سيادة تحت الوصاية.. رواية فصلها الأول مفقود (1-4)

حين تبدأ الرواية من الصاروخ الإيراني وتتجاهل ما سبقه تتحوّل السيادة من مبدأ قانوني عام إلى حجة انتقائية تُستدعى في وجه طهران ويُغضّ الطرف عنها عندما ينتهكها العم سام.

  • سيادة تحت الوصاية.. رواية فصلها الأول مفقود (1-4)
    سيادة تحت الوصاية.. رواية فصلها الأول مفقود (1-4)

منذ الأيام الأولى للحرب التي تشنها الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، استقرت في الخطاب الرسمي والإعلامي الخليجي سردية تبدو للوهلة الأولى قابلة للنظر: لماذا ترد إيران على جيرانها العرب، بدلاً من أن توجّه قوتها كاملة نحو "إسرائيل" والبوارج والقطع البحرية الأميركية؟ وكيف أصبحت دول تقول إنها لم تشارك في الحرب ولا توافق عليها أهدافاً للصواريخ الإيرانية؟

السؤال يبدو مشروعاً من الناحية القانونية ومسوّغاً سياسياً، لكنه يصبح ناقصاً حين يبدأ تاريخ الحرب من لحظة وصول الصاروخ الإيراني، ويتجاوز الهجوم الأميركي- الإسرائيلي الذي سبقه، كما يتجاهل موقع الخليج ضمن المنظومة الإمبراطورية الأميركية وطبيعة الأهداف التي ضربتها إيران. 

تعزّز هذا السؤال لاحقاً وبات لازمة في السردية المناوئة لإيران خصوصاً عندما بدأت الأخيرة، عبر تسريبات ومصادر ورسائل وأحياناً بشكل صريح، التلويح باستهداف منشآت وبنى تحتية حيوية في الخليج في حال أقدمت واشنطن على استهداف المزيد من المنشآت الحساسة والحيوية التي تقوّض الصمود الإيراني. تجنّبت هذه السردية مجدداً الإقرار بأن التهديد الإيراني بما ينطوي عليه من جدية وعزم قد أسهم فعلياً في إرساء معادلات ردع لجمت الولايات المتحدة حتى الآن عن تجاوز جميع السقوف واستهداف ما بقي من منشآت إيرانية حيوية.

وبمعزل عما تمثله بعض الأهداف الخليجية من استثمارات اقتصادية مشتركة مع الجانب الأميركي، إلا أن الثابت أن التداعيات الناجمة عن الاستهداف المحتمل لبنى اقتصادية حيوية خليجية حساسة، سوف تصيب الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر، نظراً إلى تشابك اقتصاد الإمبراطورية الأميركية مع اقتصادات الخليج بالقدر نفسه الذي يتأثر فيه الاقتصادان العالمي والأميركي بما يجري في مضيق هرمز.

إدارة الحرب ومنطق توزيع الصواريخ

لم تكن الضربات التي استهلتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026 في خضم مفاوضات معلنة مجرد عملية محدودة لإيصال رسالة، بل حرباً أعلنت واشنطن و"تل أبيب" أن أهدافها تتصل بتدمير القدرات الإيرانية وتغيير بنية الحكم. ولذلك، تعاملت معها طهران بوصفها حرباً وجودية وطويلة، لا مجرد جولة عسكرية يمكن إدارتها بمنطق توزيع الصواريخ بالتساوي بين الخصوم.

وبلغ الخطاب الأميركي ذروته في 7 نيسان/أبريل، حين هدّد ترامب بأن "حضارة بأكملها ستموت ولن تعود أبداً" إذا لم ترضخ إيران لشروطه؛ وهو تهديد تجاوز أبسط قواعد القانون الدولي والضوابط التي تحكم الحروب، الأمر الذي دفع البابا ليو الرابع عشر إلى وصفه بأنه "غير مقبول" وندّدت به أطراف دولية، لكن هل حرّكت دول الخليج ساكناً؟ لم تفعل ذلك.

الحرب الواسعة التي بدأتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" استهدفت رأس الدولة الإيرانية وقياداتها العسكرية والأمنية ومنشآتها الحيوية وطالت المرشد السيد علي خامنئي بما يمثل من مكانة خاصة دينية ومعنوية إضافة إلى أفراد من عائلته، بينهم ابنته وحفيدته، لكن دول الخليج العربية كانت على الضفة الأخرى تنتظر الرد الإيراني كي تدين انتهاك سيادتها.

جيفري ساكس مندهشاً: ظننت أنني لا أسمع جيداً!

خلال الحروب لا تختار القيادة أهدافها لإرضاء جمهور الشاشات، ولا ترد في كل ساعة على كل خصم بمقدار مماثل. إنها تبحث عن نقاط الضعف ضمن استراتيجية المواجهة، وتحدد أين ترد ومتى، وفق ما تراه أكثر تأثيراً في حسابات العدو وإدارة المراحل اللاحقة. من هذا المنطلق، يصبح القول إن "إسرائيل" استُبعدت من المواجهة لمجرد أنها حالياً خارج بنك الأهداف مجافياً للحقيقة، كذلك الأمر بالنسبة إلى القطع البحرية الأميركية. 

رغم ذلك، فإن المفارقة لا تكمن في إدانة دول الخليج تعرض أراضيها للهجمات وانتهاك سيادتها، فهذا الأمر مفهوم ومنطقي، بل في أن بياناتها وتصريحاتها بدأت من الرد الإيراني، من دون أي إدانة مماثلة وواضحة للعدوان الأميركي- الإسرائيلي، الأمر الذي كان محل استهجان واستغراب أطراف محايدة أو حتى صديقة لدول الخليج.

في هذا الإطار، عبّر أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا والمستشار السابق لأمناء عامين للأمم المتحدة جيفري ساكس عن دهشته من هذا الترتيب. ففي  آذار/مارس الماضي، قال إنه ظن أنه لا يسمع جيداً حين توالت الإدانات الخليجية الموجهة إلى إيران في يوم تعرضت فيه قيادتها للاغتيال. ثم ربط بين مواقف الدول ووجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، وخلص بعبارة قاسية إلى أنها "ليست دولاً ذات سيادة".

عبارة ساكس لم تكن تمثّل حكماً قانونياً؛ فدول الخليج نظم مستقلة وذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وتتمتع بجميع الحقوق التي يقررها القانون الدولي، لكنها تطرح سؤالاً سياسياً أشد تعقيداً: هل تكفي السيادة القانونية إذا كانت الدولة لا تملك، أو لا تستخدم، حرية الاعتراض على القوة التي تتولى حمايتها وتنتشر عسكرياً داخل أراضيها؟

في الأول من نيسان/أبريل، أجاب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن شكوى خليجية من الهجمات الإيرانية خلال مائدة مستديرة للسفراء في موسكو. ذكّر بأن دولاً عربية أعلنت قبل الحرب رفض الحل العسكري وعدم السماح باستخدام أجوائها، ثم سأل ممثليها: هل أدنتم ما بدأت الولايات المتحدة و"إسرائيل" بفعله؟ وهل أدنتم مقتل تلميذات مدرسة ميناب؟

ثم دعا إلى جبهة موحدة لإنهاء هذه الحرب مشيراً إلى أن مجرد التصريح بأن إيران لا تملك الحق في الرد بفعالية يعني تشجيع الولايات المتحدة و"إسرائيل" على الاستمرار، الأمر الذي عدّه لافروف يتنافى مع المنطق.

كان رأس الدبلوماسية الروسية الذي تتمتع بلاده بعلاقات صداقة مع دول الخليج يشير إلى الغارة التي أصابت مدرسة ابتدائية في جنوب إيران والتي ذكرت منظمة اليونيسف لاحقاً أن 168 فتاة قُتلن فيها. ومع ذلك، لم تحظ هذه الواقعة بما يوازي حجمها في البيانات العربية التي ركزت على إدانة إيران.

لافروف صرّح أيضاً في أواخر آذار/مارس الماضي بأن الولايات المتحدة عمدت إلى استغلال حلفائها العرب وشنت عدوانها على إيران من قواعدهم، بما يخالف مزاعم خليجية تدّعي أن بعض تلك القواعد لم يستخدم في عمليات هجومية، لكن ما الفرق هنا بين مساعدة لوجستية أو مساهمة هجومية أو مشاركة في الإمداد والتموين والبيانات أو حتى الإيواء طالما أنها قواعد تتبع الولايات المتحدة؟ 

قواعد الاشتباك هنا لا تمليها التصورات والأمنيات أو منطق الاستعلاء المتحدر من توزيع القوى في تراتبية النظام العالمي، إنما ما ينجم من قرار المواجهة وإرادة القتال.

هدف قريب وعدو بعيد

يحاجج المنطق الإيراني بأن القواعد العسكرية والمراكز الأمنية الأميركية الواقعة في الخليج ليست، من الناحية العسكرية، منشآت محلية مستقلة، بل أجزاء من البنية القتالية للدولة التي تخوض الحرب. وعندما تُستخدَم قاعدة أو منظومة رادار أو مجال جوي في عملية عسكرية، فإن وظيفتها تحدد موقعها في الصراع، لا العلم المرفوع فوق الأرض التي تستضيفها.

وبحسب تصريحات متتابعة لوزارة الخارجية وحرس الثور الإيرانيين ومقر خاتم الأنبياء منذ بداية الحرب، كانت طهران تستهدف في مرحلتها الأولى "الأصول العسكرية الأميركية" ومصادر النيران، وحذّرت الدول المجاورة من السماح باستخدام أراضيها وأجوائها ضد إيران. ومن هذا المنظور، لا تكون الجغرافيا الخليجية هي الخصم الأصلي، لكنها تتحول إلى امتداد عسكري ولوجستي له.

الاعتراض الخليجي يواجه بدوره سؤالاً لا يستطيع تجاوزه: إذا كانت بعض دول الخليج موافقة أو متواطئة في الحرب التي تشنها أميركا و"إسرائيل" ضد إيران فمن المنطق أن تكون شريكة في رد الفعل، وبالتالي فإن تعرض أراضيها لاستهدافات إيرانية يغدو منطقياً. أما إذا كانت غير راضية في حرب لا تريدها لكنها راضخة لها قسراً، فإن سيادتها في هذه الحالة تصبح منقوصة في المجال الذي يفترض أنه يمس جوهرها: قرار الحرب والسلم. وبالتالي، يفترض أن تغض النظر عن الهجمات الإيرانية كما تغض النظر عن الهجمات الأميركية.

المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حاججها من موقع مختلف، وأشار إلى أن القيادة المركزية الأميركية ذكرت صراحة بأن الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية والأردن شاركت في العمليات ضد إيران، وطالبها قائلاً: "إذا كان الادعاء الأميركي غير صحيح فعلى الدول المذكورة أن تنفيه رسمياً وبشفافية". 

على الأرجح كان إسماعيل بقائي يشير إلى شهادة أدلى بها الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية أمام الكونغرس منتصف أيار/مايو المنصرم.

الإدانة كانت ممكنة

تؤشر مواقف دول أخرى، بما فيها دول حليفة وصديقة للولايات المتحدة، إلى أن رفض العدوان على إيران لم يكن يستلزم تأييد ردها على الدول المجاورة. ففي بيان أصدرته الخارجية العُمانية في 28 شباط/فبراير، اعتبرت مسقط الهجمات الأميركية- الإسرائيلية انتهاكاً للقانون الدولي، قبل أن تدين لاحقاً الهجمات الإيرانية على دول المنطقة. واتخذت باكستان موقفاً مشابهاً في بيان صدر في اليوم نفسه، إذ أدانت الهجوم على إيران ثم أدانت ضرب الدول الخليجية والأردن.

وفي 2 آذار/مارس، دان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الأميركية- الإسرائيلية وعدّها انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، فيما انتقد وزير خارجيته هاكان فيدان، بعد ذلك بيومين، استراتيجية إيران في ضرب دول الخليج من دون تمييز. وبعيداً من دول المنطقة، اتخذت إسبانيا موقفاً متساوقاً مع التوصيف المنطقي لصراع غير ملتبس لناحية أنه ينطوي على طرف معتد وطرف يدافع عن نفسه.

قيمة هذه النماذج أنها لا تتطلب بالضرورة الاصطفاف الحاد في إطار ثنائية استقطابية: لم يكن على دول المنطقة أن تختار بين تبرئة إيران وتبرئة الولايات المتحدة و"إسرائيل". كان ممكناً إدانة الحرب التي بدأت أولاً، مع رفض نقل نتائجها إلى أراضي الجيران. لكن، ما طغى على خطاب دول الخليج عموماً استخدام عنوان السيادة في اتجاه واحد: حقاً ثابتاً عندما أصاب الرد الإيراني أراضيها، ومفهوماً غائباً عندما تعرضت إيران للاعتداء ولحرب وجودية.

لا يلغي هذا الأمر التباينات التي تسللت إلى المواقف الإيرانية وقُرئت من بين سطور الخطابات، والتي يمكن من خلالها استشفاف أن الموقف داخل إيران لم يكن موحداً تماماً. في 7 آذار/مارس الماضي، اعتذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى دول الجوار، وأعلن الاستعداد عن وقف استهدافها ما لم تُستخدم أراضيها لشن هجمات على إيران، الأمر الذي أثار جدلاً داخلياً إزاء المقاربة التي يفترض اعتمادها إزاء التحديات.

الخطاب الإيراني بدوره تطوّر بموازاة الحرب وتكيّف وفق تصاعد العمليات. فقد بدأ بحصر معلن للأهداف في القواعد ومصادر النيران، ثم اتسع لاحقاً مع استمرار القصف والتهديدات الأميركية- الإسرائيلية ليشمل التلويح بالرد على منشآت الطاقة والبنى الاقتصادية في حال استهدفت مقدرات إيران الاقتصادية ومنشآت الطاقة لديها.

وبمعزل عن النقاش القانوني حول مسؤولية إيران عن استهداف سيادة دول مجاورة، إلا أن الواقعية السياسية تقتضي القول إن المسؤولية لا تبدأ عند إطلاق الصاروخ الإيراني. 

ما كشفته الحرب هو أن السيادة بقيت حقاً قانونياً ثابتاً، فيما أصبحت ممارستها السياسية انتقائية: تُرفع في وجه طهران، وتخفت أمام واشنطن، وتكاد تختفي حين تتداخل الحماية الأجنبية مع قرار الدولة وقدرتها على التحكم بما يجري فوق أرضها وفي أجوائها.