"كوفيد طويل الأمد".. وباء واحد بمسارات متعددة

أعراض "كوفيد طويل الأمد" لا تتبع نمطاً واحداً للتعافي بل تتوزّع على مسارات صحية متعددة تمتد حتى 15 شهراً بعد الإصابة الأولى بالفيروس، وفق ما تكشفه دراسة حديثة.. فهل ينجح العلماء في علاج متلازمة "ما بعد كوفيد"؟

  • بين أنّ النساء كنّ أكثر عرضة للإصابة بالأعراض المزمنة الشديدة
    النساء كنّ أكثر عرضة للإصابة بالأعراض المزمنة الشديدة

كشفت دراسة طبية حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) أنّ أعراض "كوفيد طويل" الأمد لا تتبع نمطاً واحداً للتعافي، بل تتوزّع على مسارات صحية متعدّدة تمتدّ حتى 15 شهراً بعد الإصابة الأولى بفيروس كورونا (SARS-CoV-2).

اعتمدت الدراسة على بيانات مبادرة "ريكوفر" (RECOVER) الوطنية التابعة للمعاهد الوطنية للصحة الأميركية، والتي تابعت آلاف المصابين من البالغين في أكثر من 30 ولاية أميركية، من خلال استبيانات منتظمة أُجريت بعد 3 و6 و9 و12 و15 شهراً من الإصابة.

"كوفيد طويل الأمد": وباء مزمن بسلالات متعدّدة وأعراض متقلّبة

يُعرف "كوفيد طويل الأمد" بأنه حالة مزمنة مرتبطة بالعدوى، تشمل أعراضاً متواصلة مثل:

- الإرهاق الشديد.

- ضبابية التفكير.

- اضطرابات الذاكرة.

- الإجهاد بعد بذل مجهود بسيط (PEM).

هذه الأعراض تؤثّر بشكل مباشر على القدرة على العمل، والرعاية الأسرية، والحياة الاجتماعية. ورغم إصابة ملايين الأشخاص حول العالم بهذه الحالة، لا يزال الأطباء يفتقرون إلى خريطة واضحة لمسار المرض والتوقّعات المستقبلية للمرضى.

هل ينجح العلماء الأميركيون في علاج متلازمة "ما بعد كوفيد"؟

الدراسة التي تابعت حالات المرضى على مدى 15 شهراً تكشف ثمانية مسارات للأعراض:

شملت الدراسة 3659 شخصاً بالغاً أُصيبوا للمرة الأولى بكوفيد-19، معظمهم خلال فترة انتشار متحوّر أوميكرون، وغالبيتهم لم يدخلوا المستشفى خلال الإصابة الحادّة. وأظهرت النتائج وجود ثمانية أنماط مختلفة لمسار الأعراض، أبرزها:

- %5 عانوا من أعراض شديدة مستمرة طوال 15 شهراً.

- %12 مرّوا بأعراض متقلّبة بين التحسّن والتدهور.

- %19 شهدوا تحسّناً تدريجياً.

- %6 تفاقمت أعراضهم بشكل متأخّر بعد أشهر من الاستقرار.

- نحو 36% لم تظهر لديهم أعراض تُذكر على المدى الطويل.

كما تبيّن أنّ النساء كنّ أكثر عرضة للإصابة بالأعراض المزمنة الشديدة، وأنّ معدّلات الاستشفاء خلال الإصابة الأولى كانت أعلى لدى من استمرت أعراضهم لفترة طويلة.

اقرأ أيضاً: دراسة: كورونا سرع شيخوخة الأدمغة حتى لدى الأصحاء

السمنة، الاكتئاب، واضطرابات التركيز:

ترتبط الأعراض الممتدة بعدوى كوفيد في كثير من الحالات باضطرابات نفسية وجسدية متداخلة، من بينها:

- الاكتئاب.

- اضطرابات النوم.

- ضعف التركيز والتعلّم.

- الإرهاق المزمن.

وأشارت الدراسة إلى أنّ إعادة الإصابة بالفيروس رُصدت لدى نحو 36% من المشاركين خلال فترة المتابعة، لكنها لم تكن السبب الوحيد في تدهور الحالة لدى بعض المرضى. وليس للتعافي طريق واحد بل تُنسَج رحلته على مقاس كلّ فرد.

وخلص الباحثون إلى أنّ "كوفيد طويل الأمد" ليس مرضاً بمسار واحد، بل مجموعة من المسارات الصحية المختلفة التي تتطلّب:

- متابعة طبية طويلة الأمد.

- خطط علاج فردية.

دعم نفسي واجتماعي متواصل

وأكدت الدراسة أنّ فهم هذه المسارات يساعد في تصميم تجارب علاجية أكثر دقة، وتحسين الخدمات الصحية المقدّمة، ومنح المرضى تصوّرات أوضح عن قدرتهم على العودة للعمل وممارسة حياتهم الطبيعية.

كما أوصت الدراسة بضرورة متابعة الحالات لفترات أطول، وتحليل العينات البيولوجية والبيانات الرقمية لتحديد مؤشّرات حيوية قد تساعد مستقبلاً في التنبّؤ بمسار المرض والاستجابة للعلاج. 

وفي السياق نفسه، أفاد عبد الرحمن محمود رئيس إدارة الإنذار والاستجابة للطوارئ الصحية في منظّمة الصحة العالمية في مؤتمر صحافي عقد أمس الخميس، في جنيف بأنّ الأعراض طويلة الأمد بعد "كوفيد-"19 لا تزال مشكلة خطيرة.

وأشار محمود إلى أنّ أعراض العدوى تتراوح من التعب الخفيف إلى مشكلات في الذاكرة و"ضبابية الدماغ".

وقدّمت منظّمة الصحة العالمية على خلفيّة استمرار انتشار الفيروس خطة استراتيجية محدّثة للتصدّي لتهديدات أمراض الفيروسات التاجية.

ومع ذلك، تحتفظ المنظّمة بمستوى عالٍ من التأهّب وتُجري رصداً يومياً للمخاطر الوبائية. ولا تزال المنظّمة تراقب المشكلة.

ويعني ذلك:

استمرار الرصد اليومي للوضع الوبائي والمتحوّرات الجديدة من الفيروس، وتقديم خطة استراتيجية محدّثة، مما يشير إلى الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الإدارة طويلة الأمد لتهديد أصبح متوطناً، لكنه لم يختفِ.

ويؤكّد التصريح أنّ جائحة "كوفيد-19" خلّفت وراءها "ذيلاً" طويلاً من الأمراض المزمنة التي تتطلّب اهتمام أنظمة الرعاية الصحية ومزيداً من البحث ودعم المرضى.

وبحسب البيانات الرسمية التي تجمعها منظّمة الصحة العالمية (WHO) وجامعة "جونز هوبكنز" وغيرها من الجهات، فإنّ العدد المُبلّغ عنه للوفيات المرتبطة بـ كوفيد-19 على مستوى العالم يتجاوز 7 ملايين شخص.

إلّا أنّ الرقم الفعلي قد يكون أعلى بكثير، حيث تشير تقديرات منظّمة الصحة العالمية نفسها إلى أنّ العدد الإجمالي للوفيات الزائدة المرتبطة بالجائحة (بما في ذلك الوفيات المباشرة وغير المباشرة بسبب انهيار الأنظمة الصحية) قد يكون أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات من العدد المُبلغ عنه رسمياً، الأمر الذي قد يرفع العدد إلى نحو 20 مليون شخص أو أكثر.

تحدّيات الإحصاء: تختلف طريقة إحصاء الوفيات بين الدول (هل يحسب من مات "بـ" كوفيد أم "مع" كوفيد؟). كما أنّ نقص الاختبارات في بداية الجائحة وفي بعض المناطق الفقيرة يعني أنّ كثيراً من الوفيات لم تُسجّل رسمياً على أنها بسبب الفيروس.

اقرأ أيضاً: كورونا والإنفلونزا قد يوقظان خلايا سرطانية نائمة