مؤسِّسة ورئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني
وداد حلواني، مؤسِّسة ورئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، تتحدّث للشاعر والإعلامي زاهي وهبي عمّا يعنيه أن ينتظر الإنسانُ شخصاً لا يعود، وكيف دفعت النساء ثمن حروب الرجال، فيما يبقى سؤال مصائر المفقودين معلّقاً في بلدٍ يتجنّب منذ عقود مواجهة الحقيقة حول من فُقدوا خلال حربه الأهلية.
نص الحلقة
زاهي وهبي: مساء الخير.
من قلب غياب طال أربعة عقودٍ متتالية، ترفع صوتًا لا يكلّ ولا يملّ. من حضن الفقدان تشعل شمعة أمل، عاشقة لا يذبل قلبها، وناشطة حوّلت ألمها الشخصي إلى قضية إنسانية تهزّ ضمير العالم.
سيّدة لا تنتظر زوجها فحسب، بل تنتظر العدالة والحقيقة. حملت ذاكرتها الشخصية فصنعت منها ذاكرة جماعية، وسطّرت في كتابها "ذاكرة ليست تمضي" ما لم تقله من قبل.
لنصغي معًا إلى قصة حب تتحدّى الزمن، وإرادة ترفض الاستسلام، لنصغي معًا إلى صوت المفقودين وضميرٍ حيّ لا يكفّ عن السؤال: أين هم؟ مسك الكلام مع السيّدة وداد حلواني. أهلًا وسهلًا، شرّفتِنا.
وداد حلواني: أهلًا فيك.
زاهي وهبي: لو رجعنا بالزمن، أكثر من أربعة عقودٍ إلى الوراء، إلى يوم 24 أيلول/ سبتمبر 1982، يوم خُطف زوجك السيّد عدنان حلواني، المناضل المعروف آنذاك. كيف تصفين مشاعر تلك اللحظة؟
وداد حلواني: لحظة الخطف، كيف أصفها؟ حصلت هزّة، كارثة. لم أكن، لا أنا ولا هو، متوقّعين أن يُخطف، أو حتى أن يحصل خطف أصلًا. وقتها حصل الأمر فجأة، لأنهم جاؤوا وخطفوه من البيت، من البيت مباشرة. لم يكن هناك أي توقّع. في البداية تفاجأنا، وقالوا لنا إنّ الموضوع يتعلّق بالسيارة وتحقيقٍ صغير وهكذا. لكن حتّى طريقة أخذه من البيت، وأساسًا لم يكن صاحب هذه السيارة، وكلّ شيء حصل فجأة. أحسست كأنني صرت واقفة على قدمٍ واحدة، وقلت في نفسي: سيعود بعد قليل. ثم تذكّرتُ أن هناك طفلين، فيتحتم عليك.
زاهي وهبي: أن تبقي واقفة، متماسكة.
هل قلبك أو حدسك في تلك اللحظة قالا لك إنّ الغياب قد يطول كلّ هذا الزمن؟
وداد حلواني: أبدًا، أبدًا، أبدًا. كنتُ أنتظر الدقائق الخمس التي قالوا لي عنها، وبدأت أعدّ: خمس دقائق وراء خمس دقائق. طبعًا لم أبقِ جالسة في البيت؛ لأنّ منزلنا كان قريبًا جدًا من المحكمة العسكرية، من مركز الاستقصاء في رأس النبع، فذهبت مباشرة إلى هناك، لأنّي لم أستطع الجلوس. قلت ربما يأتي فأعود إلى البيت. لم يأتِ، عدتُ إلى المنزل، لم أستطع البقاء، فرحت إلى مكانٍ آخر. كنتُ في ذلك اليوم كلّه أعمل بنظام "خمس دقائق": أنتقل من مكان إلى آخر. إلى أن وصلنا إلى الليل، وكان القلق الحقيقي قد بدأ. في تلك اللحظة بدأتُ أدرك أنّ عدنان غير موجود في البيت، وأنّه غاب فعلًا. أظلم البيت عليّ. دخلتُ غرفة النوم لأحاول أن أنام، طبعًا لم أنم تلك الليلة، لكنها كانت أوّل مرّة في حياتي أكون في بيتنا وحدي، باستثناء الأوقات التي أكون فيها خارج البيت أو عند أهلي. كانت كارثة حقيقيّة حصلت.
زاهي وهبي: بعد كلّ هذه السنوات، أكثر من أربعين سنة، نتحدّث عن ثلاثةٍ وأربعين عامًا، هل بانَت لك أسباب خطف عدنان حلواني والجهة التي قامت بهذا الأمر؟
وداد حلواني: يا أستاذ زاهي، لا أعرف. أنا أكبر منك سنًّا، لا أعرف كم كان عمرك خلال الحرب.
زاهي وهبي: كنت في بداية المراهقة أو قبل قليل.
وداد حلواني: حسنًا. كنا في زمنٍ منفلت أمنيًا على كلّ الصعد.
زاهي وهبي: هذا بعد اجتياح بيروت.
وداد حلواني: حصل اقتتال داخلي، أحزاب وميليشيات لبنانية تقتل بعضها، وبينهما اجتياح إسرائيلي. في ذلك الوقت كانت إسرائيل قد انسحبت من بيروت، واستلم الجيش اللبناني آنذاك. وحين ذهبتُ إلى المحكمة العسكرية لأرى إن كان هناك، عدتُ لأجد عناصر الجيش قد بدأوا يفتّشون عن سلاح ومسلّحين وما إلى ذلك. كان الجيش قد انتشر في المنطقة. أريد أن أقول شيئًا أذكّر به الناس في الحرب: كنا نقف على الطرقات لأنهم خطفوا أهلنا خلال الحرب. تقريبًا غالبية الميليشيات التي كانت تقاتل، والأحزاب التي كانت تقاتل، كانت لها امتدادات داخل الأجهزة الأمنية. كان هناك لواء كذا تابع لهذه المنظمة أو تلك، فلا يعود الإنسان يعرف من المسؤول. خصوصًا أنّهم جاؤوا وأخذوه ببطاقاتٍ رسميّة باسم عدنان، فلم يكن بإمكانك أن تشكّ بسهولة. وبرأيي وما توصّلتُ إليه، تقول إنّ مخابرات الجيش هي التي أخذته.
زاهي وهبي: لأسبابٍ سياسية، كونه ينتمي إلى الحركة الوطنية اللبنانية، وكان في المكتب السياسي لمنظمة العمل الشيوعي.
وداد حلواني: صحيح.
زاهي وهبي: الانتظار بحدّ ذاته مرهق. الإنسان عندما يكون لديه موعد، إذا تأخّر الآخر خمس دقائق أو نصف ساعة، يبقى على أعصابه كما يُقال. فكيف تصفين انتظار أربعين سنة وأكثر؟ ماذا تعني لك كلمة "الانتظار"؟
وداد حلواني: هذه... الله لا يُذيقها لأحد. أصعب شيء في الحياة أن تنتظر شخصًا يأتي ولا يأتي، وتبقى على هذا الانتظار ولا يأتي. هذا من أصعب الأمور. والأصعب أنّك تنتظره لأنّ هذا الشخص لم يمت. لم يكن مريضًا ثم مات.
زاهي وهبي: الميت نعرف مصيره.
وداد حلواني: نُسلّم بأنّ المرض حصل، وأنّ مشيئة الله اقتضت، ونعرف أنّنا دفنّاه وأين يوجد قبره. أمّا أن تنتظر ولا تعرف، ولا يعود، فهذا صعب جدًا. ليس فقط ثلاثة وأربعين عامًا؛ من أول خمس دقائق تبدأ المعاناة. تتراكم الآلام وجعًا فوق وجع. أقسى وجع هو هذا الانتظار الذي لا نهاية له. وأنا أقول إنّني أنا وكل رفيقاتي اللواتي هنّ في وضعي: الأمهات، والزوجات، والأولاد الذين ينتظرون، نحن لسنا عائشين بالمعنى الحقيقي، نحن ننتظر. نقوم بأيّ عمل ثم نعود إلى حالة الانتظار. أتذكّر أمًّا كانت تضع "الطّرحَة" على الشبّاك انتظارًا لأولادها، لأنّهم سيعودون وهي تريد أن تراهم. مهما طالت السنين، إذا لم نعرف الحقيقة سنبقى ننتظر، ولا يمكن.
زاهي وهبي: وصفتِ نفسك بأنّك "زوجة مبتورة". عادةً هناك زوجة أرملة، زوجة مطلّقة، زوجة مهجورة، إلى آخر هذه الصفات. والله لا يُذيق أحدًا أيًّا منها. ما معنى هذا الشعور، أن تكون المرأة سيّدةً وزوجةً "مبتورة"؟ كأنّ شيئًا قُطع منها؟
وداد حلواني: نعم، مبتورة، خصوصًا في مجتمعنا الذكوري، ليست فقط زوجة مبتورة، بل إنّ وضعها غير محدّد: لا معروفة كزوجةٍ تعيش مع زوجها، ولا معروفة كأرملة، ولا معروفة كمطلّقة. هذا يزيد الضغوط عليها. في مجتمعنا الذكوري تزيد الضغوط، ويصبح هناك نوع من الاستغلال، فتتحوّل المرأة إلى ما يشبه السلعة. ينظرون إليها إمّا أنّها "أخت رجال" إذا وقفت على رجليها وقالت كلمتها، أو إذا أخطأت لا يُعترَف لها بما فعلته. لا يوجد اعتراف بأنّ المرأة هي التي خاضت هذا النضال، لا وداد ولا رفيقات وداد، بينما الرجال هم الذين خطفوا الرجال، وكلّ تبعات الحرب وقعت علينا نحن النساء: من بدءًا من خطف الرجال وصولًا إلى كلّ ما نعيشه الآن. عندما تقول إنّ المرأة مبتورة أو الزوجة مبتورة، فهذا حقيقي. وأنا أقولها، وأكيد كثيرون يعرفون هذا الأمر، وأنت تعرف يا أستاذ زاهي، وكل من يسمعنا يعرف: تعرّضنا لكلّ أشكال الترغيب، والتشهير، والتهديد، والتعنيف، وحتى العنف والتحرّش الجنسي، نتيجة هذه الوضعية الملتبسة.
زاهي وهبي: بهدف إسكاتكم حتى لا تطالبوا بمعرفة حقيقة المفقودين. والمفقودون من جهاتٍ مختلفة، ليس من جهةٍ سياسية واحدة، ولا من طائفةٍ واحدة، ولا من مذهبٍ واحد.
وداد حلواني: هم لبنانيون من كلّ الفئات اللبنانية. والحقيقة أنّ الشيء الذي نفتخر به كأهالي مفقودين أنّنا في بلد الطوائف استطعنا أن نشكّل "طائفةً موحّدة" من كلّ الطوائف، طائفة المفقودين وأهاليهم. وأريد أن أذكّر أنّنا جميعًا نتذكّر، من كان يعيش في بيروت، أنّها قُسِّمت إلى بيروت شرقية وبيروت غربية، كما قُسِّم كلّ لبنان. نحن في الحرب كنّا نلتقي على خطوط التماس. وحين انتهت الحرب التقينا مع أهالي المفقودين في "المنطقة الأخرى" كما كانوا يسمّونها، وأنا لا أحبّ هذا التعبير، لكن هذه كانت الحقيقة. فعلاً، الوجع يوحّد. الوجع هو الذي وحّدنا.
زاهي وهبي: ما الذي أسعفك أو ساعدك على أن تستمرّي كل هذه السنوات واقفةً على رجليك؟ سنتحدّث عن الولدين، كم كان عمرهما، زياد وغسّان، واليوم لديك أحفاد، الله يحفظهم. لكن ما الذي أعطاك هذه القوّة كي تستمرّي كلّ هذه العقود من الزمن، ولا تفقدي الأمل؟
وداد حلواني: أعتقد أنّ أول شيء هو حبّي لعدنان، في الدرجة الأولى. وفي الدرجة الثانية، طبعًا حبّي لزياد وغسّان، اللذين كانا صغيرين، ستّ سنوات وثلاث سنوات. ولم أستطع تحمّل الظلم. لا أحد يملك حقّ إنهاء حياة إنسان ويوميّاته هكذا، لأنّه خطر على باله أن ينهيها ويوقفها. هذا ظلم.
زاهي وهبي: راودتك لحظات ضعف؟ لحظات تقولين فيها: "دعني أُربّي أولادي، وما كتبه الله يحصل"؟
وداد حلواني: أكيد خطرت الفكرة، لكن لم أستطع. بعد شهرين تقريبًا من خطفه، وأنا أبحث عن عدنان، اكتشفت أنّ هناك أشخاصًا مثلي تمامًا. كنت أظنّ أن الظلم وقع عليّ وحدي، وعلى أولادي، وعلى أهل عدنان فقط. لكن عندما رأيت أمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ في وضعي نفسه، أدركت أنّ هذا الظلم يطال كثيرين دفعةً واحدة. كلّما أتذكّر هذا المشهد، أول لقاء مع الأمهات والزوجات والأخوات، أقول: ليس معقولًا أن يبلغ الظلم هذا الحدّ. لا أظنّ أنّ أيّ إنسان، ليس فقط أنا، يمكن أن يرى هذا الظلم ولا يتحرّك. لا يستطيع أن يجلس ويسكت. لا أظنّ أنّ هناك إنسانًا قادرًا على رؤية هذا الظلم ولا يفعل شيئًا.
زاهي وهبي: ذكرتِ في كتابك "ذاكرة ليست تمضي"، وأنا أنصح أيّ شخص يتابعنا هذه الليلة أن يقرأ هذا الكتاب، أنّك تحدّثتِ عن تجربتك الإنسانية الشخصية كزوجة وكأم، وأيضًا كناشطة في لجنة أهالي المفقودين. وذكرتِ مجموعة من الأمهات اللواتي رافقنك في هذه المسيرة، ذكرتهنّ بحب وبإعجاب، ووصفتِ بعضهنّ كأنهنّ أيقونات.
وداد حلواني: نعم، أستاذ زاهي. هذه أول تجربة لي في الكتابة. لستُ كاتبة، ولكن بيني وبين نفسي قلت: إذا ما أكتبه تحوّل فعلًا إلى كتاب، كما هو الآن بين أيدينا.
زاهي وهبي: مقدّمة الكتاب كتبها الصديق والكاتب الياس شارك، الصحافي والمناضل أيضًا.
وداد حلواني: بيني وبين نفسي قلت: إذا ما أكتبه تحوّل فعلًا إلى كتاب، كما هو الآن بين أيدينا، فإنّ أقلّ واجب عليّ أن أكتب عن نضال نساء المفقودين جميعًا. طبعًا لم أستطع أن أضيء على كلّ واحدة منهنّ، لكن فعلاً النضال الذي خاضته الأمهات، والزوجات، والأبناء، لا يُقدّر. هي حركة نسائية بامتياز، لأنّ غالبية المفقودين من الذكور، واللائي يفتّشن عنهم هنّ.
زاهي وهبي: أمهاتهم وزوجاتهم.
وداد حلواني: أكرّرها دائمًا: الرجال خطفوا الرجال، والنساء يبحثن عن الرجال.
زاهي وهبي: هل تشعرين أنّ وطأة المجتمع الذكوري تشتدّ على المرأة حتى في أزمنة الحرب والعذاب، مع أنّ الحرب تطال الجنسين معًا؟ الرجل لا يخلو أيضًا من الضغوط، لكن هل نصيب المرأة من الضغوط في الأزمنة الصعبة أكبر؟
وداد حلواني: أكيد، أكيد، لا شكّ.
زاهي وهبي: لذلك حضرتك ذكرت هؤلاء الأمهات، وأحببتِ أن توجّهي لهنّ تحية.
وداد حلواني: كلّ أمّ من هؤلاء الأمهات، وكلّ زوجة، تستحقّ، لا أريد أن أُبالغ، لكن تستحقّ فعلًا الإضاءة على مسيرتها وتحملّها وانتظارها وصعودها. لأنّه أيضًا من المعروف، والمهم أن نعرف، أنّهنّ لم يأتين من البيئة الاجتماعية نفسها، ولا من المستوى الثقافي نفسه، ولا من الانتماء الفكري أو الديني نفسه. ما جمعهنّ هو الوجع، ولكن أيضًا كلّ واحدة منهنّ خاضت نضالًا ذاتيًّا على المستوى الشخصي. السيدة التي لم تكن تخرج من البيت، وكانت معنيّة فقط بأمور البيت، تربية الأولاد والطبخ، وزوجها هو "ربّ البيت"، فجأة تجد نفسها تصل إلى مرحلة تضبط فيها أمورها وتخرج وتسير في المظاهرات وتطالب وتواجه المسؤول، ثم تعود إلى البيت لتربّي أولادها وتتابع حياتها. هذه لا أستطيع إلا أن أرفع لها القبعة.
زاهي وهبي: ما أصعب موقف مررتِ به أنتِ شخصيًا، أو مرّت بهنّ كامهاتٍ وزوجات مخطوفين، على المستوى الشخصي والمستوى الجماعي؟
وداد حلواني: حين تموت أمّ من الأمهات، أو تُقتل، إمّا بالانتظار والحسرة، أو بالعنف. مثلًا: "أم نبيل" التي تعرّضت لابتزازٍ قاسٍ.
زاهي وهبي: ذكرتِها في الكتاب.
وداد حلواني: صحيح، شخص بلا إنسانية، ونحن لم نعرف التفاصيل إلا بعد أن قُتلت، كان يساومها على رؤية ابنها مقابل المال. يعطيها أملًا أنّه سيُريها ابنها، ويأخذ منها المال، إلى أن وصلت لمرحلةٍ لم تعد قادرة على دفع المال، فقتلها. ماذا يمكن أن تكون ردّة فعلنا؟ أو مثل "نايفة نجّار"، أمّ علي حميدة، ابنها كان في الثالثة عشرة من عمره عندما خُطف. انتظرته تسعة أشهر، ومع كلّ الوساطات والبحث والنضال لم يرجع. تسعة أشهر من الانتظار القاتل، كأنه حمل بشكل مختلف، ثم وضعت حدًّا لحياتها. وهنا كنّا في حالة غضب وخوف، لم نكن نريد أن تنتقل هذه العدوى إلى باقي الأمهات، لكننا جميعًا عشنا حالة غضب شديدة، وقلنا: "لا، نايفة لم تنتحر، نايفة نُحرت"، لأنّ الظروف هي التي دفعتها إلى ذلك.
زاهي وهبي: للأسف أنه في قضايا إنسانية ونبيلة من هذا النوع، هناك دائمًا من يستغلّ مشاعر وعواطف الأمهات وحاجتهنّ لرؤية أبنائهنّ، فيبتزّهنّ، يعطيهنّ أوهامًا مقابل المال.
وداد حلواني: في المعيوش اليومي أيضًا: كيف تتعامل مع أطفالٍ فُقد أبوهم، ليس فقط غاب بل سُرق منهم؟ هل تقول لهم إنه سيعود؟ هل تحاول أن تُنسيهم إيّاه؟ كيف تجيب عن أسئلة الأولاد؟ في كلّ يوم كان هناك عشرون سؤالًا يطرحان عليّ من الأولاد، ولم يكن لديّ أي جواب.
زاهي وهبي: قلتِ لهم الحقيقة؟
وداد حلواني: لم يكن لديّ أيّ جواب.
زاهي وهبي: لكن متى قلت لهم الحقيقة، أن والدهم خطف،وأنّ هناك احتمالاً ألا يعود.
وداد حلواني: لم أضع هذا الاحتمال، لم أستطع. لاحقًا، عندما كبروا، عرف كلّ واحد بطريقته. الكبير عرف قبل الصغير، لكنّهما لم يعرفا في اللحظة نفسها. اكتشفنا في ما بعد أنّ زياد كان يعرف من خلال ابنٍ كان يأتي مع أمّه لأنّ أخاه مخطوف أيضًا، فأخبره شيئًا ما. زياد قال لي لاحقًا: "كنتُ أعرف، لكنّي كنت أقبل الأجوبة والهدايا التي تقولينها لي لأحميك أنتِ أيضًا". كأنّه هو أيضًا كان يحاول أن يحميني من الحقيقة القاسية.
زاهي وهبي: أهديتِ الكتاب للأحفاد، وذكرتِ الأحفاد، كأنّك تحاولين أن تقولي شيئًا ما لهذا الجيل الجديد، أن تخبريه بما حصل، لأنّ كثيرًا من الأجيال الجديدة، في ظلّ الانقسام السياسي والطائفي اليوم، تستسهل الحديث عن الحرب وعن عودتها، مع أنّ الحرب لم تنتهِ فعليًّا، بل أخذت أشكالًا مختلفة.
وداد حلواني: الحقيقة هذا مهمّ جدًا، وأريد هنا أيضًا أن أحيّي نضال أمهات المفقودين، لأنّ نضالهنّ تحوّل، إلى حدٍّ ما، من نضالٍ مطلبي إلى نضالٍ وطني. صارت وجهتهنّ توعية الجيل الجديد على رفض الحرب وعدم الانجرار إلى تكرارها. هذا من أهم ما قمنا به. ما فعلناه في الذكرى الأربعين للجنة الأهلي أنّنا أعددنا "خطًّا زمنيًا": مسار لجنة الأهالي على مدى أربعين سنة، ما هي المحطّات الأساسية التي مررنا بها، ما الذي كنّا نطالب به وكيف كان الردّ الرسمي، وكيف تمّ التعاطي معنا. هذا المعرض صار معرضًا دائمًا في "بيت بيروت". الآن عمرنا 43 سنة كنضال.
ما أريد قوله ردًّا على سؤالك أنّ تلاميذ مدارس يأتون مع أساتذتهم، وطلاب جامعات يأتون مع أساتذتهم، نُسلّمهم طريقة قراءة هذا الخطّ الزمني: من سنة 1982، خلال الحرب، ثم فترة ما بعد الحرب، ففترة السعي نحو القانون، والآن ما بعد القانون. يقرؤون، ثم نقوم بمحطّة نقاش. في إحدى المرّات، شاب من الجامعة، خلال النقاش، قال إنّه يريد الاعتذار عن خاله، واكتشفنا أنّ خاله كان مقاتلًا في الحرب، وخطف وقتل. قلنا له: لا، كلّ واحد يتحمّل مسؤولية نفسه. ما يخرج به هؤلاء الشباب بعد الزيارة مهمّ جدًا؛ جيل لا يعرف شيئًا عن الحرب، وكأنّنا كنّا نُسلخ عن تاريخنا. ونحن دائمًا نقول: هذا جزء من تاريخ بلدنا، لا يجوز تجاهله.
زاهي وهبي: سأتابع معك، وسنتحدّث بالتأكيد عن لجنة أهالي المفقودين والقانون الذي أصبح موجودًا، ونأمل أن يُطبّق، فهذا هو الأهمّ. ولكن بعد استراحة سريعة نتابع "مسك الكلام" مع السيّدة وداد حلواني.
المحور الثاني
زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام، نتابع "مسك الكلام" مع السيّدة وداد حلواني، الناشطة والمدافعة عن حقّ أمهات وزوجات وأبناء وبنات المفقودين خلال الحرب اللبنانية المتعدّدة الفصول في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة، والتي أصدرت مؤخرًا كتابًا قيّمًا بعنوان "ذاكرة ليست تمضي"، ونذرت كلّ حياتها بعد خطف زوجها المناضل عدنان حلواني لأجل هذه القضية.
لفت نظري في الكتاب، وطبعًا مهمّ أن تكون هذه القضية موجودة في كتاب، وفي معرض، وفي مسرحية، ولكن الرسائل التي واصلتِ كتابتها لزوجك وحبيبك عدنان حلواني "أبو زياد"، رغم أنّه مخطوف وغير موجود، رسائل مؤثّرة تخبرينه فيها بكلّ ما يدور ويحدث معك، وكأنّ هذه الرسالة ستصل وسيقرؤها.
إلى أيّ حدّ شكّلت هذه الرسائل عاملًا مساعدًا لكِ، بمعنى تفريغ الشحنات العاطفية والنفسية؟
وداد حلواني: بالتأكيد كانت عاملًا مساعدًا. هي حالة تعيش فيها لحظة وصالٍ معه، تشعر أنّك تتكلم معه مباشرة. الأشياء التي كان من الممكن أن تفرحه، أن يعرف أنّ الأولاد كبُروا، وأنّ لديهم أولادًا، أو حتى ما يحصل في البلد: الأشياء الجميلة والأشياء القبيحة، وللأسف الكثير من الأشياء القبيحة. أشعر أنّه من خلال هذه الرسائل يعيش معنا، يتابع معنا.
زاهي وهبي: يلقّبك البعض بـ"أمّ المفقودين"، أو "وداد المفقودين"، أو "وداد المخطوفين والمفقودين"... هل تحسين أنّ هذا الأمر نوعٌ من التشريف، وسام يُعطى لك، أم عبء يُلقى على كتفيك؟
وداد حلواني: في محطّات معيّنة كان تشريفًا، ولكن في النهاية، وربما في فترات متباعدة، يصبح عبئًا. لأنّه أساسًا، لا وداد حلواني ولا أمّ محمد ولا غيرهما، لم تكن واحدة منّا تفكّر أنّها ستقضي كلّ هذه السنوات وهي تناضل. لم نكن نعرف أنّ هناك جبلًا من التحدّيات، غير الحرب، سيقف في وجهنا. لم نفكّر بهذا الشكل. ولكن حين تمشي وتصطدم، ثم تمشي وتصطدم، ومن هنا جاءت قصّة "النملة" التي تحفر في الصخر. كنتُ أقول دائمًا إنّنا مثل النملة: مهما كثرت العراقيل والعقبات، نكمل طريقنا. كلّ بضع سنوات كي نتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام. لم نفكّر أنّ الأمر سيطول إلى هذا الحدّ، لكن عندما يتحقّق أي إنجاز نقول: "قربنا، يجب أن نكمل"، فلا يعود بإمكاننا التراجع، ولا أن نقول "تعبنا ولن نكمل".
زاهي وهبي: بعد نضال 43 سنة، وصلتم إلى قانون يعطي الحقّ بمعرفة الحقيقة والعدالة في هذه القضية، بعد تلكّؤ الطبقة السياسية طويلًا. لماذا لا تريد هذه الطبقة السياسية أن تقول الحقيقة، أو لا تريدنا أن نصل إلى معرفة هذه الحقيقة؟
وداد حلواني: تريد أن تجرّني إلى السياسة.
زاهي وهبي: لا أريد أن أجرّك كثيرًا إلى السياسة، لكن هذا القانون سياسي بامتياز أيضًا.
وداد حلواني: سأجيبك بسرعة. عندما قالوا عام 1990، بعد "الطائف"، إنّ الحرب انتهت وبدأ السلم، نحن انتظرنا هذا السلم. قلنا: الحرب أخذتهم، السلم سيُعيدهم، لكن أحدًا لم يُرجِع أحدًا. وبالتالي، إلى اليوم لا نستطيع تسمية ما بعد الحرب "سلمًا"، بل "ما بعد الحرب". إذا كان كلّ الذين كانوا فاعلين في الحرب صاروا هم السلطة، وعفوا عن أنفسهم وأصبحوا السلطة، فهذه السلطة لم تكن لتُعطينا حقّنا لو لم نتابع نضالنا. انتزعنا القانون انتزاعًا، لم يُعطونا إيّاه طيب خاطر. ولا أريد أن أربح أحدًا منّة، ولا أن أشنّ حربًا على أحد، ولكن هذا حقّنا، وخرج القانون. القانون كُتب بالروحية التي يريدها أهالي المفقودين؛ نحن لسنا مشرّعين، لكن كتبناه بمساعدة أصدقاء مشرّعين وقضاة ومحامين. قلنا منذ البداية: نحن لا نريد محاسبة على ارتكابات الماضي، ليس من ضعف، بل لأنّنا لا نريد حربًا جديدة. نريد فقط الحقيقة. ببساطة: الحقيقة.
زاهي وهبي: الحقيقة من أجل ماذا؟
وداد حلواني: لهذا خرج القانون 105/2018 بهذه الروحية: لا حساب على الماضي، بل حساب على الحاضر. أيّ شخص يتنكّر لحقّ أهالي المفقودين في معرفة الحقيقة عن مصير أبنائهم يتحمّل مسؤوليته.
زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ الحقيقة مهمّة بالنسبة لكم؟ لماذا هي مهمّة إلى هذا الحدّ؟
وداد حلواني: بالتأكيد الحقيقة مهمّة. في النهاية، أتوقّف عن العيش في حالة التباس. لا أنا ولا غيري نبقى "ملتبسين"، على الأقل نخرج من حالة الانتظار القاتلة. إذا كان المفقود قد توفّي، فليُقل لنا ذلك بشكلٍ رسمي. عام 2000 صدر تقرير رسمي.
زاهي وهبي: هناك قضايا قانونية، هناك قضايا تتعلق بالرسمي.
وداد حلواني: عندما يصدر تقرير رسمي عام 2000 يقول إنّه لم يُعثر على أحياءٍ من المفقودين، ولكن عُثر على مقابر جماعية. نحن منذ قبل عام 2000 نصرخ ونقول إنّ هناك مقابر جماعية في لبنان. نعم، توجد مقابر جماعية في سوريا، ولكن لا ننسى أنّ التقرير الرسمي اللبناني قال إنّ هناك مقابر جماعية في لبنان أيضًا، فيها ناس قُتلوا ودُفنوا فيها. من حقّنا أن نحصل على رفاتهم، وأن تتمّ معاملتنا كما حصل في دول العالم التي تحترم شعوبها. هذه الدول فتّشت عن أبنائها في الحروب، وتعاملت مع المقابر الجماعية، واستخرجت الرفات، وتمّ التعرّف على الرفات وإعطاؤها لأهلها، ودفنها كما يجب. كلّنا نعرف أنّ "إكرام الميت دفنه".
زاهي وهبي: ما ردّك على الذين يقولون: لماذا تنكأون الجراح؟ لماذا تريدون أن تُفتح هذه المقابر وأن تُكتشَف، كأنّكم تعودون إلى الماضي وتفتحون دفاتر الحرب من جديد؟
وداد حلواني: أوّلًا، الجراح ما زالت تنزف، لم تندمل أصلاً. هذا واحد. ثانيًا، سأعطي مثلًا حقيقيًا حصل معنا قبل فترة قصيرة، في أيّار/ مايو الماضي، كانت هناك انتخابات بلدية. كان عندنا من رفاقنا المناضلين شخص يعتبر أن والده في السجون السورية، خُطف عام 1989. في عام 2025، أثناء تركيب اللوائح في الضيَع والمدن، حصل خلاف بين اثنين ينتميان إلى الحزب نفسه، فقال أحدهما للآخر: "لماذا نَزَل اسمك أنت على اللائحة وليس اسمي؟ أنا أحقّ منك. أنت خطفت فلانًا وقتلته". تبيّن أن هذا الشخص الذي اعتبرناه مخطوفًا في سوريا، خُطف وقُتل في ضيعته.
زاهي وهبي: وعلى يد ابن ضيعته.
وداد حلواني: بعد 36 سنة عَرفت العائلة الحقيقة. عندما عرفت التفاصيل، سامحوا. لم ينكأوا الجراح، لم يأخذوا بالثأر كما تخبرنا الدولة تاريخيًا أنّنا إذا عرفنا سننتقم. بالعكس، سمّوا شارعًا في البلدة باسم هذا القتيل المفقود. لم تحصل حربٌ أهلية في البلدة. إذًا، الحقيقة لا تنكأ الجراح، بل تفتح بابًا للمسامحة. بعد 25 أو 36 سنة، الناس تصبح قادرة على أن تسامح، إذا عرفت الحقيقة.
زاهي وهبي: هل لديكم عددٌ دقيق للمفقودين اللبنانيين على مختلف مراحل الحرب؟
وداد حلواني: الرقم الدقيق لا يوجد، لكن التقدير الرسمي الذي صدر عام 1992 يقول إنّ العدد 17 ألف مفقود. هذا تقدير رسمي، وليس إحصاءً علميًّا.
زاهي وهبي: ربما العدد أكبر.
وداد حلواني: قد يكون العدد أكبر أو أصغر. نحن كلجنة أهالي، لأنّنا بدأنا خلال الحرب، لدينا حوالي ثلاثة آلاف وشوي من الملفات.
زاهي وهبي: أليس من حقّ 3000 عائلة على الأقل أن تعرف الحقيقة عن مصير أبنائها؟
بفضل نضالك ونضال الأمهات والزوجات وأهالي المفقودين جميعًا، صارت هذه القضية حاضرة في الإعلام، حاضرة في معرضٍ في "بيت بيروت" على السوديكو، حاضرة في كتابك القيّم الذي أنصح الجميع بقراءته، صادر عن دار الساقي في بيروت، وحاضرة أيضًا في مسرحية للمخرجة المعروفة والمهمّة لينا أبيض بعنوان "وداد، النملة التي تحفر في الصخر".
ما مشاعرك وأفكارك عندما رأيتِ تجربتك الشخصية على خشبة المسرح؟ وإلى أيّ حدّ للفنّ والثقافة دورٌ في تسليط الضوء على هذه القضية؟
وداد حلواني: الحقيقة، ما تقوله صحيح جدًّا، ليس لأنّ المسرحية عن "وداد"، ولا لأنّي أنا الشخصية، بل لأنّها توصل القضية بشكلٍ أسرع بكثير من أيّ بيان أو خطاب سياسي أو مؤتمر صحافي، وتصل إلى الجيل الذي لا يعرف شيئًا عن الحرب. وهذا أهمّ شيء. بعد كلّ عرضٍ للمسرحية، يحصل نقاش. أضطرّ أن أكون في كلّ العروض، لأجيب عن أسئلة الناس واستفساراتهم. يخرج كثيرون وهم يقولون: "مش معقول، ما كنّا نعرف شيئًا". وستدور المسرحية لاحقًا على عددٍ من المدارس والجامعات في بيروت وخارجها.
زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ مهمّ أن يكون للفنانين والأدباء والشعراء دور في تسليط الضوء على هذه القضية؟ هل أخذت حقّها في هذا المجال؟ في الحروب العالمية، كالحرب العالمية الثانية أو حرب فيتنام، نعرف كم من الأفلام والروايات والقصص كُتبت عن التجارب الإنسانية المأساوية. بينما الحرب اللبنانية، أو في الحروب اللبنانية، كُتبت أشياء، لكنّني برأيي الشخصي لا نزال مقصّرين كثيرًا.
وداد حلواني: حسنًا، أنت أحد أركان البيت الثقافي والأدبي.
زاهي وهبي: طبعًا لا أعفي نفسي. لو قدّر لك أن تكتبي أو توجّهي كلمة لمعشر الكتّاب والمثقفين.
وداد حلواني: صحيح. هناك بعض الأفلام الوثائقية التي أُنجزت عن الموضوع، مثلاً: جون شمعون، بهيج حجيج، ليليان… وغيرهم أنجزوا أفلامًا وثائقية عن المفقودين. في الأدب، أظنّ أنّ هناك أعمالًا تطرّقت إلى الموضوع ضمن سياق الحديث عن فترات الحرب، لكن ليس بشكلٍ مركّز دائمًا على قضية المفقودين. لا أريد أن أوجّه الناس، ولكنّي من الذين يعتبرون أنّ هذه القضايا، مثل قضية المفقودين، وسائر القضايا الكبرى، مهمّة جدًا في الفن والأدب والثقافة. لأنّنا بذلك نساهم فعلاً في التوعية، ونساهم في الدفع إلى الأمام، خصوصًا في بلد مثل بلدنا. كيف ستعود هذه الدولة دولةً حقيقية إذا وضعنا كلّ شيء وراء ظهرنا ولم نواجهه؟ انظر أين وصلنا عندما حاولوا طمس كلّ شيء.
زاهي وهبي: لهذا السبب سمّيتِ الكتاب "ذاكرة ليست تمضي"؟ بمعنى أنّ هذه الذاكرة مستحيل أن تُدفن أو تُردم أو تُنسى؟
وداد حلواني: نعم. "ليست تمضي" قبل أن نعرف، قبل أن يُكشف مصير كلّ مفقود. هناك جانب مهم أيضًا، ذكرتها أنت، وسأعيدها، كتبتُ أيضًا من أجل الذاكرة الجماعية. وإذا استطعت يومًا أن أكتب الكتاب الثاني عن النضال الطويل لأهالي المفقودين، لن أقصّر. هذا ليس لكي نقول إنّنا بطلات أو أقوياء، بل لنقول للناس: انتبهوا، ما الذي حصل، وكيف تصرّف المسؤولون، وأوعوا أحدًا يُعيد تكرار هذه المأساة. لأنّه إذا لم نعرف، سنكرّر. للأسف سنكرّر.
زاهي وهبي: يا ترى لو رجع عدنان حلواني بعد كلّ هذا الغياب، ما أوّل شيء تفعلينه؟
وداد حلواني: بالتأكيد سأعانقه، أضمه. أريد أن أرى كم مرّ الزمن عليه كما مرّ علينا. هل مرّت عليه السنوات مثلنا، أكثر أم أقلّ؟
زاهي وهبي: ما أجمل ما في هذا الرجل، هذا الزوج الذي لم يُنسَ رغم كلّ ما مرّ عليكِ، ورغم ثلاثةٍ وأربعين سنة، ما زلتِ حين تتحدّثين عنه يضيء وجهك، وكأنّك في حالة عشقٍ لرجلٍ غائب.
وداد حلواني: كان حبيبًا وشريكًا حقيقيًا، كان حبيبًا وشريكًا وصديقًا وزوجًا حقيقيًا. هذا ما كانه عدنان بالنسبة لي.
زاهي وهبي: لو تسنّى لكِ أن تقولي له شيئًا لم تقوليْه من قبل، ماذا تقولين؟
وداد حلواني: لا أعرف ماذا يمكن أن أقول له غير أنّني ما زلت أحبّك. لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك.
زاهي وهبي: هل راودتك أفكار من نوع: لماذا أنا؟ لو أنّني اخترت رجلًا آخر، ربما بعيدًا عن السياسة وعن النضال؟
وداد حلواني: أنا تعرّفت على عدنان في ساحة النضال. تعارفنا في الجامعة، كنا نخوض انتخابات في اتحاد طلابي ومجلس فرع، إلى آخره. أحيانًا أفكّر: هل كنّا سنستمرّ كلّ هذه السنين معًا لو لم يُخطف؟ أرى "الكوبلات" حولي وكيف تمرّ بهم السنوات. ثمّ أستبعد هذه الفكرة كثيرًا، لأنّني أحبّه هكذا، وأستبعد فكرة أنّه لم يكن قدرنا أن نكون معًا. لا أريد أن أخوض كثيرًا في "لو".
زاهي وهبي: لو كان موجودًا عدنان، لم يُخطف، وما يمثّله كابن جيلٍ من المناضلين الذين ينتمي إليهم، وأنتِ أيضًا تنتمين إلى هذا الجيل، إلى أيّ حدّ كان يمكن أن يعيش انكسار الأحلام وخيبات الأمل؟ كلّنا حلمنا بوطنٍ مختلف، بنظامٍ غير طائفي، ببلدٍ لا يقع أسير المحاصصات بكلّ أنواعها. هل تشعرين بخيبة، بخذلان ما، ليس على المستوى الشخصي بل على المستوى الجماعي؟
وداد حلواني: أكيد، أكيد. هناك أسى كبير. ولكن في الوقت نفسه لا أقول: "يا ريت ما عملت شيئًا". لو قلنا هذا، فلن يعود أحدٌ يعمل شيئًا في هذا البلد. لا بدّ من الفعل، حتّى لو أصابنا الإحباط أحيانًا، لكن لا نتراجع عن قناعاتنا.
زاهي وهبي: اليوم لدينا 22 أسيرًا لبنانيًا في السجون الإسرائيلية من الحرب الأخيرة التي شُنّت علينا، وهناك آلاف الأسرى الفلسطينيين أيضًا في السجون. أُطلق سراح البعض منهم مؤخرًا في التبادل مع حركة حماس. كزوجة رجل مفقود، ولو أنّ الظروف مختلفة، ماذا تقولين لأمهات هؤلاء الأسرى، لزوجاتهم، لأبنائهم؟
وداد حلواني: لا تُبكِني، حفظك الله… لأنّه ليس فقط أهالي الأسرى، ما حصل في غزة، ما يحصل اليوم، لا يُحتمل. الإنسان وهو يأكل أو يعمل يسأل نفسه: "ماذا أفعل، وهؤلاء يموتون جماعات؟". ماذا أقول لهم؟ هناك فظائع، ما يحصل لا يصدّقه عقل. عائلة تذهب كلها سويّة، ويبقى لها ابنٌ أسير، وعندما يخرج يُقتل وهو عائد… ماذا أقول لأمّه؟ أنا أمامها أخرس. لا أستطيع أن أقول شيئًا. لا أحد يستطيع أن يقول شيئًا.
زاهي وهبي: الله يصبّر قلوبهم ويجمع شملهم.
وداد حلواني: ما حصل لا يُحاك بعقل. لذلك لا أستطيع اختراع كلامٍ يُقال لهم، لأنّه لن يفي، ولن يعبّر.
زاهي وهبي: ماذا تقولين لزياد وغسّان وأبنائهما، لأحفادك، على الهواء، أمام المشاهدين؟
وداد حلواني: أقول لهم إنّي أحبّهم كثيرًا، وربما حبّي لهم مضاعف، أكثر من العادي، لأنّه ربما يعبّر عن محاولة تعويض غياب الأب. أحبّهم كثيرًا كثيرًا، وأتمنّى لهم، للكبار والصغار، خصوصًا الصغار، أن يعيشوا حياة بلا حرب، وألّا يضطرّوا إلى الهجرة خارج لبنان. أتمنّى أن يعود لبنان وطنًا حقيقيًا، يتّسع لكلّ أولاده، ويستطيعون أن يعيشوا فيه بأمان، ويساهموا في نهضة هذا البلد.
زاهي وهبي: هل هناك شيء كنتِ تحبّين الحديث عنه ولم أسألك عنه؟
وداد حلواني: نعم، ربما أريد أن أتحدّث قليلًا عن القانون، لعلّ أحدًا من المسؤولين يسمعنا الآن. هذا القانون الذي ينصّ على حقّ كلّ عائلة بمعرفة مصير مفقودها، أهمّ ما فيه أنّه كرّس حقّ كلّ عائلة، فردًا فردًا، في هذا البلد، أن تعرف مصير مفقودها. وكما قلنا، لا يريد محاسبة على ارتكابات الماضي. بموجب هذا القانون، وبعد نضالٍ طويل، صدر المرسوم التطبيقي، وشُكّلت هيئة وطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا، مهمّتها تقصّي أثر المفقودين والكشف عن مصيرهم. وفقًا للقانون، ولايتها خمس سنوات. كنتُ أنا ممثّلة أهالي المفقودين في هذه الهيئة في الولاية الأولى. واجهنا كمًّا هائلًا من العراقيل. عملنا خمس سنوات بقدر ما استطعنا، بإمكانات شبه معدومة. لم تُعطَ الهيئة الحدّ الأدنى من المقوّمات التي ينصّ عليها القانون. ومع ذلك، وضعنا النظام الداخلي، والإدارة المالية، وأنجزنا كلّ ما هو مطلوب كأساس للعمل. الآن انتهت ولايتنا، وقلنا إنّنا لا نريد فراغًا. طالبنا كثيرًا بعدم ترك فراغ. اليوم هناك أعضاء جدد عُيّنوا وأدّوا قسم اليمين أمام رئيس الجمهورية. نتمنّى، بعدما تمنّينا لهم التوفيق، أن يعطي المسؤولون في هذا العهد الجديد، والرئيس، ورئيس الحكومة، والرئيس بري الذي عاش معنا هذه القضية وكان القانون قد خرج من مجلس النواب في عهده، أن يعطوا هذه الهيئة كلّ ما ينصّ عليه القانون من صلاحيات وإمكانات، حتّى تستطيع فعلاً أن تخطو خطوات حقيقية إلى الأمام، لا أن نحتاج مئة سنة كي نعرف الحقيقة.
زاهي وهبي: أضمّ صوتي إلى صوتكِ، سيّدة وداد حلواني، وأحييكِ من كلّ قلبي، ومن خلالكِ أحمل تحياتي لكلّ المناضلات، سواء في قضية المفقودين أو في كلّ القضايا التي تعنيكنّ كزوجاتٍ وأمهاتٍ ونساء في لبنان. المفقودون من كلّ الفئات، مهما كانت انتماءاتهم، من حقّ أهلهم أن يعرفوا مصيرهم. شرّفتِنا ونوّرتِنا.
وداد حلواني: شكرًا على استضافتك، شكرًا لك.
زاهي وهبي: شكرًا لفريق العمل، والشكر الأكبر دائمًا لمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأسبوع المقبل على خير بإذن الله.