زمنُ تسرُّبِ الرطوبة إلى جدار الإمبراطورية

لماذا يمكن أن تكون المواجهة مع إيران منعطفاً من دون أن تكون نبوءة بسقوط أميركا. فالمنعطف الحقيقي ليس في أن تنتصر إيران أو تُهزم أميركا، وإنما في أن يكتشف العالم حدود القوة الحديثة.

  •  ما الذي سيتغير بعد الحرب؟
    ما الذي سيتغيّر بعد الحرب؟

ثمّة كتب لا ينبغي أن نقرأها في المكتبة. ينبغي أن نقرأها ونحن نسمع شيئاً في الخارج. صوت طائرة مثلاً، أو سيارة إسعاف، أو مذيعاً يتحدّث عن صاروخ سقط في مكان بعيد، ثم ينتقل إلى أسعار النفط، كأنّ سقوط الصاروخ وارتفاع سعر البرميل حادثتان من النوع نفسه.

كتاب مونتيسكيو عن عظمة الرومان وانحطاطهم واحد من هذه الكتب. تفتحه اليوم فتشعر، بعد صفحات قليلة، بأنّ الرجل لم يكن مهتماً كثيراً بروما بقدر اهتمامه بذلك المرض الغريب الذي يصيب الدول حين تطول إقامتها في القمة.

كان يراقب روما كما يراقب الطبيب مريضاً قديماً: لا يسأل فقط أين يؤلمه، بل متى بدأ الألم، ولماذا لم ينتبه إليه أحد، ولماذا ظلّ المريض يمشي ويضحك ويستقبل ضيوفه، فيما كان شيء ما في داخله يتغيّر. وهذه، ربما، هي المسألة التي تستحقّ أن نستعيدها الآن. ليس: متى تسقط الإمبراطوريات؟ بل: متى تبدأ الإمبراطورية نفسها في الشك بأنها لن تبقى إمبراطورية إلى الأبد؟

لكنّ مونتيسكيو لم يبدأ من الصفر. ثمّة رجل سبقه إلى هذه الغرفة بقرون، ولم يكن يجلس في باريس ولا ينظر إلى روما من خلف نافذة أوروبية. كان ابن خلدون يتنقّل بين المغرب والأندلس ومصر، ويراقب شيئاً أكثر قرباً منه: الدول وهي تولد من جماعات متماسكة، ثم تستقر، ثم ترفل في الاستقرار إلى أن تفقد شيئاً من القوة التي صنعتها.

وكانت لديه صورة تكاد تكون منزلية عن المسألة. جماعة تأتي من الخارج، تحمل معها شيئاً من الخشونة، ومن التضامن، ومن الاستعداد لتحمّل ما لا يتحمّله أهل المدن. تصل إلى السلطة. تبني الدولة. يكثر المال. تستقر الأمور. ثم يأتي الجيل الثاني والثالث، ويصبح ما كان في الأمس مغامرةً إرثاً.

يولد الابن في القصر، لا في الطريق. وهنا، عند ابن خلدون، يبدأ التغيير. لا يعني ذلك أنّ الابن ضعيف بالضرورة، ولا أنّ الأب كان بطلاً. المسألة أعمق وأشدّ بساطة: الإنسان الذي ورث الأمان لا يتصرّف دائماً مثل الإنسان الذي صنعه الخوف. ولعلّ هذه الجملة هي أول خيط يصل ابن خلدون بمونتيسكيو، رغم أنّ الرجلين لم يلتقيا أبداً: كلاهما كان يبحث عن اللحظة التي يتحوّل فيها سرّ القوة إلى عبء على صاحبه.

ومن هنا يصبح مونتيسكيو أكثر وضوحاً. فهو حين ينظر إلى روما لا يسأل فقط كيف انتصرت، وإنما ماذا فعل الانتصار بروما نفسها. كيف صارت الدولة التي بنت قوتها على الحرب والانضباط والتوسّع أسيرةً لبعض النتائج التي أفرزها هذا التوسّع؟ هل يمكن أن تكون بعض أسباب عظمتها هي نفسها أسباب انحطاطها؟ هنا يصبح التاريخ مرآة سيئة المزاج.

فالجيش الذي يحمي الإمبراطورية يحتاج إلى المال، والمال يحتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى طرق وموانئ وضرائب، والضرائب تحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى دولة تعرف ماذا يحدث على أطرافها. وكلما اتسعت الإمبراطورية، احتاجت إلى المزيد من كلّ شيء. تبدأ القصة براية. ثم تصبح الراية حدوداً. ثمّ تصبح الحدود التزاماً. ثم يصبح الالتزام فاتورة. ومن هذه الفاتورة تحديداً يمكن أن نفهم لماذا ظلّ سؤال الإمبراطوريات حياً بعد روما بقرون طويلة.

لأنّ روما لم تكن آخر إمبراطورية تتعلّم أنّ الخريطة الجميلة قد تكون لها كلفة قبيحة. كانت فقط واحدة من الأكثرها وضوحاً. وحين نغادرها، لا نغادر السؤال؛ نحمله معنا إلى القسطنطينية. في 1453، كانت المدينة لا تزال هناك. الأسوار لا تزال هناك. الكنائس لا تزال هناك. القصر لا يزال هناك. الإمبراطور لا يزال إمبراطوراً.

وهذا بالضبط ما يجعل المشهد مؤلماً. فالمدن لا تسقط حين يختفي كلّ شيء. تسقط أحياناً بينما لا يزال كثير من الأشياء في مكانه. لكنها تكون قد فقدت شيئاً لا يظهر في الصورة: الموارد، والرجال، والثقة، والقدرة على التجدّد، والقدرة على دفع ثمن البقاء. كانت الإمبراطورية البيزنطية قد تقلّصت، على مدى قرون، حتى صارت القسطنطينية أشبه بجزيرة تاريخية ضخمة في بحر عثماني يتسع كلّ يوم.

وحين جاءت مدافع محمد الفاتح، لم تكن تضرب حجارة فقط. كانت تضرب دولة استنفدت جزءاً كبيراً من قدرتها على إنتاج القوة. وهكذا يبدو سقوط القسطنطينية، من بعيد، معركة بين مدافع وأسوار؛ لكنك إذا اقتربت قليلاً تكتشف أنه كان أيضاً نهاية طويلة لعملية استنزاف سبقت المدافع نفسها. حين يصل العدو إلى الأسوار، قد تكون المشكلة أنّ الأسوار هي آخر ما بقي من الدولة.

ولأنّ التاريخ لا يحب أن يترك لنا الدرس من دون أن يعيد تمثيله، جاء العثمانيون بعد البيزنطيين تقريباً كأنهم فصل جديد من الكتاب نفسه. أخذوا القسطنطينية التي سقطت، وجعلوها عاصمة إمبراطورية ستتسع حتى تبدو، في بعض مراحلها، وكأنها قادرة على ابتلاع خرائط بأكملها. اتسعت. اتسعت أكثر. حتى صار ممكناً لرجل في إسطنبول أن يتخذ قراراً يخصّ مدينة على البحر الأسود، أو جبال البلقان، أو بلاد الشام، أو العراق، أو شمال أفريقيا.

كان ذلك قوة هائلة. لكن ما يثير الدهشة في التجربة العثمانية ليس فقط أنها اتسعت، بل أنها ظلت قادرة على إدارة هذا الاتساع زمناً طويلاً. ثم بدأ العالم الذي حولها يتغيّر. ظهرت المصانع، والسكك الحديدية، والجيوش الحديثة، والمصارف، والقوميات، والاقتصاد الصناعي، فيما بدأت أوروبا تعيد تعريف معنى القوة. وهنا وقع الشرخ الحقيقي: لم تعد المشكلة أنّ العثمانيين لا يستطيعون أن يحكموا الإمبراطورية، بل أنّ العالم الذي صُمّمت الإمبراطورية للحياة فيه كان قد بدأ يختفي. وهذا أخطر من الهزيمة العسكرية. يمكنك أن تخسر حرباً وتعود. أما أن يتغيّر العالم من حولك وأنت لا تستطيع أن تتغيّر معه، فهذه قصة أخرى.

ومن هذه النقطة بالذات يمكن أن نفهم لماذا لم يعد سؤال صعود الحضارات وسقوطها شأناً للمؤرّخ وحده. عندما جاء أرنولد توينبي، بعد أجيال، كان يحاول أن يرى التاريخ من مكان أوسع: الحضارات لا تعيش لأنها عظيمة، بل لأنها تجيب عن التحدّيات التي تواجهها. وهذه الفكرة تبدو، إذا أعدناها إلى البيزنطيين والعثمانيين، أقلّ تجريداً بكثير. التحدّي لا يأتي دائماً على هيئة جيش. قد يأتي على هيئة اقتصاد جديد، أو تكنولوجيا جديدة، أو فكرة سياسية جديدة، أو شعب بدأ يعرّف نفسه بطريقة مختلفة. والمشكلة ليست في وجود التحدّي، بل في قدرة الدولة على إنتاج إجابة جديدة. أجب عن التحدّي، أو سيتقدّم التحدّي. هكذا يصبح سقوط الإمبراطوريات أقلّ شبهاً بانفجار مفاجئ وأكثر شبهاً بعجز طويل عن العثور على الإجابة المناسبة.

ومن هنا أيضاً نفهم لماذا تدخل الحرب والمال والدولة في القصة نفسها. بعد توينبي، سيأتي تشارلز تيلي ليعيدنا من سماء الحضارات إلى أرض الضرائب والجيوش. الدولة لا تموّل قوتها بالأمنيات؛ تحتاج إلى موارد، وإدارة، وجباية، ومؤسسات قادرة على تحويل الاقتصاد إلى قدرة سياسية وعسكرية. وبعده، حين ينظر بول كينيدي إلى القوى الكبرى، سيضع أمامنا الوجه الآخر من الصورة: ليس المهم فقط كم تملك من القوة، بل كم يكلفك الحفاظ عليها. الدولة العظمى قد تبدأ في التعب حين تصبح التزاماتها أكبر من قدرتها على دفع ثمنها. وهنا تلتقي النظرية بالتاريخ من جديد: روما كانت تعرف الفاتورة، وبيزنطة دفعت بعضها قبل سقوطها، والعثمانيون اكتشفوا أنّ العالم الحديث يرفع قيمة الفاتورة بسرعة أكبر من قدرة السلطنة على سدادها.

إذاً، حين نصل إلى أميركا، لا ينبغي أن نصل إليها كمن يحمل حكم الإدانة في جيبه. لا أريد أن أقول إنّ الولايات المتحدة هي روما الجديدة، ولا إنها بيزنطة أخرى، ولا إنّ سقوطها بات مسألة وقت. هذه المقارنات إذا أخذت بحرفيتها تصبح لعبة صحافية رخيصة. ما يستحقّ المقارنة هو الآلية: ماذا يحدث للقوة حين تتسع التزاماتها؟ ماذا يحدث لسمعتها حين تضطر إلى استخدام القوة باستمرار؟ ماذا يحدث لخصومها حين يكتشفون أنّ هناك حدوداً لما تستطيع فعله؟ وماذا يحدث لحلفائها حين يبدأون في حساب كلفة الوقوف معها؟

هنا تحديداً تدخل إيران إلى القصة، لا كخاتمة جاهزة، وإنما كاختبار جديد للنظرية القديمة. فالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية ليست مهمة فقط بسبب ما يجري في الميدان، ولا بسبب النفط أو هرمز أو الصواريخ. أهميتها أنها تضع قوة عظمى أمام دولة ليست وليدة اللحظة التي بدأت فيها الجمهورية الإسلامية، ولا يمكن اختصارها في حكومتها الحالية. إنها تواجه تاريخاً أطول من النظام الذي يحكم طهران اليوم، وذاكرة أقدم من الثورة، وجغرافيا لا تبدو على الخريطة كما تبدو في غرفة عمليات، ومجتمعاً متعدّد الإثنيات والمناطق استطاع، رغم تناقضاته، أن يحافظ على فكرة مركزية عن نفسه.

وهنا ينبغي أن نتوقّف قليلاً، لأنّ إيران هي التي تجعل الحكاية تنحرف عن المسار المتوقّع. كنا نتحدّث عن الإمبراطوريات التي تتسع حتى تتعب، ثم نجد أنفسنا أمام بلد تاريخي مهم ليس لأنه يريد أن يصبح إمبراطورية جديدة، بل لأنه استطاع أن يبقى دولة ذات ذاكرة بعد سقوط إمبراطوريات وسلالات وأنظمة كثيرة. وهذا فرق بالغ الأهمية. فالإمبراطورية تحتاج إلى أن تتمدّد كي تثبت قوتها؛ أما الحضارة فقد يكفيها أحياناً أن تبقى.

إيران أقدم من حكوماتها. قبل الجمهورية الإسلامية كان هناك الشاه. وقبل الشاه كانت القاجارية. وقبلها الصفوية. وقبل الصفوية قرون من السلالات والغزوات والتبدّلات. وقبل كلّ ذلك، فارس. وعندما تنظر إلى هذه الأرض لا تجد شعباً متجانساً جلس يوماً واتفق على أن يكون أمة. تجد شيئاً أكثر تعقيداً: فرساً وأذريين وكرداً وعرباً وبلوشاً وتركماناً وغيرهم، ولغات ولهجات وذاكرات محلية، ومدناً لكلّ منها مزاجها وتاريخها. ومع ذلك بقيت فكرة إيران. وهذه، في حدّ ذاتها، واحدة من الأسئلة الكبرى التي يمكن أن نخرج بها من تاريخ الإمبراطوريات: ما الذي يجعل كياناً سياسياً أو ثقافياً يبقى حين تتغيّر السلطة التي تحكمه؟

ربما نجد جزءاً من الإجابة في إيران القديمة. الأخمينيون عرفوا قبل أكثر من ألفي عام كيف تُدار إمبراطورية متعددة الشعوب. لم يكونوا بحاجة إلى أن يجعلوا كلّ الناس نسخة واحدة من الفرس كي يحكموا مساحة شاسعة. كانت هناك أقاليم وحكّام وضرائب وطرق وإدارات محلية، وكان المركز يحتاج إلى أن يعرف كيف يمسك الأطراف من دون أن يخنقها. ثم جاء الإسلام، وتعاقبت قرون كاملة من التحوّلات، إلى أن جاء الصفويون في القرن السادس عشر، فبدأ شيء يشبه إعادة تركيب البيت الإيراني. لم تكن المواد كلّها من النوع نفسه: كان القزلباش، ومعهم عناصر تركمانية وقبلية مختلفة، قوة مهمة في الدولة والجيش، فيما أدّت النخب الفارسية أدواراً مركزية في الإدارة والثقافة، وأصبحت الهوية الشيعية عنصراً أساسياً في بناء الدولة الصفوية. لم يكن الأمر إذاً مشروعاً بسيطاً لصناعة تجانس عرقي. كان أقرب إلى بناء سقف فوق غرف مختلفة. الغرف لا تصبح متطابقة، لكن البيت يصبح قابلاً للسكن.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة الإيرانية التي تستحقّ أن نتأمّلها ونحن ننظر إلى المواجهة الحالية. فالدولة التي تبلغ مساحتها نحو 1.65 مليون كيلومتر مربع ليست قصة عرق واحد. إنها خليط تاريخي من الهويات والمناطق واللغات. ومع ذلك، ظلّ هناك خيط يصل بينها. في اللغة، وفي الشعر، وفي الذاكرة، وفي نوروز، وفي أسماء المدن، وفي الحكايات التي يعرفها الناس عن ملوك قدامى لا علاقة لهم بالنظام السياسي الحالي. الدولة تتغيّر، لكنّ الذاكرة عنيدة. قد يسقط الملك ولا يسقط الاسم. قد تتغيّر الجمهورية ولا تتغيّر الأرض. وقد يدخل الغزاة ويخرجون، ويبقى شيء ما في الداخل يقول: هذه إيران.

ومن هنا نفهم لماذا يمكن أن تكون المواجهة مع إيران منعطفاً من دون أن تكون نبوءة بسقوط أميركا. فالمنعطف الحقيقي ليس في أن تنتصر إيران أو تُهزم أميركا، وإنما في أن يكتشف العالم حدود القوة الحديثة أمام مجتمع يستطيع أن يجعل التاريخ نفسه جزءاً من دفاعه. هناك حدود للقوة، وحدود للجغرافيا، وحدود للاقتصاد، وحدود للوقت، وحتى حدود للصورة. وهذه الأخيرة ربما تكون أخطرها.

الإمبراطوريات تعيش، إلى حدّ كبير، على السمعة. حين يقول الأقوياء إنهم أقوياء، يصدّقهم الآخرون. ثم تأتي لحظة صغيرة: دولة لا تتراجع، خصم يتحمّل أكثر مما كان متوقّعاً، حليف يتردّد، سوق لا يستجيب، طريق بحري يصبح ورقة سياسية. عندها تبدأ الأسئلة. هل ما زالوا يستطيعون؟ هل ما زالوا يقرّرون؟ هل ما زال الآخرون يصدّقون؟ لا تحتاج الإمبراطورية إلى أن تُهزم كي تخسر شيئاً من مناعتها. يكفي أن يبدأ الآخرون باختبارها.

ولذلك قد يكون الخطأ الأكبر أن نقرأ المواجهة الأميركية ـــــ الإيرانية فقط في دفتر الحرب. ما يجري يمكن أن يُقرأ أيضاً في دفتر التاريخ الطويل. فربما يكون السؤال الحقيقي الذي يخرج من هرمز ليس: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يستطيع أن يتحمّل العالم الذي سيأتي بعد استخدام السلاح؟ هنا يصبح النفط جزءاً من السياسة، والسياسة جزءاً من الاقتصاد، والاقتصاد جزءاً من الشرعية، والشرعية جزءاً من السمعة، والسمعة جزءاً من القوة. وفجأة تعود كل الخيوط التي بدأنا بها إلى بعضها: ابن خلدون، من جهة، يسأل عن التماسك؛ مونتيسكيو يسأل عن أسباب القوة والانحطاط؛ توينبي يسأل عن الإجابة على التحدي؛ تيلي يسأل من أين تأتي الدولة بموارد قوتها؛ وكينيدي يسأل كم تستطيع أن تدفع مقابل اتساع التزاماتها. ليست هذه أسماء متجاورة. إنها أسئلة مختلفة عن المرض نفسه.

وربما لهذا لا أظن أنّ القرن المقبل سيكون بالضرورة قرن إمبراطورية جديدة. قد يكون العكس تماماً. قد نكون أمام عالم يتراجع فيه معنى الإمبراطورية نفسها. ليس لأنّ الدول الكبرى ستختفي، بل لأنّ العالم صار مزدحماً أكثر مما يسمح لدولة واحدة بأن تتصرّف فيه كما لو أنها وحدها صاحبة المفتاح. الصين موجودة، وروسيا موجودة، والهند موجودة، وإيران موجودة، وتركيا موجودة، وأوروبا موجودة بكل ضعفها وقوتها وتناقضاتها، والعالم العربي، رغم كل ما فيه، ليس فراغاً تاريخياً. ثم هناك شيء جديد لم يعرفه ملوك روما ولا سلاطين إسطنبول: شبكات المال والطاقة والتكنولوجيا والمعلومات التي جعلت القوة موزّعة بطرق يصعب جمعها في يد واحدة.

قد لا تكون الإمبراطورية المقبلة إمبراطورية أصلاً. وربما يكون المقبل شيئاً لم نتعلّم بعد كيف نسمّيه. وهذه هي النقطة التي تجعل المستقبل أكثر إثارة من الماضي. فالتاريخ لا يكرّر نفسه حرفياً؛ هو يعيد أحياناً الأسئلة نفسها بأجساد جديدة.

وفي النهاية، لا أعرف إن كانت أميركا تتراجع، ولا أعرف إن كانت إيران ستخرج من هذه المواجهة أقوى، ولا أعرف أيّ دولة ستكتب الفصل التالي. وأشكّ في أنّ أحداً يعرف. لكنني أعرف شيئاً واحداً: حين يصبح العالم مشغولاً بالسؤال «من سينتصر؟»، يكون التاريخ غالباً منشغلاً بسؤال آخر: ما الذي سيتغيّر بعد الحرب، حتى لو انتصر أحد الطرفين؟ قد تربح دولة المعركة وتخسر شيئاً من صورتها. قد تخسر أخرى بعض مواقعها وتخرج منها أكثر تماسكاً. قد يرتفع النفط أو ينخفض. قد يفتح مضيق أو يغلق. هذه كلّها أخبار. أما التاريخ فيبحث عن شيء أبعد: اللحظة التي تغيّر فيها اعتقاد الناس بما تستطيع القوة أن تفعله.

وربما تكون هذه هي اللحظة التي نعيشها الآن. لا أقول إنّ إمبراطورية سقطت. بل إنّ شيئاً أكثر غموضاً بدأ يحدث. بدأت الإمبراطوريات القديمة والجديدة، والصغيرة والكبيرة، تواجه السؤال نفسه: إلى أيّ حدّ تستطيع أن تتوسّع من دون أن تفقد نفسها؟ إلى أيّ حدّ تستطيع أن تستخدم القوة من دون أن تستهلك شرعيّتها؟ وإلى أيّ حدّ تستطيع أن تجعل الآخرين يخافونها قبل أن يبدأوا في اكتشاف حدود خوفهم؟ هذه الأسئلة لا تنفجر مثل الصواريخ. إنها تتسلل ببطء، مثل الرطوبة في جدار قديم. وفي البداية لا يرى أحد شيئاً. ثم يظهر خط رفيع. ثم آخر. ثم يأتي يوم يقف فيه شخص ما أمام الجدار، يلمسه بيده، ويسأل: منذ متى بدأ هذا؟ عندها فقط نفهم أنّ السقوط لم يبدأ يوم سقط الجدار. كان قد بدأ في اليوم الذي دخلت إليه الرطوبة.

وربما، في مكان ما بين روما والقسطنطينية وإسطنبول وطهران وواشنطن، يكون التاريخ الآن يفعل الشيء نفسه الذي فعله دائماً. لا يعلن عن المستقبل. يتركه يتسرّب إلينا أولاً.