ماذا كشف مدير مستشفى غندور المدّمر لـ "الميادين نت"؟

مدير مستشفى غندور الخاص الذي دمرّه الاحتلال في جنوب لبنان الدكتور أحمد غندور، يشحذنا بالهمم خلال حديثه مع الميادين نت، وإذ يعلن "أنه سيعود مع اخوته وأولاده من جديد ونمضي سوياً ونكمل رسالتنا الإنسانية" يؤكد أن العالم محكوم بقانون "شريعة الغاب".

  • ماذا كشف مدير مستشفى غندور المدّمر لـ
    ماذا كشف مدير مستشفى غندور المدّمر لـ "الميادين نت"؟

هل تعرفون أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية تمنح حماية قانونية صارمة للمستشفيات والصروح الطبية، لا بل تصنّفها كـ "أعيان محمية" يُحظّر استهدافها أو مهاجمتها في جميع الأحوال.

كما يُعد الهجوم المتعمّد عليها جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 

ومن هنا، لم يكن استهداف مستشفى "غندور الخاص" في النبطية الفوقا مجرد غارةٍ أخطأت هدفها، ولا تفصيلاً عابراً في سجّل التدمير الممتد على طول القرى الجنوبية، بل كان بياناً دموياً مُعلناً يتجاوز خطوط القانون الدولي الإنساني ويهشّم مواثيق جنيف التي افترضت حماية الصروح الصحية.

تحت أعين العالم والمنظمات الدولية تُمحى 5 طبقاتٍ رفعت حجرها يدٌ إثر يد، وتُنسف 45 عاماً من السهر والطابة والولادة والجراحة، يصبح الواضح أن البندقية لم تعد تأبه لطبيبٍ يبلسم الجراحات،  وممرّضٍ يسعى ليكون "ملاك رحمة" ، كلاهما في عين المحتل هدف يستوجب المحو!

40 عاماً وزيادة: الشاهد الذي اختفى تحت الركام

منذ عام 1982، والجنوبيون يعرفون هذا المرفق كجزء من حياتهم اليومية. لم يكن المستشفى مجرد أجهزة وأسرّة طوارئ تمتد على طبقته الأرضية وتتوزع على طبقاته الـ 4 فوق التراب، بل كان بلسم الشفاء وملاذ الناس في الحرب والسلم.

يمرّ شريط الذكريات والمواجهة.. فقد مرّ الاجتياح  "الإسرائيلي" عام 1982، وبعده اعتداءات وتحرير وتربّص عدوانيٌّ دائم،  إصابات مباشرة للمستشفى، تهديدات..  لكن كل هذا لم يلوِ أذرعة أصحاب "الأثواب البيضاء" فواصل الصرح تقديم خدماته من ألم الولادة الأولى إلى جراحات المناظير المعقدة.

الجنوب الذي كان يفتقر للمستشفيات!

يومها بدا المكان قاحلًا إلاّ من بعض الأبنية المهجورة، إلاّ من مبنى المستشفى، الذي كان أشبه بمستوصف صغير، كانت وزارة الصحة اللبنانية قد شيدته في العام 1978. وعملت أسرة المستشفى كـ "خلية نحل" بشكلٍٍّ منظم، لخدمة المئات من المحتاجين يومياً للعناية الصحية. 

قد يقول قائل، إن الجنوب اللبناني الذي كان يتلّهف على الدوام لتلمّس اهتمام الدولة منذ قيام الجمهورية اللبنانية، قد عرف وعلى يد أهله وفعالياته نهضةً انمائية اجتماعية طبية حيوية، قابلها حقدُ محتل غادر منذ الأربعينات لضرب عزة شعبه وتصميمه وقوة شكيمته.

 هذا العدوان جاءت بلغة تدميرية طالت الجنوب اللبناني بمرافقه الحيوية وبيوته  التراثية، حتى كان المبنى الصحيّ في مرمى الأهداف  ليصير ركاماً ملتصقاً بأرضه.

الدكتور غندور للميادين نت: هذه الجريمة ليست نهاية الدنيا

"الميادين نت" تواصل مع مدير المستشفى ورئيس مجلس إدارتها الدكتور أحمد غندور، فبان بالفعل معدن اللبناني الجنوبي الأصيل، وهو ردّ على مواساتنا له، بثباتٍ وأنفة " نقول لأهلنا الأعزاء إننا وإياكم بصحة جيدة وعافية، وهذه الجريمة ليست نهاية الدنيا، وسنعود من جديد ونمضي سوياً ونكمل رسالتنا الإنسانية.. 

  • غندور للميادين نت:
    غندور للميادين نت: حقوق الإنسان ليس لها أي احترام لدى العدو

وعقّب قائلاً "كنا نتوقع من العدو بعد الذي جرى في منطقة "علي الطاهر" و "الدبشة"، الاعتداء على المنطقة ولكن ليس بهذه الوحشية المدمِّرة على مستشفى، وكذلك، دمّر عشرات المنازل والمشاريع الحياتية في المنطقة".

سنعود ونستمر بنفس الأسلوب

الطبيب المخضرم وصاحب الأيادي البيضاء مع عائلته أردف بحنوٍّ وعزم " يمارس الإنسان مهنة الطب  كي يعيش ويساعد الناس في مجتمعه، وأنا وأخوتي الخمسة وأولادي الأربعة وزوجتي تربينا على هذا الأسلوب من الحياة، وهو يتجلى بمساعدة الناس، أي المحتاجين عبر هذه المهنة الشريفة، نحن امتهنا هذه المهنة منذ البداية، لنعود ونستمر بنفس الأسلوب".

"يا عنتر مين عنترك": قانونهم شريعة الغاب

وفي ردّه على أسئلة الميادين نت أكد أن "الاتفاقات الدولية من اتفاقية جنيف، مجلس الأمن، الأمم المتحدة، شرعة حقوق الإنسان، ليس لها أي احترام لدى العدو، ونحن نرى ذلك في الاتفاقات الدولية منذ عام 1948، فقانونهم شريعة الغاب، وهو القوة، وهنا يستحضرنا القول اللبناني: "قال يا عنتر مين عنتنرك فرد عليه: ما لقيت حدّ يرّدني"، وبالفعل فهم "بدهم حدا يأدبهم".

وحول ملاحقة الاحتلال قانونياً في المحافل الدولية كشف أن "محامين من المستشفى سيقومون بدراسة الملف" وختم ليقول "مع احترامنا للمؤسسات الدولية، فهي غير قادرة على فرض أية شروط على "إسرائيل"، فهي "متمردة مدعومة من دول الغرب جميعها".

أباطيل الذرائع ورسائل النيران

سقطت الذرائع التي كان يُتذرعّ بها لتبرير ضرب المنشآت الحيوية. لم يعد العدو معنياً بصياغة روايات مسرحية عن البنى التحتية، بل أصبح الفعل نفسه هو الرسالة.

ولنعد إلى ما اقترفته آلة العدوان على مدى سنوات قليلة، فالأرقام الميدانية تشير  إلى كلفة باهظة دفعها الجسم الطبي: 17 مستشفى متضرراً، بينها مرافق أُغلقت بالكامل كـ مستشفى ميس الجبل و مستشفى تبنين، و "صلاح غندور" في بنت جبيل، وأكثر من 35 مستوصفاًَ ومركزاً للرعاية الأولية، و184 سيارة إسعاف أُخرجت عن الخدمة.

ولكم أن تتذكروا دماء وتضحيات أصحاب الرسالة والرداء الأبيض الناصع السريرة: 135 شهيداً من الجسم الصحي (بينهم 130 مسعفاً و5 أطباء وممرضين) إضافة إلى 416 جريحاً، أرقام صامتة لكنها تصرح بأن من يتخذ القتل مهنة، لا يستثني من يحمل السماعة ولا من يمتشق القلم والكاميرا..

ففي السياق عينه،  أفادت منظمة الصحة العالمية "بتضرر 17 مستشفى في لبنان خلال التصعيد، بما في ذلك المستشفيات الثلاثة في صور. إضافة إلى ذلك، استشهد 135 من العاملين في مجال الرعاية الصحية ومسعفين، وأُصيب نحو 400 آخرين. وأكدت الأمم المتحدة ضرورة حماية المستشفيات والعاملين في المجال الطبي في جميع الأوقات، وفقاً للقانون الدولي".

صمود الإرادة وقسوة الحصار الداخلي

مهما جارَ المجرمون فإن اسم مستشفى غندور ، يبقى أعمق أثراً في ذاكرة الجنوبيين من كل الصواريخ التي استهدفته، فالأماكن التي عُجنت بأوجاع الناس وشفائهم، لا تمحوها غارة، بل تظل حيةً في ضمير الأرض بانتظار أن ينبت من تحت الركام قيامة جديدة.