الأوعية الدموية في العين قد تكشف تفاصيل دقيقة حول الصحة!

يمكن للأوعية الدموية الدقيقة في العين أن تقدم مؤشرات هامة حول الدورة الدموية والأمراض، وأحياناً قبل أن تصبح مشاكل الإبصار ملحوظة.

  • العيون قد تكشف تفاصيل حول الصحة أكثر مما تعتقد!
    العيون قد تكشف تفاصيل حول الصحة أكثر مما تعتقد!

يستكشف باحثون في روسيا تقنيات متقدمة لتصوير أوعية العين بالتزامن مع استخدام الغازات الطبية، وذلك كنهج محتمل لتشخيص أمراض العين المستعصية وعلاجها.

يسلّط هذا العمل الضوء على احتمال علمي هام، وهو أنّ الحفاظ على البصر قد لا يعتمد فقط على العينين بحد ذاتهما، بل أيضاً على فهم حالة أصغر الأوعية الدموية في الجسم.

"تخيل أنك تنظر عبر المجهر وتراقب تدفق الدم عبر الأوعية الدقيقة الموجودة على سطح عينك؛ إذ يمكن لشكل هذه الأوعية وقطرها وحركة الدم فيها أن تكشف عن تغيرات في الدورة الدموية يصعب رصدها مباشرة بطرق أخرى".
 
تلك هي الفكرة الكامنة وراء الأبحاث التي يجريها "مركز طب العيون العلاجي" Therapeutic Ophthalmology Center في موسكو، حيث يدرس المتخصصون العلاقة بين "الدورة الدموية الدقيقة" (أي حركة الدم عبر أصغر أوعية الجسم) وأمراض العين.
 
وفي بيان نُشر بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، سلط موقع "بوابة روسيا العلمية" الضوء على عمل المركز، وذلك تمهيداً لمقابلة ستُجرى في 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، مع مؤسسة المركز وكبيرته الطبية، طبيبة العيون تاتيانا خيلو.

وستتناول المناقشة نهجاً طبياً مثيراً للاهتمام، يجمع بين التصوير الدقيق للأوعية الدموية الصغيرة وبين دراسة استخدام الغازات الطبية لعلاج الأمراض التنكسية التي تصيب الشبكية والعصب البصري.

الدورة الدموية الخفية التي تحافظ على حيوية البصر

في كل مرة نفتح فيها أعيننا، تقوم ملايين الخلايا الحساسة للضوء في الشبكية بتحويل الضوء إلى إشارات كهربائية تنتقل إلى الدماغ عبر العصب البصري، ولكن هذه الخلايا تحتاج إلى إمداد مستمر بالأكسجين والعناصر الغذائية لكي تؤدي وظائفها بشكل سليم.
ويعتمد هذا الإمداد على شبكة معقدة من الأوعية الدموية؛ فعندما يختل تدفق الدم، قد لا تتلقى الأنسجة كمية كافية من الأكسجين، مما قد يسهم في تلف الخلايا وفقدان البصر.
 
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في حالة "اعتلال الشبكية السكري"، وهو مرض يؤدي فيه ارتفاع مستوى السكر في الدم لفترات طويلة إلى تضرر أوعية الشبكية؛ إذ تُسد بعض الأوعية، بينما تتسرب السوائل أو يحدث نزيف في أوعية أخرى، مما يهدد البنى الدقيقة المسؤولة عن الإبصار.
 
كما يؤدي تدفق الدم وصحة الأوعية الدموية أدواراً مهمة في العديد من الأمراض الأخرى التي تصيب الشبكية والعصب البصري، وإن كانت أسبابها تختلف.

وتكمن المشكلة في أنّ هذا الضرر قد يتطور تدريجياً، وأحياناً من دون ظهور علامات تحذيرية واضحة. وبحلول الوقت الذي يلاحظ فيه الشخص تشوش الرؤية أو فقدان أجزاء منها، قد تكون تغيرات هامة قد حدثت بالفعل، ولهذا السبب، يتزايد اهتمام الباحثين بتحديد أي خلل في الدورة الدموية قبل حدوث أضرار جسيمة.

مراقبة حركة الدم داخل العين

في المركز الموجود بموسكو، طوّر الباحثون جهاز تصوير متخصصاً يُدعى "OKO"، صُمم لرصد الأوعية الدموية الدقيقة في الملتحمة؛ وهي الغشاء الشفاف الذي يغطي بياض العين، وعلى عكس الفحوصات التي تفحص الدورة الدموية في الشبكية مباشرة، تدرس هذه التقنية الأوعية الدموية القريبة من سطح العين.

ووفقاً لورقة بحثية تقنية نشرjها خيلو وزملاؤهh عام 2022، يستخدم الجهاز تكبيراً بصرياً يصل إلى 200 ضعف تقريباً، ويسجل مقاطع فيديو بمعدل 100 إطار في الثانية، وتتيح هذه الصور للمختصين فحص قطر الأوعية الدموية، وترتيب الشعيرات الدموية، وسرعة تدفق الدم.
 
وقد رصد الفريق تغيرات في هذه القياسات لدى مرضى يعانون من اضطرابات متنوعة في القلب والأوعية الدموية والعين، ويمكن لمثل هذه الملاحظات أن تساعد الباحثين على فهم كيفية تغير الدورة الدموية الدقيقة أثناء المرض وأثناء العلاج. ومع ذلك، فإنّ رصد نمط غير معتاد لتدفق الدم لا يعني بالضرورة تحديد مرض معين؛ إذ لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات المستقلة لتحديد الدقة التشخيصية لهذه التقنية وقيمتها السريرية. 

هل يمكن للغازات الطبية أن تساعد في حماية العيون المتضررة؟

يتضمن مسار بحثي آخر مواد ترتبط عادةً بالكيمياء أو طب الجهاز التنفسي بدلاً من طب العيون، فقد بحث المركز في الاستخدامات الطبية للهيدروجين الجزيئي وأكسيد النيتريك Nitric oxide، وذلك في إطار توجه بحثي طُوّر بالتعاون مع ألكسندر تشوتشالين، وهو طبيب أمراض صدرية وأكاديمي روسي، وينبع الاهتمام العلمي بهذه المواد من خصائصها البيولوجية المختلفة.

يُعد أكسيد النيتريك جزيئاً إشارياً يشارك في تنظيم توتر الأوعية الدموية، بينما تجري دراسة الهيدروجين الجزيئي نظراً لتأثيراته المحتملة على الإجهاد التأكسدي؛ وهي عملية تساهم فيها جزيئات نشطة مفرطة في إحداث تلف خلوي.

ويأمل الباحثون أن تسهم التدخلات المضبوطة بدقة، في نهاية المطاف، في تحسين الدورة الدموية الدقيقة أو حماية أنسجة العين الحساسة، غير أنّ هذا المجال لا يزال محفوفاً بقدر كبير من عدم اليقين.
 
وسجل المركز ملاحظات مشجعة تتعلق بقياسات الدورة الدموية الدقيقة، إلا أنّ التغيرات في هذه القياسات لا تثبت استعادة المرضى لبصرهم المفقود أو حصولهم على حماية دائمة من العمى، كما تختلف ملفات السلامة باختلاف أنواع الغازات الطبية المستخدمة، ويتطلب استخدامها تقييماً دقيقاً؛ إذ لا ينبغي افتراض فعالية أو سلامة أساليب علاجية - مثل العلاج بالأوزون - لأمراض العيون دون وجود أدلة سريرية مقنعة، وفي الوقت الراهن، تظل العلاجات المعتمدة ركيزة أساسية؛ فقد تشمل هذه العلاجات، حسب التشخيص، الأدوية، أو حقن العين، أو إجراءات الليزر، أو الجراحة.

ما تعنيه هذه الأبحاث لحماية البصر

يتمثل الدرس الأهم في أنّ الحكم على صحة العين لا يمكن أن يستند دائماً إلى مدى وضوح الرؤية في الوقت الحالي.إذ تتطور بعض أمراض العيون الخطيرة بصمت، لا سيما لدى المصابين بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم، أو من لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالمياه الزرقاء (الجلوكوما).
 
ويمكن للفحوصات الشاملة والدورية للعين أن تكشف عن المشكلات قبل حدوث فقدان كبير في البصر، كما أنّ ضبط مستويات السكر في الدم وضغط الدم، والسيطرة على عوامل الخطر الأخرى المتعلقة بالقلب والأوعية الدموية، يسهم في حماية الأوعية الدموية الدقيقة التي تغذي العين.
 
وتستدعي التغيرات، مثل تشوش الرؤية المستمر، أو تشوه الرؤية المركزية، أو ظهور بقع عمياء جديدة، اهتماماً طبياً فورياً، في حين يُعد فقدان البصر المفاجئ حالة طبية طارئة.

كما تمثل الأبحاث التي أُجريت في موسكو محاولة لفهم أمراض العيون من خلال دراسة حركة الدم في أصغر الأوعية الدموية، واستكشاف ما إذا كان بإمكان التدخلات العلاجية الجديدة التأثير على هذه العملية.

اقرأ أيضاً: زراعة العيون الإلكترونية باتت ممكنة لاستعادة البصر