جرائم ممنهجة.. الاحتلال يحرق مستشفى ميس الجبل

مستشفى "ميس الجبل الحكومي" الذي حرقه الاحتلال، ليس مجرد هيكل خرساني يضم 60 سريراً وغرف عمليات وعناية فائقة، ووحدة العناية بحديثي الولادة الوحيدة بين قضائي مرجعيون وبنت جبيل، بل لأنه كان خط الدفاع الأول عن حق الحياة في وجه تجريف الحجر والبشر.

  • جرائم ممنهجة.. تدمير مستشفى ميس الجبل
    صورة أرشيفية لمستشفى ميس الجبل

هالَ الاحتلال المدجج بأعتى وأحدث أنواع الأسلحة، والمسئزِر بتكنولوجيا متطورة وأقمار اصطناعية راصدة، والمحظي بدعمٍ أميركي غير مسبوق، هالَه أن يرى مستشفى أو سيارة إسعاف تنقذ مريضاً أو جريحاً في جنوب لبنان.

لم تكن المستشفيات على امتداد الجنوب اللبناني مجرد جدران خرسانية تُمارَس فيها مهنة التمريض أو تُصرف بين جنباتها الوصفات الطبية، بل كانت – في الوجدان الجنوبي  واحدة من علامات الصمود، وموئلاً  للإنسانية التي تمنح الأهالي المتجذرين في أرضهم شعوراً بالأمان الثمين، وأن ثمة نبضاً يداوي الجراح إذا ما اشتدّ القصف، وأن ثمة أكسجيناً يسري في عروق الحجر والبشر.

إحراق مستشفى ميس الجبل الحكومي بالكامل

غير أن المشهد الذي ارتسم على أرض الجنوب لم يكن محض أضرار جانبيّة لآلة الحرب، بل تكشّف عن منهجية واضحة ومكتملة الأركان: إبادة القطاع الصحي وتجريف بنيته التحتية من الجذور.

من مستشفى ميس الجبل الحكومي الذي أُحرق وأُخرج قسراً عن الخدمة بعد عقود من بلسمة جراح الشريط الحدودي، إلى مستشفى غندور، ومستشفيات صلاح غندور في بنت جبيل ومرجعيون، يمتد شريط الاستهداف المباشر ليصل إلى المراكز الإسعافية التابعة لـ "الهيئة الصحية الإسلامية" و"الكشاف العربي" و"جمعية الرسالة" و "النجدة الشعبية" وغيرها.

بات القاصي والداني على يقين، أن حرق المستشفيات وتدمير أجهزة التنفس وحضانات الأطفال، واستهداف طواقم الإسعاف والدفاع المدني وهم في قلب أداء واجبهم الإنساني، ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو قرار مدروس بقطع "شريان الحياة" عن القرى والبلدات.

 محاولة ممنهجة لإفراغ الأرض من مقومات الحياة

هي محاولة ممنهجة لإفراغ الأرض من مقومات الحياة الأساسية، وتحويل المدن والقرى الجنوبية إلى بيئات غير قابلة للعيش، حيث يُصنع النزوح القسري عبر سلب المواطن حقّ العلاج وأبسط أشكال الرعاية الصحية.

خاص الميادين نت: رسالة مؤثرة من غرفة عمليات جراحية في بيروت إلى مستشفيات غزة (فيديو)

وتلتقي هذه المشهدية الجنوبيّة المكلومة تماماً مع ما شهدته وتشهده "مجمّع الشفاء" و"ناصر" و "المعمداني" في قطاع غزة، فالعقلية ذاتها التي تستهدف المريض في سريره، وتدمر المولدات الكهربائية لتطفئ الأنفاس في وحدات العناية الفائقة، هي التي تجعل من الأبيض الناصع لرقاع الطب هدفاً مشروعاً لمرمى النيران.

لكن التاريخ الذي كُتب بدماء الكوادر الطبية وصمود الممرضين تحت الأنقاض، يؤكد حقيقة ساطعة: قد تحرق النيران المباني والأسِرّة، وقد تُخرج القذائف الأجهزة من الخدمة، لكن الإرادة الإنسانية والارتباط الراسخ بهذه الأرض أعمق من أن تُطفئهما غارة أو تُغيّبهما حشود الدبابات.

وستبقى صورة الطبيب والمُسعف الذي يلملم الجراح وسط الركام هي العنوان الأبرز لملحمة الصمود الجنوبي.

  • العدو يدمر مستشفى ميس الجبل
    صور تداولتها وسائل التواصل لتدمير  العدو لمستشفى ميس الجبل

فمستشفى "ميس الجبل الحكومي"، ليس بوصفه مجرد هيكل خرساني يضم 60 سريراً وغرف عمليات وعناية فائقة، ولا فقط لأنه يحضن وحدة العناية بحديثي الولادة الوحيدة بين قضائي مرجعيون وبنت جبيل، بل لأنه كان خط الدفاع الأول عن حق الحياة في وجه تجريف الحجر والبشر.

المشهد الأخير لم يتوقف عند حدود نقص المازوت وتداعي الأدوية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، بل استحال إلى رماد ولهب، حين أقدم الاحتلال الإسرائيلي على حرق مستشفى ميس الجبل الحكومي وإخراجه قسراً عن الخدمة، في اعتداء صارخ استنكرته وزارة الصحة العامة اللبنانية، ووثقته الأقلام والإعلام في محطات مؤلمة من هذا الصراع الدائم.

"الصحة":  الأعمال الإجرامية لن تكسر إرادة الصمود

ودانت وزارة الصحة إقدام الاحتلال الإسرائيلي على إحراق مستشفى ميس الجبل الحكومي بالكامل، بعد تحويله سابقاً إلى ثكنة عسكرية.

الوزارة أكدت "أن المستشفى الذي أعادت تأهيله ليكون شريان حياة لأهلنا الصامدين في المناطق الحدودية، يتعرض اليوم لتدمير ممنهج يهدف لحرمان أبناء الجنوب من حقهم في الاستشفاء".

وشدّدت على أنّ استهداف المؤسسات الطبية جريمة حرب مكتملة الأركان، و على أنّ "هذه الأعمال الإجرامية لن تكسر إرادة الصمود، وأنها ستواصل أداء واجبها الوطني والإنساني ودعم أهلنا في الجنوب بكلّ الإمكانيات المتاحة مهما بلغت التضحيات"، مطالبة منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر والمجتمع الدولي بالتحرّك ومحاسبة الاحتلال.

اقرأ أيضاً: ماذا كشف مدير مستشفى غندور المدّمر لـ "الميادين نت"؟

ولعلّ هذا المشهد يتقاطع تماماً مع ما نقله "الميادين نت" في المقابلة مع الدكتور أحمد غندور، الذي روى تفاصيل تدمير مستشفى غندور، ليكشف عن منهجية استهداف تُحلّ النيران محل أجهزة التنفّس، وتستبدل غرف العناية بالأنقاض. إنها السلسلة الممتدة ذاتها من الجنوب اللبناني إلى قطاع غزة، حيث تحوّلت المستشفيات إلى بؤر استهداف مباشر، وحيث يستحيل الصرح الاستشفائي من ملجأ للأمل إلى خط مواجهة.

ومن نافل القول، أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية تمنح حماية قانونية صارمة للمستشفيات والصروح الطبية، لا بل تصنّفها كـ "أعيان محمية" يُحظّر استهدافها أو مهاجمتها في جميع الأحوال.

حمورة: أحرقوا الشاهد فاكتملت شريعة العبث

تقول ابنة بلدة ميس الجبل،الكاتبة ليندا حمورة على صفحتها بعنوان: "اغتيال الشاهد الأخير"
"أضحت "ميس الجبل" ساحةً أفقية، يبسط الاحتلال على أرضها صمت الركام، ويزعم أنه محا معالمها. ظنّوا أنهم بجرف البيت والشجر يمسحون ذاكرة الأرض، وظلّت مستشفاها الحجري هناك... حارساً أخيراً، يقف وحدَه شاهداً على هول ما اقترفت أيديهم.

كانت المستشفى اللمسة الأخيرة التي تطبّب الوجع، والحرمة التي تحترمها قوانين البشر في كل أرجاء الأرض، إلا في جغرافية إجرامهم؛ إذ لا خطوط حمراً تمنعهم من إشعال النيران في آخر صوتٍ ينبض بالحياة. أحرقوا الشاهد، فاكتملت شريعة العبث.

تتحول المستشفى إلى رماد، وتتساوى الأرض بالفقر والمحو، لكن الإرادة تسكن في جذور الأرض لا في أسمنت البناء. هدموا المكان، وبقيت العزيمة؛ وإنّ غداً لمن ينتظر الفجر قريب".