لجهة أماكن النقل والاستلام.
2- لا يكفي ميناء الفجيرة بالطاقة الاستيعابية الحالية (1.5-1.8 مليون برميل يومياً) المتطلبات الإماراتية للتصدير، وتحديداً بعد خروجها من أوبك.
كما أن التموضع السياسي للإمارات في أي حرب موسعة سوف يكون عاملاً حاسماً في مستويات التصدير من الفجيرة، فصحيح أن الميناء يقع خارج المضيق، لكنه أيضاً يقع ضمن جغرافيا الحرب.
3- إضافة إلى النفط، فهنالك عامل آخر يتمثل بالغاز المسال، ومرتهن لأماكن محطّات التسييل، وشبكة خطوط الغاز، والموانئ.
وهنا لا تمتلك قطر بديلاً عن مضيق هرمز لتصدير الغاز المسال، وهي التي تستحوذ على حصة تصل إلى 20% من إجمالي التوريد للغاز المسال عالمياً، وينطبق شح البدائل لمضيق هرمز على الحالة النفطية في الكويت والبحرين أيضاً.
4- تحتاج أي طرق مستحدثة أو مجدّدة إلى المزيد من الاستثمارات الضخمة والوقت (كركوك-بانياس، البصرة-العقبة، إلخ…).
تنقل وكالة "رويترز" مؤخراً أن تدفق النفط عبر مضيق هرمز الذي كان يتجاوز 18 مليون برميل يومياً هبط إلى 4 ملايين برميل يومياً في تموز و2 في آب.
وأمام هذه الحقيقة، لا يلوح في الأفق حل ميداني أو بديل جغرافي لنقطة الاستعصاء الكبرى في الحرب!