إسراء الشوابكة.. ابتكار طبي من مخيم فلسطيني إلى العالم

تبدو قصة الشابة الفلسطينية إسراء الشوابكة رسالة مختلفة تقول إنّ الابتكار لا يولد فقط داخل الشركات العملاقة والمختبرات الضخمة، بل يمكن أن يبدأ أيضاً من مخيم صغير، ومن فكرة حملتها طالبة آمنت بأنّ العلم قادر على منح الناس فرصة إضافية للحياة.

  • إسراء الشوابكة.. ابتكار طبي من مخيم فلسطيني إلى العالم
    وُلدت فكرة المشروع في بيئة بعيدة عن المختبرات المتطوّرة أو مراكز الأبحاث الكبرى (غرافيك: محمد دياب)

في وقتٍ تتزايد فيه معدلات الإصابة بسرطان الثدي حول العالم، وتبقى معركة الكشف المبكر واحدة من أهم وسائل النجاة، برز اسم الشابة الفلسطينية إسراء محمد عبد الفتاح الشوابكة كواحد من النماذج الشابة التي تحاول كسر الحدود التقليدية بين التعليم والابتكار، وبين الحلم الفردي والحاجة الإنسانية العامة.

ففي عمر الثامنة عشرة فقط، استطاعت الشوابكة، المنحدرة من مخيم الفوار جنوب مدينة الخليل، أن تطوّر جهازاً طبياً للكشف المبكر عن سرطان الثدي، في خطوة علمية لافتة تُوّجت بحصولها على براءة اختراع فلسطينية، وسط اهتمام متزايد بمشروعها الذي ما زال ينتظر الدعم الكافي لتحويله إلى منتج طبي قابل للاستخدام على نطاق واسع.

الابتكار الذي حمل اسم "افحصي نفسك بنفسك" لا يقتصر على كونه مشروعاً علمياً لطالبة متفوّقة، بل يلامس قضية صحية عالمية ترتبط بحياة ملايين النساء، خاصة في  المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الطبية أو ارتفاع تكاليف الفحوصات التقليدية.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by رام الله الاخباري (@ramallahnews)

من مخيم الفوار إلى المنصات العالمية

وُلدت فكرة المشروع في بيئة بعيدة عن المختبرات المتطورة أو مراكز الأبحاث الكبرى، إذ تنتمي الشوابكة إلى مخيم الفوار جنوب الخليل، وهو واحد من المخيمات الفلسطينية التي تعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة. لكن هذه البيئة لم تمنعها من تطوير شغفها بالعلم والتكنولوجيا، بل دفعتها للبحث عن حلول عملية لمشكلات واقعية تمس حياة الناس بشكل مباشر.

درست الشوابكة في الفرع العلمي وحققت معدل 97 في الثانوية العامة، قبل أن تلتحق بالكلية الجامعية للعلوم التربوية  لدراسة اللغة الإنكليزية، بالتوازي مع استمرار اهتمامها بالبحث العلمي والابتكار. وخلال سنوات قليلة، تمكّنت من المشاركة في عدد من البرامج والمسابقات الدولية التي تعنى بالعلوم والتكنولوجيا، ما أتاح لها الاحتكاك بتجارب عالمية متقدّمة في مجالات الابتكار الطبي والتقني.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by نابلس أجمل (@nablus.agmal)

 وشاركت الشوابكة في برنامج “Tech Talent”، كما زارت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" ضمن نشاطات علمية دولية، وحقّقت حضوراً لافتاً في معرض “ISEF” العالمي، أحد أبرز المعارض الدولية للعلوم والهندسة، حيث حصلت على المركز الأول عالمياً في الجوائز الخاصة، إلى جانب المركز الثالث في الجوائز الكبرى. كما نالت جائزة الشيخة فادية بنت سعد الصباح، وشاركت متحدّثة على منصة TEDx، وهو ما منح مشروعها مزيداً من الاهتمام والانتشار.

"افحصي نفسك بنفسك"

توضح الشوابكة أنّ مشروعها يقوم على تطوير جهاز يساعد النساء على إجراء فحص ذاتي مبكر للكشف عن سرطان الثدي بطريقة مبسّطة وغير جراحية، بعيداً عن التعقيدات المرتبطة بالفحوصات الطبية التقليدية أو التعرّض للإشعاع.

وتقول إنّ الجهاز عبارة عن أداة توضع على الثدي، بحيث تستشعر وجود الكتل غير الطبيعية، وتعمل على التمييز بين الكتل السرطانية وغير السرطانية، وهو ما يمكن أن يساعد النساء على اكتشاف المؤشرات المبكرة للإصابة قبل وصول المرض إلى مراحل متقدّمة.

وتؤكّد أنّ أهمية الجهاز لا تقتصر على سهولة استخدامه، بل تمتد إلى كونه منخفض التكلفة مقارنة بالفحوصات التقليدية، ما يجعله مناسباً لشريحة واسعة من النساء، خاصة في المجتمعات الفقيرة أو المناطق التي تفتقر إلى مراكز طبية متخصصة.

  • التمييز بين الكتل السرطانية وغير السرطانية
    التمييز بين الكتل السرطانية وغير السرطانية

كما تشير إلى أنّ الجهاز قد يكون مفيداً بشكلٍ خاص للنساء الحوامل اللواتي لا يستطعن الخضوع لبعض أنواع الفحوصات الإشعاعية، إضافة إلى النساء اللواتي يتجنّبن الفحص بسبب الكلفة أو الخوف أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية.

وترى الشوابكة أنّ الهدف الأساسي من مشروعها هو تحويل الكشف المبكر من إجراء معقّد ومكلف إلى عادة صحية بسيطة يمكن أن تمارسها المرأة بنفسها داخل المنزل، بما يرفع من فرص اكتشاف المرض مبكراً ويزيد من احتمالات العلاج والنجاة.

براءة اختراع… وطريق طويل

في عام 2022 حصلت الشوابكة على براءة اختراع فلسطينية عن مشروعها، وهو إنجاز يُعدّ استثنائياً لشابة في هذا العمر، لكنه لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته فقط.

فالحصول على براءة اختراع لا يعني بالضرورة تحوّل الفكرة إلى منتج طبي جاهز للاستخدام، إذ يحتاج المشروع إلى مراحل طويلة من التطوير التقني والتجارب المخبرية والفحوصات الطبية والاعتمادات الرسمية قبل أن يصبح جهازاً معتمداً داخل الأسواق أو المؤسسات الصحية.

  • الجهاز الطبي المبتكر لكشف سرطان الثدي المبكر
    الجهاز الطبي المبتكر لكشف سرطان الثدي المبكر

وتقول الشوابكة إنّ التحدّي الأكبر الذي تواجهه اليوم يتمثّل في غياب الجهات الداعمة القادرة على تبنّي المشروع وتمويله، سواء على المستوى المحلي أو العربي أو الدولي. فالمشروع يحتاج إلى شركات متخصصة ومؤسسات بحثية قادرة على تحويل النموذج الأولي إلى منتج متكامل يخضع للمعايير الطبية العالمية.

وتضيف أنّ الكثير من الأفكار الواعدة في العالم العربي تتوقّف عند حدود المسابقات والجوائز بسبب نقص التمويل وضعف البيئة الداعمة للبحث العلمي، وهو ما يجعل العديد من الابتكارات غير قادرة على الوصول إلى مرحلة التصنيع أو التسويق.

دعم عائلي وإيمان بالفكرة

يقف والدها محمد الشوابكة إلى جانبها بوصفه أحد أكثر المؤمنين بقدرتها على تحويل هذا الابتكار إلى مشروع عالمي. ويؤكد أنّ ابنته استطاعت، رغم صغر سنها، أن تطرح فكرة يمكن أن تخدم النساء في مختلف أنحاء العالم، خاصة إذا حصلت على الدعم المناسب.

ويقول إنّ تصنيع الجهاز لا يحتاج إلى تقنيات مستحيلة، بل إلى تبنٍ حقيقي من شركات أو مؤسسات تؤمن بأهمية الابتكار الطبي، مشيراً إلى أنّ المشروع يمكن إنتاجه بتكاليف منخفضة نسبياً مقارنة بالكثير من الأجهزة الطبية المستخدمة حالياً.

ويرى أنّ قصة ابنته تمثّل نموذجاً للشباب الفلسطيني القادر على الإبداع رغم الظروف السياسية والاقتصادية المعقّدة، مؤكداً أنّ البيئة الصعبة لا تمنع وجود العقول المتميزة، لكنها تحتاج فقط إلى فرصة حقيقية للانطلاق.

اهتمام أكاديمي بالمشروع

الابتكار الذي قدّمته الشوابكة لم يلفت انتباه المؤسسات الطلابية فقط، بل حظي أيضاً باهتمام أكاديميين ومختصين في المجال العلمي.

وقال الأستاذ في كلية سانت بطرسبرغ تشاد مارين إنّ الجهاز يمثّل وسيلة مهمة تساعد النساء على متابعة صحتهن من المنزل، خاصة أنّ الكشف المبكر عن سرطان الثدي يعدّ عاملاً أساسياً في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة.

  •  الشوابكة: الابتكار الذي حمل اسم
    الشوابكة: الابتكار الذي حمل اسم "افحصي نفسك بنفسك" لا يقتصر على كونه مشروعاً علمياً، بل يلامس قضية صحية عالمية

وأضاف أنّ إزالة عوائق التكلفة والخوف من الإشعاع قد يشجّع النساء على إجراء الفحوصات بشكل أكثر انتظاماً مقارنة بالطرق التقليدية، معتبراً أنّ استخدام مواد منخفضة التكلفة يمنح المشروع بعداً عملياً وإنسانياً مهماً.

ووصف مارين ما حقّقته الشوابكة بأنه "أمر مذهل"، مشيراً إلى أنّ من النادر أن تتمكّن طالبة في هذا العمر من الانتقال من مجرّد تصوّر فكرة إلى تسجيل براءة اختراع لنموذج أولي ناجح يعالج قضية صحية عالمية.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by رام الله الاخباري (@ramallahnews)

الابتكار الطبي في فلسطين

قصة إسراء الشوابكة تعكس جانباً مختلفاً من الواقع الفلسطيني، بعيداً عن الصورة المرتبطة فقط بالصراع والأزمات السياسية. فهي تكشف عن وجود طاقات شبابية تحاول الدخول إلى مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار رغم محدودية الإمكانات.

لكن هذه الطاقات تصطدم غالباً بضعف التمويل وغياب الحاضنات التكنولوجية المتخصصة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المختبرات المتقدمة وشبكات التصنيع العالمية، ما يجعل الكثير من المشاريع الواعدة مهدّدة بالتوقّف قبل أن ترى النور.

ويؤكد مختصون أنّ دعم الابتكار الطبي لا يمثّل مجرّد استثمار اقتصادي، بل هو استثمار في الأمن الصحي والمعرفي، خاصة في ظلّ التحدّيات الصحية العالمية المتزايدة والحاجة إلى حلول أقل تكلفة وأكثر سهولة في الوصول.

حلم لم يكتمل بعد

ورغم الجوائز الدولية وبراءة الاختراع والاهتمام الإعلامي، لا تزال إسراء الشوابكة ترى أنّ مشروعها في بدايته فقط. فالحلم الحقيقي بالنسبة لها ليس الحصول على التكريمات، بل رؤية جهازها مستخدماً في المستشفيات والمنازل، ومساهمته في إنقاذ حياة النساء عبر الكشف المبكر عن المرض.

وتأمل الشوابكة أن تجد جهة قادرة على احتضان المشروع وتطويره علمياً وصناعياً، بما يسمح بتحويله إلى منتج طبي معتمد يمكن الاستفادة منه في فلسطين والعالم.

في النهاية، تبدو قصة الشابة الفلسطينية رسالة مختلفة تقول إنّ الابتكار لا يولد فقط داخل الشركات العملاقة والمختبرات الضخمة، بل يمكن أن يبدأ أيضاً من مخيم صغير، ومن فكرة حملتها طالبة آمنت بأنّ العلم قادر على منح الناس فرصة إضافية للحياة.