غزة تختنق ببطء: متى تزوّد المستنشفيات بالأكسجين؟

 في مشهد يعيد تعريف معنى الموت البطيء، يجد أحمد نفسه يواجه عدواً أكثر غدراً من ورمه الخبيث؛ حيث تتحول أزمة قطع الغيار المحتجزة من قبل الاحتلال إلى حكم إعدام جماعي، مع انهيار 22 محطة أكسجين، وتئن المتبقية تحت وطأة العمل الإضافي لتؤجل كارثة إنسانية محققة.

  • غزة تختنق ببطء: المستنشفيات تفتقر إلى الأكسجين (الصورة: تجمع الأطباء)
    غزة تختنق ببطء: المستنشفيات تفتقر إلى الأكسجين (الصورة: تجمع الأطباء)

في مشهدٍ يعيد تعريف معنى الصراع من أجل البقاء، يقف آلاف المرضى في قطاع غزة على حافة الهاوية، ليس بسبب مرضهم فحسب، بل لأن شريان الحياة الذي يبقي قلوبهم خافقة بات مهدداً بالانقطاع. إنها أزمة الأكسجين، تلك المعركة الخفية التي لا تقل فتكاً عن القصف والدمار، والتي تحولت إلى كابوس يومي يراوغ المستشفيات والطواقم الطبية على حد سواء.

تبدأ القصة مع أحمد، ذلك الرجل الذي خاض معركة شرسة مع سرطان الدم منذ 13 عاماً، ليكتشف أن النصر على المرض لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية لمعركة أخرى لا تقل قسوة.

فاليوم، وبعد أن ظن أن أصعب أيامه قد ولّت، يجلس أحمد يراقب بخوف وترقب مصير أسطوانة الأكسجين التي تعتمد عليها حياته، بعدما أصبح تأمينها في غزة رهناً بعوامل لا علاقة لها بالطب، بل بالحصار ونقص الإمكانات وغياب قطع الغيار.

يقول أحمد للميادين أنه: "يحتاج إلى الأكسجين باستمرار، وإلى الأدوية باستمرار، فأي نقص يجعله ينزعج ويشعر بالضيق"، هكذا يصف من يعرفون حالته. إنه ليس وحيداً في هذه المعاناة، فآلاف المرضى في غزة يعيشون ذات الكابوس، ينتظرون دورهم في الحصول على الأكسجين الذي يبقي الحياة في أجسادهم، بينما تتهاوى أمام أعينهم منظومة إنتاج الأكسجين التي كانت تؤمن احتياجات القطاع.

عندما تصبح المحطات شاهداً على الموت

الأرقام التي تكشفها وزارة الصحة الفلسطينية ترسم صورة مروعة لواقع لا يحتمل. فمن أصل 34 محطة لتوليد الأكسجين كانت تعمل في القطاع، لم يتبقَّ سوى 12 محطة فقط، بعدما أخرج الاحتلال 22 محطة عن الخدمة منذ بداية الحرب. إنها ليست فقط أرقام جامدة، بل هي أرواح تترنح بين الحياة والموت، ومرضى ينتظرون في غرف العناية المركزة والحضانات والأقسام الحرجة ما يبقيهم على قيد الحياة.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه المحطات الـ12 المتبقية تعمل في ظروف تقنية وإمكانات شديدة الصعوبة، وكأنها تقاتل هي الأخرى من أجل البقاء. فمحطة الأكسجين الوحيدة التي تعمل في مدينة غزة، والتي صممت للعمل نحو 8 ساعات يومياً وفق القوانين واللوائح، تضطر اليوم للعمل لنحو 20 ساعة يومياً لتوفير الكميات اللازمة من الأكسجين وتعبئة الأسطوانات للأقسام الحرجة. إنها محطة تئن تحت وطأة الضغط، وتصرخ محذرة من أن أي لحظة قد تكون الأخيرة، وأن توقفها سيكون إيذاناً بكارثة إنسانية لا تحتمل.

مستشفى الأقصى يقف على شفا الجرف

في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، تتجلى المأساة بأبهى صورها. كان هذا المستشفى، الذي يغطي أكثر من 600 ألف نسمة في المحافظة الوسطى، يضم 4 محطات للأكسجين تمد أقسام الاستقبال والطوارئ وغرف العمليات والعناية المركزة.

لكن الحرب لم تترك له سوى محطتين فقط، والاثنتان الأخريان توقفتا تماماً بسبب عدم توفر قطع الغيار والزيوت الخاصة، وهما توقفا ليس عن الإنتاج فحسب، بل عن الأمل نفسه.

  • لم يتم توريد أي قطع غيار لإجراء الصيانة الوقائية أو الطارئة
    لم يتم توريد أي قطع غيار لإجراء الصيانة الوقائية أو الطارئة

يقول الدكتور المسؤول في مستشفى شهداء الأقصى: "نحن في مستشفى الأقصى نواجه مشاكل كبيرة جداً في تشغيل هذه المحطات. فالاثنتان اللتان ما زالتا تعملان دائماً في حالة أعطال، ونواجه هذا التحدي يومياً في تشغيلهما وإمداد الأقسام، بالإضافة إلى تلبية احتياجات المستشفيات الميدانية والأهلية".

ويضيف محذراً: "لو توقفت هذه المحطات، سنواجه مشكلة كبيرة جداً، حيث ستعرض حياة المرضى المنومين في الأقسام الحرجة والحساسة، والمرضى الخارجيين الذين يعبئون أسطواناتهم، إلى الموت أو الإعدام البطيء". 

إنها ليست مبالغة، بل حقيقة يعيشها الأطباء كل يوم، ويرون بأعينهم كيف تنخفض نقاوة الأكسجين الداخلة إلى غرف العناية المكثفة وعناية الأطفال إلى أقل من 70% أو 60%، وهو رقم لا يصلح للحياة، بل هو مقدمة حتمية للانهيار.

"الشفاء" يئن و "الرنتيسي "صامت

في مجمع الشفاء الطبي، الذي كان يضم 10 محطات للأكسجين، لم يتبقَّ سوى محطتين فقط. وفي مدينة غزة بأكملها، لا توجد حالياً سوى محطة واحدة تعمل على تعبئة أسطوانات الأكسجين. المشهد يتكرر في كل مستشفى، وكأن هناك يداً خفية تعمل على طمس كل معالم الحياة في هذا القطاع المنكوب.

الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، يصف الواقع بعبارات موجعة: "الوضع خرج عن السيطرة تماماً". ويحذر من أن استمرار تعطل محطات الأكسجين يهدد حياة المرضى الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهم الأطفال الخُدّج في الحضانات، ومرضى العناية المركزة، والمرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي، إضافة إلى المرضى في غرف العمليات والطوارئ.

ويؤكد أن "انقطاع الأكسجين عن المرضى المرتبطين بأجهزة التنفس الاصطناعي أو الأطفال الخدج قد يؤدي إلى وفيات جماعية". إنها جملة تحمل في طياتها كل معاني الفاجعة، فما معنى أن يكون الموت جماعياً في مستشفى كان من المفترض أن يكون ملاذاً للحياة؟

معركة قطع الغيار

الغريب في هذه الأزمة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في استحالة إصلاح محطات الأكسجين، بل في عدم توافر قطع الغيار اللازمة لإعادتها إلى العمل بكفاءة. يؤكد الدكتور أبو سلمية أن قطع الغيار المطلوبة ليست باهظة الثمن، وأن إدخالها إلى القطاع يمكن أن يسهم في إعادة تشغيل المحطات ورفع قدرتها على تعبئة أسطوانات الأكسجين للمرضى والمصابين.

لكن منذ بداية الحرب، لم يتم توريد أي قطع غيار لإجراء الصيانة الوقائية أو الطارئة. إنه حصار داخل حصار، وعقاب مضاعف لمرضى لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في غزة. فالمحطات التي تحتاج إلى زيوت خاصة غير متوفرة في السوق المحلية، والأجهزة التي تعطلت بحاجة إلى قطع غيار لا يمكن توفيرها إلا من خارج القطاع، لكن الأبواب موصدة، والمعابر مغلقة، والمرضى ينتظرون.

أزمة التعبئة.. معركة موازية

لا تتوقف المأساة عند إنتاج الأكسجين، بل تمتد إلى عملية تعبئة أسطواناته. فمن أصل 30 جهازاً كانت تعمل في القطاع لتعبئة الأسطوانات، لا يعمل اليوم سوى أربعة أجهزة فقط. ماذا يعني هذا؟ يعني أن عشرات الآلاف من المواطنين الذين يعتمدون على الأكسجين في منازلهم، والذين كانوا يستطيعون تعبئة أسطواناتهم من المستشفيات، أصبحوا اليوم عاجزين عن الحصول على ما يبقيهم على قيد الحياة.

مستشفى الشفاء توقف بشكل كامل عن تعبئة الأسطوانات، ومستشفى الرنتيسي توقف أيضاً، والآن مستشفى الأقصى قلص هذه الخدمات إلى الحد الأدنى لكي يستمر في تقديمها. إنها معركة خاسرة بكل المقاييس، حيث يزداد الطلب على الأكسجين بينما تتراجع القدرة على تلبية هذا الطلب يوماً بعد يوم.

تحذيرات لا تجد آذاناً صاغية

حذرت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان لها منذ يومين، من خطر التوقف الكامل لإمدادات الأكسجين داخل مستشفيات قطاع غزة، في ظل استنزاف القدرة التشغيلية لمحطات الأكسجين المتبقية، وتفاقم الأعطال المتكررة، وعجز فرق الصيانة عن إصلاحها بسبب عدم توافر قطع الغيار اللازمة.

ويأتي هذا التحذير في وقت يتواصل فيه التصعيد "الإسرائيلي" في مناطق عدة من قطاع غزة، لا سيما في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث شهد محيط دوار أبو حميد قصفاً مدفعياً وغارات جوية وإطلاق نار من المروحيات "الإسرائيلية" باتجاه منازل المواطنين وخيام النازحين. إنها حلقة مفرغة من العنف والدمار، تدفع ثمنها الأرواح البريئة التي لا حول لها ولا قوة.

الأكسجين ليس رفاهية

في النهاية، يجب أن نفهم أن الأكسجين ليس فقط غاز نتنفسه، بل هو شريان حياة لا يمكن الاستغناء عنه. ففي المستشفيات، يعتمد عليه الأطفال الخدج في الحضانات، ومرضى العناية المركزة، والمرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية، والمرضى الخارجيون الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة.

نداء الطواقم الطبية في غزة واضح وعاجل: إدخال محطات أكسجين جديدة، أو توفير قطع غيار عاجلة لاستمرار المحطات الموجودة. فكما يقول الدكتور المسؤول في مستشفى الأقصى: "نحن الآن نقف على شفا الخطر في الأقسام الحيوية: العمليات الجراحية، والعناية المكثفة للكبار، والعناية المكثفة للأطفال، وأقسام الحضانات.

  • غزة تختنق ببطء: المستنشفيات تفتقر إلى الأكسجين
    غزة تختنق ببطء: المستنشفيات تفتقر إلى الأكسجين

هذه أقسام حيوية يمنع أن يتوقف عنها الأكسجين. نحاول أن نجمع ما تبقى لدينا لنستمر في تقديم الخدمات، ولكن للأسف، في المشهد الحالي، نحن نسير إلى الهاوية بخطى بطيئة، وقد نصل إليها في أي لحظة".

هذه الكلمات ليست فقط تحذير، بل هي صرخة أخيرة قبل الهاوية. فالمستشفيات التي كانت ملاذاً للحياة أصبحت اليوم ساحة لمعركة وجود، والمرضى الذين كانوا يأملون في الشفاء أصبحوا ينتظرون الموت في أي لحظة. إنها أزمة الأكسجين في غزة، ليست فقط أزمة طبية، بل هي أزمة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتطلب تدخلاً عاجلاً قبل فوات الأوان.

اقرأ أيضاً: أزمة الأكسجين في غزة تهدد حياة آلاف المرضى وتضع المستشفيات أمام خطر الانهيار