تأثير هام للأمعاء على جودة النوم.. كيف؟

عندما يكون ميكروبيوم الأمعاء متوازناً وصحياً، يميل النوم إلى أن يتبعه. أما عندما يكون مضطرباً، فغالباً ما يظهر الأرق، وليالي الأرق، ودورات النوم المتقطعة.

  • كيف تؤثر الأمعاء على جودة النوم؟ (الصورة: Epoch Health)
    كيف تؤثر الأمعاء على جودة النوم؟ (الصورة: Epoch Health)

قد تظن أن النوم الجيد يبدأ في دماغك، لكن في الواقع، يبدأ النوم المُنعش في مستوى أدنى بكثير في الجسم: في الأمعاء!

يلعب مجتمع تريليونات الميكروبات التي تعيش في جهازك الهضمي، والمعروف باسم ميكروبيوم الأمعاء، دوراً  هاماً في تنظيم جودة النوم والمزاج والصحة العامة.

وهذا "الميكروبيوم" هو عالم مجهري داخل عالم جسمك الأكبر. تؤثر تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش هناك على بعضها البعض وعلى بيئتها بطرق مختلفة. ويبدو أيضاً أنها تؤثر على جوانب عديدة من صحتك العامة، سواءً داخل جهازك الهضمي أو خارجه.

عندما يكون ميكروبيوم الأمعاء متوازناً وصحياً، يميل النوم إلى أن يتبعه. أما عندما يكون مضطرباً، فغالباً ما يظهر الأرق، وليالي الأرق، ودورات النوم المتقطعة.

ووفق مجلة "ساينس ألرت" فإن هناك تحوّلاً جذرياً لفهم أسرار النوم العميق، ويوجه العلماء أنظارهم الآن من الدماغ إلى الأمعاء كمفتاح رئيسي لجودة الراحة الليلية. 

مجتمع الميكروبات المعقد

وتكشف أحدث الأبحاث أن مجتمع الميكروبات المعقد في جهازنا الهضمي ليس مجرد مساعد على الهضم، بل هو "مهندس كيميائي" يصنع الهرمونات وينظم الإشارات التي تحدد قدرتنا على النوم والاستيقاظ.

وبعد عقود من التركيز حصرياً على نشاط الدماغ، يبرز الآن المحور الدماغي-المعوي (Gut-Brain Axis) كلاعب رئيسي في معادلة النوم، حيث يعمل كجسر حيوي تنطلق عبره رسائل كيميائية حيوية تؤثر مباشرة على إنتاج الميلاتونين، وتوازن الهرمونات، وحتى استجابتنا للتوتر والقلق.

وهذا التواصل المستمر يعني أن أي تغيير في حالة الأمعاء يترجم فوراً إلى إشارات تؤثر على كيفية إدارة الدماغ للتوتر والمزاج، وبالتالي جاهزيتنا للنوم.

وهذا الاكتشاف لا يفسر فقط لماذا يعاني أصحاب القولون العصبي والأمعاء الحساسة من اضطرابات النوم، بل يفتح الباب أمام علاجات جديدة تستهدف تحسين النوم من خلال العناية بصحة الجهاز الهضمي.

لكن، كيف تتحدث الأمعاء إلى الدماغ تحديداً؟ 

تقوم الميكروبات النافعة في أمعائنا بأكثر من مجرد المساعدة في الهضم، فهي مصانع كيميائية حية.

وتنتج هذه الميكروبات ناقلات عصبية ومواد كيميائية تؤثر مباشرة على النوم. على سبيل المثال، يتم إنتاج معظم السيروتونين في الجسم (نحو 90%) في الأمعاء، وهو الهرمون الذي ينظم المزاج ويعد الطريق لإنتاج الميلاتونين، هرمون النعاس الذي يصنع أيضاً جزئياً في الجهاز الهضمي.

كما تنتج بكتيريا الأمعاء النافعة مادة GABA المهدئة للجهاز العصبي، والتي تشير إلى أن الجسم في وضع آمن يسمح له بالاسترخاء. 

 إشارات "حان وقت النوم" !

ومعاً، تشكّل هذه المواد نظاماً داعماً للإيقاع اليومي الطبيعي. لكن عندما يختل توازن الميكروبيوم وتتكاثر البكتيريا الضارة، يضطرب هذا الإنتاج الكيميائي، وتصبح إشارات "حان وقت النوم" غير واضحة أو ضعيفة.

وبالإضافة إلى ذلك، ثمة طريق رئيسي آخر يربط صحة الأمعاء بسوء النوم وهو الالتهاب المزمن منخفض الدرجة. إذ تحافظ الأمعاء السليمة على حاجز قوي يمنع السموم والجزيئات الالتهابية من التسرب إلى مجرى الدم.

أما عند وجود خلل، كما في حالات "الأمعاء المتسربة" أو متلازمة القولون العصبي، فإن هذا الحاجز يضعف، ما يسمح لمواد تثير الجهاز المناعي بالتسرب. ويؤدي هذا التسرب إلى التهاب دائم في الجسم كله. 

والالتهاب، كما هو معروف، يعبث بمناطق في الدماغ مسؤولة عن تنظيم دورات النوم واليقظة، ما يصعب الانتقال السلس بين مراحل النوم. كما يرفع الالتهاب مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، ليضع الجسم في حالة تأهب دائم تتنافى مع الاسترخاء اللازم للنوم.

 خبر سار:  يمكن كسر هذه الحلقة

وهكذا تدور حلقة مفرغة: التوتر يضر بتنوع ميكروبيوم الأمعاء، والأمعاء المضطربة ترسل إشارات التهابية وقلقاً إلى الدماغ ما يعطل النوم، والنوم السيء بدوره يزيد من هرمونات التوتر، ما يزيد الوضع سوءا في الأمعاء.

لكن الخبر السار هو أنه يمكن كسر هذه الحلقة من خلال دعم صحة الأمعاء، ما ينعكس إيجابياً وبشكلٍ ملحوظ على جودة النوم. ولا يتطلب الأمر حلولاً معقدة، بل تكفي إجراءات عملية مثل:

-تناول الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك (كالألبان المخمرة والمخللات الطبيعية) والبريبايوتك (كالموز، والشوفان، والهليون) لتغذية البكتيريا النافعة.
-تقليل السكر والأطعمة فائقة المعالجة التي تغذي البكتيريا الضارة وتزيد الالتهاب.
-الالتزام بمواعيد منتظمة للوجبات لتنظيم الساعة البيولوجية للجهاز الهضمي.
-إدارة التوتر عبر تقنيات التنفس أو التأمل، لحماية الميكروبيوم من آثاره السلبية.
-شرب كميات كافية من الماء لدعم البيئة الصحية للأمعاء.
ويشير الخبراء إلى أن النوم الجيد لا يبدأ في  اللحظة التي تصعد فيها إلى السرير، بل قبل ذلك بوقت طويل، ويتشكل من خلال صحة الأمعاء والرسائل التي ترسلها إلى الدماغ طوال اليوم.

وعندما يتم دعم الأمعاء وموازنتها، يصبح الجسم أكثر قدرة على الهدوء والتعافي والتحول إلى الإيقاعات التي تسمح للنوم بالتحسن بشكل طبيعي.

اقرأ أيضاً: تجنبوا "متلازمة الأكل الليلي"