أين اختفت ملفات إبستين؟
بعد أشهر من نشر ملايين الوثائق، تراجعت القضية من العناوين العربية، وخفتت عبارة "نظام إبستين" التي استخدمها الإيرانيون، فهل اختفت الملفات أيضاً في الإعلام الأميركي؟
-
أين اختفت ملفات إبستين؟
لم تعد ملفات جيفري إبستين حاضرة في الإعلام العربي كما كانت عند نشر الدفعة الكبرى من الوثائق بداية العام. لا يعني ذلك انقطاع أخبارها تماماً؛ فقد نقلت مواقع ووكالات ناطقة بالعربية خلال الشهر الحالي بضعة مستجدات حفلت بها القضية، لكن متابعة أولية على محركات البحث تكشف أن تغطية تطورات القضية جاءت محدودة جداً على المستويين الكمي والنوعي، فلم تتناقلها غالباً وسائل الإعلام العربية، وبقيت الأخبار المرتبطة في القضية متباعدة إجمالاً وسط تدفق أكبر لأخبار تتعلق بالحرب والسياسة الأميركية.
السؤال اللصيق بهذا السياق: أين اختفت الملفات؟ وهل غابت أيضاً من تغطية الإعلام الأميركي؟
لم تختف الملفات لكنها أُقصيت
في الولايات المتحدة لم تختفِ ملفات إبستين، لكنها فقدت موقعها كقصة كبرى جامعة وتحوّلت إلى أخبار متفرقة وتفصيلية متجزئة. في بداية الشهر الحالي نشرت وسائل الإعلام تقريراً حول مطالبة السيناتور الديمقراطي رون وايدن الجهات الرقابية بالتحقيق في تعامل مصارف كبرى مع حسابات إبستين، بعد مراجعة استمرت أربع سنوات. وفي اليوم التالي، غطى الإعلام دعوى نيو مكسيكو التي اتهمت وزارة العدل بعرقلة التحقيق في الجرائم المحتملة داخل مزرعة إبستين في الولاية.
وفي 19 آب/ أغسطس، نشرت صحيفة "الغارديان" أن رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب، الجمهوري جيمس كومر، هدّد الملياردير ليون بلاك بإجراءات ازدراء الكونغرس إذا لم يقدم الأخير الوثائق المطلوبة ويخضع لجلسة مقررة في 3 سبتمبر/أيلول المقبل. وهذه تطورات تؤكد أن القضية لم تتوقف، لكنها لم تعد تُروى باعتبارها انفجاراً واحداً، بل توزعت بين قضايا تتعلق بالمصارف وبين دعاوى هامشية واستدعاءات محدودة جداً وجلسات مغلقة.
ما أدى إلى إقصاء القضية من العناوين الرئيسية للأخبار هو أن طبيعة الأخبار نفسها المتعلقة بالقضية تغيرت. فالوثيقة المفاجئة أو الاسم الشهير يجذبان الجمهور، أما الخلاف على تنقيح المستندات وحدود صلاحيات لجنة أو موعد إفادة شاهد، فيصعب عليها الاحتفاظ بالمكان نفسه في العناوين، ولا سيما وسط أخبار أكثر أهمية مثل تداعيات الحرب على إيران والانتخابات النصفية والأزمات الاقتصادية والسياسية الأميركية.
الغرق في العلن
في 30 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة العدل الأميركية نشر أكثر من ثلاثة ملايين صفحة إضافية حول القضية، ليرتفع مجموع ما نشرته إلى نحو 3.5 ملايين صفحة، فضلاً عن 180 ألف صورة وأكثر من ألفي تسجيل مصور، وقالت إن ذلك يفي بالتزاماتها بموجب قانون شفافية ملفات إبستين، لتصبح القضية منتهية بالنسبة إليها.
هذه الأرقام توحي بكشف غير مسبوق، لكنها تساعد أيضاً على تفسير اختفاء القضية. فليس سهلاً تحويل ملايين الصفحات إلى رواية واضحة، خصوصاً عندما تختلط المواد المهمة بالمكرر والمحجوب والبلاغات غير المثبتة. وحتى المكتبة الإلكترونية التابعة لوزارة العدل الأميركية تنبه إلى أن بعض الوثائق، ومنها المواد المكتوبة بخط اليد، قد لا تكون قابلة للبحث الإلكتروني أو قد تعطي نتائج غير موثوقة.
هنا تظهر إحدى مفارقات النشر الرقمي: لم يعد الإخفاء يحتاج دائماً إلى إقفال الخزنة؛ فقد تضيع المعلومة في ظل كثرة المعلومات المنشورة حولها. ينقل الإغراق العبء من المؤسسة التي تملك الملفات إلى الصحافي أو الباحث الذي يُطلب منه العثور على الصلة المهمة وسط ملايين الصفحات. تتحقق الشفافية من الناحية الشكلية، بينما يبقى تكوين صورة متماسكة مهمة شاقة وبطيئة.
قد يكون الإغراق وفق ذلك خطة متعمدة، خصوصاً أنه كان مطلوباً من الإدارة الأميركية كشف الوثائق بموجب قانون سنّه الكونغرس وألزمها بذلك. من هنا يكون الإغراق قد أدى إلى نتيجة عملية: بدلاً من ملف محدد يمكن متابعته، ظهر أرشيف ضخم يحتاج إلى مؤسسات ووقت وأدوات تحليل. ومع غياب كشف حاسم يجمع اهتمام الجمهور، استوعبت دورة الأخبار الضجة الأولى ثم تجاوزتها.
ومع ذلك، لا يعني إعلان وزارة العدل أنها أوفت بالتزاماتها انتهاء القضية تماماً. فقد أصدرت لجنة الرقابة، في 17 مارس/آذار الماضي، مذكرة استدعاء لوزيرة العدل السابقة بام بوندي بشأن تعامل الوزارة مع التحقيق وتنفيذ قانون الشفافية. وفي 17 يوليو/تموز الماضي، أعلنت اللجنة نشر إفادتي ليون بلاك ودوغ باند، ثم واصلت السعي للحصول على وثائق وإفادات إضافية.
انتهت، وفق رواية الحكومة، عملية النشر الواسعة المقررة، لكن فحص الوثائق والمساءلة السياسية والنزاع على ما حُجب منها لم تنتهِ، وإن بقيت مقنّنة ومحدودة. ويمكن لهذا العمل أن يستمر بعد ولاية ترامب، إلا أن اتجاهه وسرعته سيتأثران بمن يسيطر على مجلس النواب إثر الانتخابات النصفية وعلى رئاسة لجنة الرقابة.
عودة انتخابية محتملة
قد تعود ملفات إبستين إلى واجهة الإعلام من باب الاستغلال الانتخابي، وقد بدأت مؤشرات على ذلك تظهر بالفعل. ففي 24 مايو/أيار الماضي، نشر موقع "أكسيوس" أن مرشحين ديمقراطيين بارزين أدخلوا القضية في إعلانات انتخابات التجديد النصفي. ووفق شركة "AdImpact" التي استند إليها الموقع، أنفق الديمقراطي شيرود براون قرابة 1.5 مليون دولار على إعلانين يهاجمان منافسه الجمهوري في أوهايو، السيناتور جون هَستد، بسبب تبرعات سابقة تلقاها من ليزلي ويكسنر، الذي كان إبستين يدير أمواله.
وأشار "أكسيوس" أيضاً إلى إعلان آخر لصالح المرشح الديمقراطي غراهام بلاتنر، اتهم فيه منافسته الجمهورية سوزان كولينز بالخضوع للرئيس ترامب و"طبقة إبستين"، بينما استخدم السيناتور الديمقراطي جون أوسوف التعبير نفسه في سباق جورجيا. وهذا يوحي بأن القضية قد تستعيد زخمها كلما اقترب موعد الاقتراع، لا بسبب وثائق جديدة بالضرورة، بل لأن الحملات الانتخابية ستعيد استخراج الأسماء والصور والتبرعات القديمة.
لكن استخدامها ليس مضمون النتائج، ولا هو حكر على الديمقراطيين. فقد أوضح موقع FactCheck.org بتاريخ 5 يونيو/حزيران أن الجمهوري جون هَستد آنف الذكر رد بإعلان يتهم براون نفسه بتلقي مئة ألف دولار من أشخاص وصفهم بأنهم مرتبطون بإبستين. ووجد الموقع أن بعض الروابط التي استخدمها الطرفان كانت غير مباشرة أو منقوصة السياق، وأن مجرد ورود اسم شخص في الملفات لا يثبت ارتكابه جريمة من الناحية القانونية.
هذا المثال يكشف قابلية القضية للاستخدام في الاتجاهين: يستطيع الديمقراطيون تقديمها دليلاً على حماية إدارة ترامب للنخب، لكن الجمهوريين يستطيعون التنقيب في الوثائق عن أسماء وتبرعات مرتبطة بخصومهم، ثم اتهامهم بازدواجية المعايير.
وتزداد قدرة الجمهوريين على قلب الهجوم لأنهم يتولون رئاسة لجنة الرقابة ويملكون نفوذاً أكبر في تحديد الشهود ومواعيد الجلسات والوثائق التي تحظى بالاهتمام وإمكان التحكم بمسارات القضية. في 27 فبراير/شباط الماضي، أصدر رئيس اللجنة بياناً رسمياً قال فيه إن إفادة بيل كلينتون "برّأت" ترامب، واتهم الديمقراطيين بتسليح التحقيق سياسياً. وعلى الجانب الآخر، يصف الديمقراطيون تعامل الإدارة مع الملفات بأنه عملية تستر.
لذلك قد تعيد الانتخابات القضية إعلامياً، لكنها لن تعيدها بالضرورة بالشكل الذي يريده الديمقراطيون. وقد تصبح اللجنة نفسها ساحة لإنتاج روايتين متناقضتين: واحدة تتهم ترامب بالحجب وحماية أصحاب النفوذ، وأخرى تقول إن التحقيق برأه وكشف صلات خصومه بإبستين. أما إذا انتقلت أكثرية مجلس النواب إلى الديمقراطيين، فقد تتغير رئاسة اللجنة وأولويات الاستدعاء والتحقيق بعد الانتخابات.
مصطلح في صراع السرديات
خلال الحرب، التقط مسؤولون ووسائل إعلام إيرانية ملفات إبستين ووظفوها في معركة المشروعية. تحدّث أمين المجلس الأعلى للأمن القومي السابق علي لاريجاني حول "الأعضاء المتبقين في شبكة إبستين"، وانتشرت تعبيرات مثل "نظام إبستين" و"طبقة إبستين" لوصف إدارة ترامب والتحالف الأميركي الإسرائيلي.
لم تكن قوة المصطلح نابعة بالضرورة من الادعاء بأن الحرب شُنّت للهروب من نشر الملفات، بل في الطعن بأهلية الإدارة الأميركية الأخلاقية لشنها: كيف يمكن لرئيس مشبوه وصلاته بإبستين واضحة ودامغة ولسلطة لم تستطع إقناع جمهورها بأنها كشفت الشبكة وحاسبت أصحاب النفوذ أن تقدم حربها باعتبارها دفاعاً عن القانون والقيم والحرية؟
وقد ظهرت قابلية هذا الربط للانتشار سريعاً. ففي 10 مارس/آذار، ذكرت "الواشنطن بوست" أن باحثين رصدوا ارتفاع استخدام عبارة "نظام إبستين" على منصة "إكس" مئة ضعف في اليوم الأول للضربات، بينما ورد تحوير اسم العملية العسكرية إلى "Epstein Fury" أكثر من 90 ألف مرة لدى نحو 60 ألف حساب خلال الأيام الثلاثة الأولى.
كما حقق مقطعان زُعم أن حسابات مؤيدة لإيران نشرتهما 6.8 ملايين و4.7 ملايين مشاهدة، ليتبيّن لاحقاً وفق الصحيفة أن المقطع المتداول كان مفبركاً، ما أدى إلى تعليق الحسابين ومنح خصوم طهران مادة لاتهامها بالتضليل. وهذا يدلّ على اتجاه عكسي محتمل لاستثمار القضية: كما يمكن لإيران استخدام المعطيات المعلنة في القضية، يمكن في المقابل أن تلجأ جهات أميركية إلى فبركة حسابات وإلصاقها بإيران من أجل اتهامها بأنها تقف خلف دعاية سياسية، ما يؤدي إلى إضعاف القضية والتشكيك فيها من قبل الجمهور الأميركي أو شرائح منه.
وقد وجّهت وزارة العدل الأميركية عام 2024 اتهامات إلى عناصر مرتبطة بالحرس الثوري في عملية زعمت أنها عبارة عن اختراق وتسريب استهدفت حملة ترامب، وهي سابقة تتيح للجمهوريين تقديم أي اختراق إعلامي إيراني لاحق بوصفه تدخلاً معادياً.
لكن ذلك لا يلغي جوانب أخرى في صراع السرديات الذي لا يرتبط فقط بالجمهور الأميركي بقدر ما يتوّجه إلى جماهير على مستوى العالم. لم يتحول مصطلح "نظام إبستين" إلى حملة مستمرة في الخطاب الإيراني وفقد المصطلح زخمه الأول تدريجياً، رغم قيمته المحتملة في حرب المشروعية.
هل كان من شأن تكراره في خطاب المسؤولين الإيرانيين أن يكون قادراً على نقله إلى الإعلام العالمي، حتى عندما يُنقل بين علامتي اقتباس أو يوصف بأنه دعاية إيرانية؟
التغطية السلبية تنشر المصطلح أيضاً، وتثبت في الذاكرة علاقة ذهنية بين ترامب وإبستين والحرب.
في النتيجة لم تختفِ القضية تماماً في الولايات المتحدة، بل توزعت بين الأرشيف والمحاكم والكونغرس والحملات الانتخابية. أغرقتها كثرة ما نُشر منها، وأزاحتها أحداث أكثر إلحاحاً. إنها قضية كامنة أكثر منها قضية منتهية. وقد يكفي إعلان انتخابي، أو جلسة في الكونغرس، أو وثيقة جديدة لإعادتها إلى الواجهة. والمفارقة أن الملفات التي فقدت زخمها بوصفها فضيحة إعلامية قد تستعيد دورها بوصفها سلاحاً في الانتخابات الأميركية وفي الصراع الأوسع على مشروعية الحرب.