هرمية الدماء... اليمن نموذجاً!
في تغطية الحرب على اليمن والصراع بين الرياض وصنعاء، يُمارَس انحراف أخلاقي حاد عبر ما يمكن تسميته "بالهرمية"، حيث تُصنَّف الدماء بناءً على هوية الضحية وموقع موطنها من مركز الثروة والنفوذ الإقليمي والدولي.
-
إما أن تكون الإنسانية واحدة للجميع، وإما التسليم بحقيقتها الحالية!
مع اندلاع أي حرب جديدة وما يرافقها من تغطية إعلامية ومواقف سياسية، إضافة إلى تعليقات الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، يعود السؤال الذي طرحته يوماً ما الكاتبة الأميركية جوديث بتلر إلى الواجهة: "متى تكون الحياة مستحقة للحزن؟"، ولعل أهم ما ذكرته في معرض جوابها في كتابها "أطر الحرب" هو التأكيد على هشاشة الإنسان كحقيقة غير قابلة للنقاش.
فالجسد البشري ليس كائناً مكتفياً بذاته، بل هو دائم الاعتماد على غيره، وعلى شبكات الدعم الاجتماعية، والخدمات الصحية، والمأوى، والبيئة الآمنة للاستمرار في الىياة. وبناءً على منظومة الدعم هذه تبرز الحقيقة الثانية وهي التفاوت في الهشاشة. وعليه، ليس من الموضوعية وضع الضحية لأي جهة انتمت في قالب استقطاب أقل ما يقال عنه إنه ليس إنسانياً ولا يمت إلى الأخلاق بصلة.
في تغطية الحرب على اليمن والصراع بين الرياض وصنعاء، يُمارَس انحراف أخلاقي حاد عبر ما يمكن تسميته "بالهرمية"، حيث تُصنَّف الدماء بناءً على هوية الضحية وموقع موطنها من مركز الثروة والنفوذ الإقليمي والدولي.
عندما نُخضع الممارسات السياسية والإعلامية للنقد الأخلاقي، نجد أن دماء السعوديين ليست بأهم أو أثمن من دماء اليمنيين لأي طرف انتموا. وبنفس المعيار، فإن التباين في التعاطف والتنديد الإقليمي والدولي بين ضحايا ينتمون للمملكة العربية السعودية ذات النفوذ الاقتصادي، وبين ضحايا يمنيين أُفقروا قسراً على مدار سنوات من الصراع، يَكشف عن التسعير الطبقي والسياسي للبشر. فالدم هو الدم، والألم الإنساني لا يتجزأ بتغير الجوازات أو الحدود.
ولإبراز حجم الفجوة بين حجم الكارثة الإنسانية ومستوى الاهتمام الأخلاقي الإقليمي والدولي، تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية التابعة لها الأرقام التالية:
قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في تقريره التقييمي الشامل أن إجمالي عدد قتلى الحرب في اليمن منذ بدء عمليات "عاصفة الحزم" السعودية الإماراتية عام 2015 بلغ نحو 377,000 شخص حتى نهاية عام 2021.
يتوزع هذا الرقم بين 154,000 قتيل جراء المواجهات العسكرية المباشرة والقصف، بينما تعود النسبة الأكبر (60% أي نحو 223,000 قتيل) إلى الأسباب غير المباشرة المترتبة على الحرب كالجوع، ونقص الرعاية الصحية، وانهيار البنية التحتية. كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ما يقارب 70% من إجمالي الضحايا هم من الأطفال دون سن الخامسة.
وهذا ليس كل ما في الأمر؛ فقد وثقت منظمة الصحة العالمية خلال السنوات الماضية أضخم موجة لتفشي مرض الكوليرا في التاريخ الحديث داخل اليمن. بلغت الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا أكثر من 2.5 مليون حالة، وأسفرت جائحة الكوليرا عن تسجيل حوالي 4,000 حالة وفاة مؤكدة ناتجة مباشرة عن تدمير محطات المياه والصرف الصحي وانهيار القطاع الصحي.
ما يتم إغفاله في التغطية الإعلامية والسياسية للحرب على اليمن، هو الحصار السعودي على اليمن والقيود على مطار صنعاء والموانئ. أدى تضييق الخناق والإغلاق المتكرر للمنافذ الحيوية (كمطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة) إلى حرمان عشرات الآلاف من المرضى من السفر لتلقي العلاج المُنقذ للحياة في الخارج، فضلاً عن إعاقة دخول الشحنات الطبية والغذائية الأساسية.
وفق بيانات منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، فإن الآثار التراكمية للحصار والتدهور الاقتصادي أدخلت أكثر من 19.5 مليون يمني في دائرة الاحتياج المباشر للمساعدات الإنسانية.
إن النقد هنا لا يهدف إلى المقارنة الثنائية لجراح الضحايا، بل يهدف إلى إرساء قاعدة أخلاقية حاسمة: إما أن تكون الإنسانية واحدة للجميع، وإما التسليم بحقيقتها الحالية إذ إنها مجرد أداة بلاغية تُوظف لخدمة الأقوياء.
يجب القول إن إنصاف الضحايا في غزة، لبنان، واليمن يتطلب إسقاط الهرمية السياسية للدم والإقرار المبدئي بأن حياة الفقير والمُفقَر تساوي ذات القيمة الأخلاقية والوجودية لحياة ابن الدولة الغنية أو ذات النفوذ.
في المحصلة، أشد ما يحتاج إليه عالمنا العربي والإسلامي هو الأخلاق، وأسوء ما نعيشه هو ما وصفه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري "بالنحن ضد نحن".