بحيرات شمال لبنان: مواقع جمالية بين الإنسان والطبيعة
مواقع سياحية جميلة نشأت من تجمعات مياه في الشمال اللبناني، وتحوّلت مع الوقت إلى مقاصد سياحية، وبيئية، وترفيهية مختلفة.. فماذا نعرف عنها؟
-
بحيرات شمالية: مواقع جمالية بين الإنسان والطبيعة
بين جهود الطبيعة وجهود الإنسان، نشأت مواقع سياحية جميلة من تجمعات مياه في الشمال اللبناني، وتحوّلت مع الوقت إلى مقاصد سياحية، وبيئية، وترفيهية مختلفة، لكنّ بعضها يؤدّي دوراً اقتصادياً تنموياً وفق الخطة التي أعدت له مسبقاً، ومن هنا تختلف كل حالة عن الحالة الأخرى.
كلّ الحالات نشأت من عنصرين، طبيعة الأرض وتوافر المياه لها، من جهة، وإقامة سدود تتيح تجميع المياه، وتقنين تصريفها، والاستفادة منها، من جهة أخرى.
بحيرتا "النهر البارد"
أقدم المواقع الموجودة في الشمال هي بحيرتا النهر البارد، وهما سدّان واحد عالٍ وكبير الحجم، أنشأه الفرنسيون أربعينيات القرن الماضي للاستفادة من مياهه في الريّ، وأقيمت عليه في فترة لاحقة محطة لتوليد الكهرباء بواسطة المياه، والمحطة تعمل ثم تتوقف، ولا تلبث أن تعود للعمل، ولم يجرِ تطويرها بسبب الانهيار العام، ويمكن أن تغذي شبكة الكهرباء اللبنانية بطاقة مجانية في أصعب ظروف قطاع الكهرباء في لبنان.
أقيم السدّ على مجرى النهر البارد الذي تغذيه العديد من الينابيع على طريقه، وذوبان ثلوج جبال عكار التي تعلوه، ويبلغ ارتفاعه أكثر من 10 أمتار.
خلال استخدام مياهه لتوليد الطاقة، تخرج المياه من محطات التوليد متجهة إلى البحر، فارتأى الفرنسيون أن يقام سدّ ثانٍ يجمع هذه المياه، ويعيد إنتاج طاقة كهربائية أخرى، فكان السدّ الأصغر حجماً على مسافة ليست بعيدة عن السدّ الأول، وأقيمت عليه محطة لتوليد الكهرباء أيضاً.
البحيرة الكبرى الواقعة في نقطة أعلى من الاثنتين تحف بها وديان، ومروج واسعة، وبساتين فاكهة، وأحراج طبيعية، جعلت من الموقع مقصداً للسكان للترفيه، وصيد السمك، وأقيمت عليه بعض المنتجعات السياحية، أما البحيرة الثانية الأصغر حجماً، فتقع بين مشاريع زراعية، ومنها الكثير من مشاريع بيوت النايلون.
أقدم التجمعات المائية في الشمال
تعتبر بحيرة الكواشرة الواقعة في محافظة عكار ثاني أقدم التجمعات المائية في الشمال، فقد أنشئت سنة 1963، زمن المرحلة الشهابية التنموية.
اختير موقع السد في أرض منبسطة خفيفة الانحدار، وقد جرى تعميقها بالجرف، وتتغذى بمياه الأمطار إجمالاً، لذلك تتجمع مياهه شتاء، وتبلغ ارتفاعات عالية تكاد تفيض على الطريق العام.
استفاد مزارعو المنطقة من مياهه بداية، قبل أن يضاف إليه مشروع ريّ متطور بعد عشر سنوات لري الأراضي الأعلى مستوى، إذ كان يعمل على أقنية مقفلة تُضَخّ المياه فيها من خلال موتور ماء ضخم خصصت له غرفة لا تزال قائمة، وبئر تحتوي على خطي التغذية والضخ، ومنها تتغذى الأراضي المحيطة بالمياه للري.
لحقت أضرار في مجاري المياه المقفلة، ولم يجر تصليحها من جديد، فبقيت مياهه تروي الأراضي الخفيضة الواقعة بعد السد للجهة الغربية.
وبنتيجة جهود محلية، جرت الأعمال الآتية: جرف أرضية البحيرة من الترسبات، وإعادة المستوى الأساسي من العمق، وصيانة سدّي البحيرة، واضافة جوانات، وإنشاء حائط كامل في محيط أرض البحيرة مجهّز بدفاعات، وإنشاء ممرات من جهتي البحيرة للزوار المشاة. وكانت بلدية الكواشرة، واتحاد بلديات المنطقة، قد استأنفت بعض الأعمال بالتعاون مع جمعيات محلية بزراعة أشجار الصنوبر والكينا وسواها في القسم البري، ما جعل البحيرة منتجعاً سياحياً مميّزاً.
"بنشعي": مقصد سياحة واستجمام
مضى وقت طويل قبل أن تشهد المنطقة ولادة تجمّع جديد هو بحيرة بنشعي في قضاء زغرتا- الزاوية، أقامه الوزير اللبناني الأسبق سليمان فرنجية على مجرى مياه وذلك صيف 1998، طول السد 600 متر، وعرضه 200 متر، وعمقه 18 متراً، سعته تبلغ نحو 700 ألف متر مكعب من المياه.
تحوّلت البحيرة إلى مقصد سياحة واستجمام لمختلف المناطق اللبنانية، وأنشئت على حفافي البحيرة مطاعم ومقاهٍ مطلة على البحيرة، تقدّم مختلف متطلبات الجمهور، ومذاقاتهم.
ويعتبر موسم أعياد الميلاد ورأس السنة الأكثر كثافة وحيوية إذ تقام على طرف البحيرة شجرة ميلاد من الأكبر على مستوى لبنان، وتنار المحلة بالأنوار، فتجذب السكان من مختلف المناطق.
وعند الزاوية الشرقية من البحيرة، أقيم متحف بنشعي للحياة البرية (Bnachii Wildlife Museum)، ويعتبر من أكثر المعالم التعليمية والترفيهية تميزاً في المنطقة.
"بينو": بحيرة مياه الينابيع الطبيعية
في ممرّ على حافتي نهر فرعي في بلدة بينو العكارية، وادٍ تقليدي كان يعرف بوادي الأشقر، شهد مجداً غابراً عاشه أواسط القرن الماضي وما قبل وعرف بوادي العشّاق حيث كان شبان وفتيات يتزوّدون من مياه ينابيعه، ويقيمون عليه عصرونيات التبولة.
في الوادي المذكور، أقام نائب رئيس الحكومة الأسبق عصام فارس بحيرة اصطناعية من مياه الينابيع الطبيعية المجاورة، سعتها 75 ألف متر مكعب، يبلغ عمقها الأقصى 8 أمتار، وشقّت الطريق الواسعة حولها مع إنارة جميلة، ونباتات طبيعية مختلفة أضفت على المكان سحراً متجدّداً، يضفي على جمالها حركة الأسماك التي نمت فيها، ولجوء البط والأوز للشرب من مياهها، كما تستخدم مياهها لري بساتين البلدة.
أحيت البحيرة، المنطقة، وتحوّلت إلى مقصد للناس من مختلف المناطق والبلدات، تجتمع عليها العائلات لتشكّل نموذجاً لحياة وطنية جامعة، وتستضيف العديد من الأنشطة البيئية والترفيهية والسياحية المختلفة، وآخرها سباق الدراجات الهوائية أواخر الصيف.
"القموعة": حالات متحوّلة طوال العام
تشكّل سهلة القموعة الساحرة حالات متحوّلة طوال العام، ففي الشتاء تتحول إلى بساط أبيض دائم من الثلوج المتواصلة مع منحدرات الجبال التي تحف بها.
في الربيع، تذوب ثلوج الساحة، كذلك ثلوج الجبال المحيطة، وتصب في السهلة الفسيحة، فتتحوّل السهلة إلى بحيرة مياه تستمر حتى الصيف قبل أن تغور مياهها في الأرض لتغذي آلاف الينابيع في المحيط.



