سيادة تحت الوصاية.. كلفة التبعية وزمن الخيارات الصعبة (2-4)

إدارة حرب طويلة تقتضي ضرب نقاط الضعف التي تؤثر في قرار الخصم، لا اختيار الأهداف وفق ما يرضي السردية الإعلامية المناوئة.

  • سيادة تحت الوصاية.. كلفة التبعية وزمن الخيارات الصعبة (2-4)
    الأضرار التي أعقبت الهجمات الإيرانية التي استهدفت قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي (أسوشيتد برس)

في السابع من نيسان/أبريل 2026، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منصته: "حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تعود أبداً. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه سيحدث على الأرجح". لم تكن العبارة زلّة لسان عابرة؛ فقد سبقتها تهديدات بتدمير محطات الكهرباء والجسور، وإخراج منشآت الطاقة والمياه الإيرانية من الخدمة. بعض المنشآت الحيوية كانت استُهدفت فعلاً خلال جولة الـ39 يوماً إضافة إلى منشآت صناعية ضخمة، قبل أن يُستأنف لاحقاً ضرب المزيد من هذه المنشآت خلال جولة الـ13 يوماً.

هكذا انتقل الخطاب الأميركي من الحديث عن منشآت عسكرية وبرامج تسلح إلى التهديد العلني بتقويض مقومات حياة مجتمع كامل، في خروج واضح على القيود التي يفرضها القانون الدولي والمواثيق الإنسانية على استهداف الأعيان المدنية الضرورية لبقاء السكان.

لماذا هذا التذكير؟

يوفر هذا التهديد أحد المداخل الضرورية لفهم انتقال الرد الإيراني بدوره من استهداف القواعد والأصول العسكرية الأميركية إلى التلويح بضرب حقول الطاقة والمنشآت الاقتصادية في الدول التي تبيح أراضيها للحرب، ليس فقط باعتبارها مسؤولة عما يحدث فوق أراضيها، إنما أيضاً بما تمثّل هذه المنشآت من مصالح أميركية سواء لناحية الملكية المباشرة أم لناحية التداعيات الناجمة عن استهدافها على الاقتصاد الأميركي. 

لا يمنح هذا الأمر طهران بطبيعة الحال صكاً مفتوحاً في حالات السلم؛ لكنه يضع سلوكها في سياق حرب صُوّرت لها باعتبارها حرباً وجودية، هُدّدت فيها الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً. 

لقد أقامت واشنطن طوال عقود شبكات عسكرية معلنة وسرية جعلت الخليج امتداداً جغرافياً لقوتها: مقر الأسطول الخامس في البحرين، ومركز العمليات الجوية في قاعدة العديد بقطر، ومعسكر عريفجان وقاعدة علي السالم في الكويت، ومنشآت تستخدمها القوات الأميركية في الإمارات والسعودية، وقاعدة موفق السلطي في الأردن.

ليست جميع هذه المنشآت متطابقة في وظيفتها. صحيح أن وجود قوات أميركية داخل أي دولة لا يثبت أن أراضيها استُخدمت في كل هجوم، إلا أن وظائف هذه القواعد لا تدع مجالاً للالتباس. بعضها مراكز قيادة وسيطرة وتوجيه، وبعضها مخصص للرادار والإنذار والاعتراض، وبعضها للإمداد والتخزين، وبعضها قادر على إسناد عمليات هجومية. لكن هذه الفروق لا تلغي السؤال الجوهري: متى تُعدّ القاعدة مجرد ضمانة دفاعية، ومتى تتحول الدولة المضيفة إلى جزء من آلة الحرب؟

حياد على الورق

يمثّل الأردن نموذجاً واضحاً. في نهاية شباط/ فبراير الماضي أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد المومني، في تصريحات رسمية أن الأردن لن يكون جزءاً من الصراع الدائر في الإقليم، ولن يسمح بانتهاك سيادته. وعندما اندلعت الحرب، أعلن الأردن أن اعتراض الصواريخ والمسيّرات العابرة لأجوائه هو دفاع عن سيادته وسلامة مواطنيه، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقتها. وهذا دفاع مفهوم من حيث المبدأ؛ فلا توجد دولة ملزمة بترك مقذوفات خطرة تعبر سماء مدنها.

لكن المسألة تتغير إذا تجاوز الدور حماية المجال الجوي إلى تشغيل عمليات هجومية. في الـ 18 من تموز/يوليو الماضي، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين أن طائرات حربية أميركية استخدمت قاعدة موفق السلطي في عمليات ضد إيران. وفي الـ 20 من تموز/يوليو، أفادت الصحيفة بأن القاعدة تعرضت لثلاث ضربات صاروخية إيرانية، أصابت إحداها مساكن جاهزة كان ينام فيها جنود أميركيون.

هنا يصبح ادعاء الحياد موضع اختبار فعلي. فاتفاقية لاهاي الخامسة تمنع الدول المتحاربة من نقل القوات أو الذخائر عبر إقليم دولة محايدة، وتلزم الدولة المحايدة بعدم السماح بذلك. لا يعني هذا أن كل وجود عسكري أجنبي يُسقط الحياد تلقائياً، لكنه يعني أن استخدام الإقليم في تنفيذ الهجمات يتجاوز الحماية إلى المشاركة، مهما بقي الخطاب الرسمي حريصاً على كلمة "الحياد".

لكن هذا ليس سوى البعد القانوني في القضية، أما الأبعاد السياسية والإنسانية والأخلاقية فإنها تبقى حاضرة في ميزان كل مواطن عربي وغير عربي، شهد وسمع عن تصدي الدفاعات الجوية الأردنية خلال المواجهات السابقة لمقذوفات يمنية وإيرانية وجهتها "إسرائيل": إذا كانت الصواريخ والمسيرات التي تستهدف "إسرائيل" من الشرق تمر حكماً في الأجواء الأردنية فهل من حق الأردن اعتراضها؟ في هذه الحال هل يحمي الأردن سيادته أم يحمي "إسرائيل"؟ أم يكفي أن يلزم أي طرف إقليمي نفسه باتفاقيات ومعاهدات ثم يدّعي لاحقاً أنه مقيّد ومغلوب على أمره بموجب هذه المعاهدات؟ وفق المنطق السيادي نفسه، ألا يتحمّل مسؤولية خيارات وتوجهات وتحالفات ألزم نفسه بها؟

في الـ 31 من كانون الثاني/يناير 2021 وقّعت عمّان وواشنطن "اتفاقية التعاون الدفاعي" التي دخلت حيّز التنفيذ في آذار/مارس ومنحت القوات الأميركية تسهيلات واسعة في الدخول والتنقل واستخدام منشآت متفق عليها، وإدخال الأسلحة والمعدات والمواد، فضلاً عن إعفاءات وامتيازات قضائية وإدارية.

أثار الاتفاق اعتراض أحزاب وقانونيين ونواب أردنيين، لا لأن التعاون العسكري مع واشنطن كان جديداً، بل لأن الاتفاقية لم تُعرض على مجلس الأمة. ورأى المعترضون أن أحكامها تنشئ التزامات تمسّ السيادة والولاية القضائية والخزينة، ولذلك كان ينبغي إخضاعها للمسار الدستوري المخصص للمعاهدات. لكن بمعزل عن ذلك يبقى السؤال الأساسي: المنشآت والقواعد التي تقيمها واشنطن في الأردن موجهة ضد من وما الغرض منها؟

تشخيص كعب أخيل

في بداية الحرب، ركّز الخطاب الإيراني على استهداف القواعد الأميركية ومصادر النيران. وكانت الرسالة أن الدولة المضيفة تستطيع تجنّب الرد إذا منعت استخدام أرضها وأجوائها في العمليات الأميركية والإسرائيلية. لاحقاً اتسع التعريف الإيراني لـ"الدولة المشاركة" ليشمل من يقدّم الإسناد والاعتراض والحماية اللوجستية، قبل أن تنتقل التهديدات إلى حقول النفط والغاز والمنشآت الاقتصادية، لكن بقيت مشروطة بـ "إذا" استُهدفت البنية الحيوية الإيرانية، وحافظ جزء كبير منها على الطابع غير الرسمي.

برز في هذا الإطار رد علي لاريجاني، بصفته الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على تهديد ترامب بأن الولايات المتحدة تستطيع تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية خلال ساعة، إذ قال: "إذا فعلوا ذلك، فلن تمضي سوى نصف ساعة حتى تعم حالة انقطاع شامل للكهرباء في المنطقة بأسرها، ويغدو الظلام فرصة مناسبة لتعقب العسكريين الأميركيين الفارّين واصطيادهم".

أدى الرد الإيراني خلال محطات الحرب على استهداف منشآته، مثل بارس الجنوبي وعسلوية، باستهداف منشآت حيوية مقابلة على الضفة الأخرى من الخليج، إلى خلق نوع من الموثوقية لتهديداته، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ معادلة من الردع، استطاع بفضلها حتى الآن حماية ما بقي من البنى التحتية الإيرانية التي كان يُراد عبر ضربها تقويض صمود الشعب الإيراني بما يؤدي لاحقاً إما إلى استسلامه أو دفعه إلى خلخلة الاستقرار الداخلي.

من وجهة النظر الإيرانية، لا تستطيع واشنطن أن تحارب من أراضي الآخرين ثم تطالب طهران بالتعامل مع تلك الأراضي كمساحات محايدة. كما أن إدارة حرب طويلة تقتضي ضرب نقاط الضعف التي تؤثر في قرار الخصم، لا اختيار الأهداف وفق ما يرضي السردية الإعلامية المناوئة. فإيران استهدفت "إسرائيل" مراراً، وذكرت أنها استهدفت القطع البحرية الأميركية فضلاً عن تهديدها، لكنها رأت أيضاً أن مكمن الضغط الأشد على واشنطن يكمن في شبكة مصالحها المنتشرة حول إيران وفي مضيق هرمز.

مع ذلك، ينطوي هذا المنطق على إشكالية. إذ إن توسيع مفهوم المشاركة بحيث يشمل دولة بأكملها بسبب قرار اتخذته حكومتها، ثم تهديد منشآتها الاقتصادية، يضيق المسافة في نظر البعض بين الرد العسكري المشروع والعقاب الجماعي. فالبنى الاقتصادية والحيوية ليست مجرد ممتلكات للنظم الحاكمة؛ بل تتصل بمعيشة السكان وباقتصاد عالمي قد يدفع الأبرياء كلفة اضطرابه. 

لكن لا يغيب أن التهديدات الإيرانية أنتجت في الوقت نفسه معادلة ردع لم يكن ممكناً تجاهلها. فالاقتصادات الخليجية والأميركية والعالمية متشابكة عبر النفط والغاز والمصارف والموانئ وسلاسل الشحن ومضيق هرمز، عدا عن الهبات والاستثمارات الإلزامية والخوّات التي جمع منها ترامب مئات مليارات الدولارات بصورة فجّة خلال ولايتين.

من هذا المنطلق، فإن استهداف مراكز الطاقة الإيرانية كان يعني احتمال انتقال النار إلى منظومة الطاقة الخليجية والأميركية والعالمية، مع ما يصاحب ذلك من ارتفاع الأسعار والتأمين وكلفة النقل عالمياً بالحد الأدنى، وصولاً إلى تقديرات أكثر تطرفاً تفيد باحتمال الوصول إلى كساد وانهيارات في الاقتصاد العالمي وأضرار جسيمة تصيب الأميركي.

إذا لم يكن هذا العامل وحده أوقف ضربات أميركية حساسة إضافية، إلا أن الوقائع تشير إلى أنه كان عنصراً حاسماً في حساب الكلفة. 

ثمن التمرد على الهيمنة

لا تُقاس السيادة بخلوّ الدولة من القواعد الأجنبية وحده، بل بقدرتها على ضبط استخدامها. فقد أدانت سلطنة عُمان الحرب الأميركية الإسرائيلية ووصفتها بأنها مخالفة للقانون الدولي، مع إدانتها في الوقت نفسه الضربات الإيرانية على دول الجوار. وكتب وزير خارجيتها بدر البوسعيدي في الـ19 من آذار/مارس المنصرم أن الرد الإيراني على ما اعتبرته طهران أهدافاً أميركية كان "حتمياً"، وإن ظل مؤسفاً وغير مقبول. بهذا حافظت مسقط على قناة الوساطة، من دون أن تجعل علاقاتها الدفاعية الغربية تفويضاً مطلقاً للحرب.

أما إسبانيا، وهي دولة أوروبية بعيدة عن إيران وتستضيف في روتا ومورون وجوداً عسكرياً أميركياً مهماً، فقد رفضت السماح باستخدام القاعدتين في الهجمات، وأعلن وزير خارجيتها أنهما لن تُستخدما في عمل لا تغطيه الاتفاقية الثنائية ولا ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة. كما شدد رئيس وزرائها على إمكان معارضة النظام الإيراني ومعارضة الحرب غير القانونية عليه في آن واحد.

مع ذلك تحتّم الواقعية السياسية القول إن الإصرار على الاستقلال التام لا يخلو من كلفة وأثمان. يُستدل على ذلك بدول مثل إيران نفسها إضافة إلى كوبا وفنزويلا، وهي دول دفعت أثماناً مرتفعة لقاء صيانة سيادتها وحماية مبادئها، وأبعد منها دول أوروبية تكافح من دون أن تتمكن من الانعتاق من التبعية الأميركية.

إسبانيا بدأت تواجه بالفعل ضغوطاً سياسية وأمنية بسبب مواقفها من حروب "إسرائيل" وأميركا. واقعة اقتحام عشرات الآلاف من المهاجرين حدود سبتة قبل أسابيع قليلة عزاها مسؤولون وأحزاب إسبانية إلى احتمال تواطؤ مغربي، وأثار شبهات نقلتها تقارير إعلامية عن أن التدفق الجماعي هدفه معاقبة إسبانيا، ولا سيما أنه سبق لشخصيات أميركية أن لوّحت بالضغط على مدريد بعد رفضها المشاركة في الحرب على إيران.

في الـ 16 من آذار/مارس، دعا مايكل روبن، المسؤول السابق في البنتاغون والباحث في "أميركان إنتربرايز إنستيتيوت"، المغرب إلى تنظيم "مسيرة خضراء ثانية" واقتحام سبتة ومليلية بمدنيين غير مسلحين. وقد جاءت دعوته في سياق حملة على حكومة بيدرو سانشيز بسبب مواقفها من "إسرائيل" والحرب على إيران. بعد ذلك أعلن عضو الكونغرس الجمهوري ماريو دياز بالارت، المقرب من ماركو روبيو، أن سبتة ومليلية تقعان على "أرض مغربية"، بالتزامن مع الأزمة الأميركية الإسبانية الناجمة عن رفض مدريد المشاركة في الحرب.

كلفة العجز

يدل ما سبق على أن التشبث بالسيادة والاستقلال له أيضاً كلفته في ظل نظام عالمي معقّد تمارس فيه قوى الهيمنة شتى أنواع الضغوط لإملاء توجهاتها ورغباتها. السيادة من هذا المنظور ليست خياراً بسيطاً وتموضعاً تلقائياً يناظر التبعية. العالم لا يقوم على اختزال بسيط: إما السيادة وإما التبعية. 

ولكن ماذا عمّن اختار التنازل طوعاً عن كل أوراق قوته وسيادته؟ 

يصبح هذا النموذج مقابلاً بالحد الأدنى للنموذج الإيراني الذي اختار الصمود ودفع الكلفة. يبقى أن ننتظر العواقب التامة والخلاصات العملية التي سوف تنجم عن هذه الحرب، والنتائج المنبثقة عن السياسات والقيم والمبادئ التي تقوم عليها النظم السياسية.

في السادس من آذار/مارس من هذا العام، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف إن دول الخليج ظنت أن القواعد الأميركية ستحميها، بينما تستخدمها واشنطن لحماية دولة واحدة غامزاً من قناة "إسرائيل"، وختم: "إنها ليست حماية، بل تهديد".

 العبارة صادرة عن خصم لواشنطن، ولا تكفي بذاتها دليلاً؛ لكنها تصف مفارقة كشفتها الحرب: القاعدة العسكرية قد لا توفر أكثر من وهم الحماية، لكنها تضع الدولة في لحظة الحقيقة داخل بنك أهداف الحرب الأميركية. 

الحماية والتهديد، إذاً، ليسا نقيضين دائماً. قد تكون المنشأة الأجنبية درعاً متصوراً في يوم ولكنها تصبح هدفاً في اليوم التالي. أما السيادة فلا يثبتها رفع العلم فوق الأرض، بل امتلاك القرار الأخير: من يستخدم هذه الأرض، ولأي غرض، والقدرة الفعلية على قول "لا".

هنا يمكن استحضار ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: الدول التي تخلّت عن السيادة لم تعد قادرة على حماية مصالحها الوطنية بشكل كامل.