لماذا يرتفع الطلب على المخدِّرات في الولايات المتحدة؟
في الحلقة الـ11 من "سؤال مشروع" نفتح ملف المخدرات في الولايات المتحدة. ونسأل: لماذا يرتفع الطلب على المخدرات في الولايات المتحدة رغم كل "الحروب" المعلنة عليها؟ في هذا الفيديو نغوص عميقاً في جذور أزمة تُعدّ الأخطر في التاريخ الأميركي الحديث، أزمة تجاوزت كونها ملفاً أمنياً أو اتهاماً لدول خارج الحدود، لتكشف عن خللٍ داخليٍ عميق في المجتمع والاقتصاد والسياسات العامة. نناقش بالأرقام والوقائع كيف تحوّلت الولايات المتحدة إلى أكبر سوق للمخدرات في العالم، ولماذا تجاوزت وفيات الجرعات الزائدة 100 ألف حالة سنوياً. لماذا يرتفع الطلب على المخدرات في الولاياتِ المتحدة؟ ولماذا تغرق المخدّرات الولايات المتحدة؟ وهي ما القصة الكاملة خلف الطلب الأميركي؟ فيديو تحليلي يضع الروايات السياسية جانباً، ويبحث عن الحقيقة حيث يجب أن تكون: في الداخل أولاً.
نص الحلقة
لماذا يرتفع الطلب على المخدرات في الولايات المتحدة؟
هل حقا هناك دول أجنبية "تسمم" الشعب الأميركي، كما قال الرئيس السابق دونالد ترامب؟ الجواب أكثر تعقيدا من الخطاب السياسي. الأرقام مرعبة: تجاوزت الوفيات بالجرعة الزائدة المئة ألف حالة سنويا في عامي ألفين واثنين وعشرين 2022 وألفين وثلاثة وعشرين 2023. هذه ليست مجرد إحصائيات؛ إنها حرب ولكنها في الداخل...
منذ أيلولسبتمبر الماضي، وواشنطن تشن الغارات وتقتل العشرات على قوارب صيد تعتبرها مشبوهة... الأمور تتجه للتصعيد... قالها الرئيس الأميركي صراحة إن الخطة الجديدة ستشمل "أهدافا برية" في أميركا اللاتينية.
ولكن السؤال المشروع الذي يجب أن يطرح لماذا يتعاطى الأميركيون المخدرات؟
قد يفضح هذا السؤال "الحلم المتبدد".... فالأزمة عميقة، وهي ليست وليدة اللحظة. هي انعكاس لـ "مرض" داخلي أصاب النسيج الاجتماعي والاقتصادي الأميركي.
الدراسات تصوب على العزلة الاجتماعية والوحدة كجرح صامت. بحسب تقرير نشرته الواشنطن بوست، خاص بالبالغين عن عمر خمسة وأربعين 45 وما فوق، بلغت نسبة الذين يشعرون بالوحدة نحو أربعين في المئة 40%، مقارنة بنحو خمسة وثلاثين في المئة 35% في سنوات سابقة... أي في السنوات التي لم يكن فيها ترامب رئيسا..
الأميركي يشعر باليأس. لقد تآكل "الحلم الأميركي" بسبب فقدان الوظائف وتدهور الفرص. المخدرات أصبحت "مخرجا مؤقتا" من الواقع المعيش. اليوم هناك بحدود سبعة ملايين عاطل عن العمل .. وهذا الرقم لا يشمل الأعمال الفردية أو الزراعية أو المنزلية أو غير المشمولة في الضمان الاجتماعي...
من من يبحثون عن مخرج مؤقت أيضا هم المحاربون القدامى والأشخاص الذين تعرضوا لصدمات نفسية (PTSD)خلال حروب أميركا التي لا تنتهي... يلجأ بعض هؤلاء إلى المواد الأفيونية كـ ترياق وهمي للألم المستمر. بحسب تقرير في عام ألفين وثلاثة وعشرين 2023... أكثر من مليونين ونصف المليون محارب في الولايات المتحدة يعانون من استخدام أو إدمان مواد المخدرة. ... ما يعني أن من بين كل مئة 100 محارب قديم، هناك نحو أربعة عشر 14 يعانون من استخدام أو إدمان هذه المواد.
من هو المتهم هنا إذا.... الإدارات الأميركية المتعاقبة وسياساتها التي لم تعالج جذور الأزمات المتراكمة. لا علاقة للأمر بمن هم "خارج الحدود".
شركات الأدوية!
الأخطر في القصة، هو أن الشرارة الأولى جاءت من الداخل، وبالتحديد من شركات الأدوية.
بدأت الأزمة عندما سوقت شركة أدوية عملاقة وهيperdue pharama مسكنات قوية (مثل أوكسيكودون) على أنها "غير مسببة للإدمان" وذلك من خلال وصفات الأطباء...
كان لهذا التسويق ثلاث نتائج على أقل تقدير:
النتيجة الأولى: ارتفعت وصفات المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة بشكل جنوني. فبين عامي ألف وتسعمئة وواحد وتسعين 1991 وألفين وأحد عشر 2011، ارتفعت وصفات المسكنات الموصوفة من نحو ستة وسبعين 76 مليونا إلى نحو مئتين وتسعة عشر 219 مليون وصفة طبية سنويا.
النتيجة الثانية وهي الأهم ... كانت أن ملايين الأميركيين أصبحوا مدمنين شرعيين على هذه الأدوية.
أما النتيجة الثالثة وهي بمثابة الكارثة فكانت مع التحول القاتل... عندما أصبحت الأدوية الموصوفة أغلى وأصعب، تحول المدمنون إلى البدائل الرخيصة والفتاكة: الهيروين ثم الفنتانيل الاصطناعي.
أين وكالة مكافحة المخدرات من كل هذا، وأين الرقابة الصحية التي تتغنى بختم FDA Approved .. في عام ألفين وستة عشر 2016 شرع الكونغرس قانونا مثيرا للجدل شل قدرة وكالة مكافحة المخدرات ... عبر منعها من تجميد أو تعليق التراخيص للموزعين الذين يشتبه في تحويلهم لكميات هائلة من الأدوية إلى السوق غير المشروع.
سوق الـ مئة 100 مليار دولار: من المستفيد؟
من المسفيد؟ مع وجود منظومة اجتماعية مستعدة للإدمان، تصبح السوق الأميركية هدفا أكيدا للكارتيلات.
تقدر القيمة الإجمالية للسوق غير المشروعة بما يتراوح بين مئة 100 مليار ومئة وخمسين 150 مليار دولار سنويا. هذا المبلغ الهائل يشجع على توسع شبكات التهريب الدولية.
الكارتيلات هي اللاعب الأكبر..... كارتيلات المخدرات المكسيكية هي القوة المهيمنة.
تسيطر على إنتاج وتهريب (الميثامفيتامين، الهيروين، والفنتانيل) المخدرات التي يتم تصنيع مكوناتها الأولية غالبا في الصين ثم يتم تجميعها في المكسيك... هذا ما تقوله المصادر الأميركية ... وهذا ما رفضته مكسيكو وبكين جملة وتفصيلا... ومع ذلك تقول المكسيك إن مكافحة المخدرات يجب أن تكون داخل إطار سيادتها الوطنية وليس عبر تدخل خارجي... أما الخارجية الصينية فتؤكد أن الاتهامات الأميركية بلا أساس... وهي ليست إلا ذريعة لفرض رسوم جمركية وضغوط تجارية...
في كل ملف المخدرات... لا يرد اسم فنزويلا كدولة إلا على لسان مسؤولي الإدارة الأميركية.... لا تقارير ولا تحقيقات تؤكد المزاعم الأميركية.... لذلك هناك من يقول "فتش عن النفط؟!"...
طرق التهريب!
ماذا عن طرق التهريب؟.... الحدود الجنوبية البرية هي الممر، لكن لا يتم التهريب كله عبر الصحاري... نسبة هائلة من البضائع تدخل عبر نقاط التفتيش القانونية وموانئ الشحن.... ومن هذه المحطة إلى العصابات المحلية داخل المدن الأميركية... هنا أيضا يعني أن الفساد هو أحد أوجه أزمة المخدرات في الولايات المتحدة ... فليكافح دونالد ترامب الفساد قبل أن يقتل الصيادين في البحر الكاريبي...
الحدود مجرد معبر لمرض داخلي
يتحدث عن تسميم الشعب الأميركي... ولكن الواقع يقول هناك عرض وطلب... وليس في الأمر إجبار...
إنها أزمة داخلية في المقام الأول... السياسات المتعاقبة والأزمات الاقتصادية والصحية والنفسية أنتجت سوقا متعطشة لجرعة النسيان. الحدود مجرد معبر يسهل إمداد هذه السوق القائمة بالفعل.
تعرف المنظومة الاجتماعية في الولايات المتحدة بأنها دائمة التوتر... تعلي من قيمة العنف... ترتفع فيها نسب الجريمة والعصاب النفسي... وهذه السكة هل التي قادتهم إلى المخدرات...
أما من هم خارج الحدود فهم مسؤولون بالتأكيد ولكن في المقام الأخير... وأي حرب تشن باسم الحرب على المخدرات لن تكون نتيجتها إلا مزيدا من المدمنين من الشعب الأميركي ... فأين الحكمة فيما يخطط له وعلى سكة التنفيذ....