"الذهب الأحمر" من بيت لاهيا إلى قلقيلية..
هذه النبتة الحمراء ذات الشكل واللون المميز، جعلت مدينة بيت لاهيا تسمى "مدينة الذهب الأحمر"، حيث تشتهر لوحدها عن باقي المدن الفلسطينية بزراعة الفراولة، وكانت تصدر سنوياً كميات كبيرة إلى الضفة الغربية وأوروبا وبعض البلدان العربية.
-
زراعة "الفراولة" الغزية تنجح في الضفة الغربية (الصورة: الأناضول)
بإرادة صلبة وخبرة تمتد لسنوات طويلة، نجح الشاب الفلسطيني شحدة زعرب في نقل تجربة زراعة الفراولة الغزاوية (الفريز - التوت الأرضي)، المعروفة بجودتها العالية، إلى مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية. زعرب الذي ينحدر من بلدة بيت لاهيا الشهيرة بـ"الذهب الأحمر"، استطاع تطويع التربة في قلقيلية لإنتاج محصول وفير وبطرق زراعية محسّنة.
بدأت الحكاية عندما وجد زعرب نفسه بعيداً عن عائلته في قطاع غزة بسبب العدوان في تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث كان يعمل لتأمين قوت أطفاله الـ 7. ومع استحالة العودة إلى القطاع في ظلّ الظروف الراهنة، قرّر استثمار مهارته التي ورثها عن آبائه وأجداده في استصلاح الأراضي بالضفة الغربية.
View this post on Instagram
بمساعدة المواطن أبو أحمد الدرني، الذي آمن بالفكرة وقدّم له قطعة أرض بمساحة دونمين، شرع زعرب في رحلة التحدّي. وقد استغرب المزارع الغزّي اعتماد الأسواق في الضفة الغربية على الفراولة المستوردة، معتبراً أنّ الأرض الفلسطينية أولى بإنتاجها.
نجاح واستنساخ أشتال للمزارعين
أثبتت التجربة نجاحاً باهراً منذ موسمها الأول، حيث تمكّن زعرب من إنتاج نوعية متميّزة من الفراولة تُعرف باسم 'توت المكتيرة'. وتتميّز هذه الثمار بحجمها الكبير، إذ يصل وزن الحبة الواحدة منها إلى نحو 40 غراماً، مما جعلها محط أنظار المزارعين والتجار في المنطقة.
لم يتوقّف طموح زعرب عند الزراعة فحسب، بل بدأ في استنساخ أشتال مثمرة ذات جودة عالية لتوزيعها على المزارعين المحليين.
وقد أنتج بالفعل نحو 1000 شتلة هذا العام، مع خطة طموحة للوصول إلى 100 ألف شتلة في المواسم المقبلة لتقليل الاعتماد على الأشتال المستوردة من الاحتلال.
كيف نستورد توتاً ونحن أرض التوت؟ قرّرت أن أزرع أرضي وأثبت أنّ الإرادة الفلسطينية قادرة على كسر التبعية للاحتلال.
وفي ظلّ القيود الإسرائيلية المشدّدة على إدخال الأسمدة الكيماوية، اعتمد زعرب بشكلٍ كامل على السماد العضوي الطبيعي. وأكّدت مصادر زراعية أنّ هذا التوجّه لا يحسّن جودة الثمار فحسب، بل يحافظ على صحة المستهلكين ويجعل المحصول يدوم لفترة أطول بحالة يانعة.
"السلة الغذائية" للفراولة
وتشير الأرقام التاريخية إلى أنّ قطاع غزة كان يمثّل السلة الغذائية الأساسية للفراولة، حيث كان يصدّر آلاف الأطنان سنوياً. ووفقاً لبيانات رسمية، فإنّ مساحة الأراضي المزروعة بالفراولة في غزة كانت تتجاوز 4300 دونم قبل الدمار الذي خلفّه العدوان.
تشتهر "بلدة بيت لاهيا بزراعة الفراولة، لخصوبة تربتها الطينية وعذوبة مياهها، إضافة لدفء جوها نسبياً خلال فصل الشتاء".
هذه النبتة الحمراء ذات الشكل واللون المميّزين، جعلت مدينة بيت لاهيا تسمى "مدينة الذهب الأحمر"، حيث تشتهر لوحدها عن باقي المدن الفلسطينية بزراعة الفراولة، وكانت تصدّر سنوياً كميات كبيرة إلى الضفة الغربية وأوروبا وبعض البلدان العربية.
وطُبعت مشاهد معلّقات الفراولة الحمراء في بيت لاهيا شمال القطاع في ذاكرة الأهالي، منذ صغرهم، ومنها "تلة العشّاق"، حيث تمتد مساحات من الفريز الجميل الطيّب المذاق بحباته الكبيرة المميزة.
شكل من أشكال المقاومة
خلف هذا النجاح المهني، يعيش زعرب مأساة إنسانية عميقة، حيث فقد أكثر من 170 فرداً من عائلته وأقاربه من جراء القصف المستمر على قطاع غزة. ورغم هذه الآلام، وهو على الرغم من كل شيء يواصل العمل في أرضه بقلقيلية.
يؤكّد زعرب أنّ بقاء عائلته في بيت لاهيا رغم تدمير منزلهم وتحويله إلى مأوى بسيط من الخشب والبطانيات هو الدافع الأكبر لصموده. ويرى أنّ العمل في الأرض هو شكل من أشكال المقاومة والبقاء، ورسالة لكلّ فلسطيني بضرورة التمسّك بالهوية الوطنية والإنتاج المحلي.
ويوجّه المزارع الغزي رسالة أمل لكلّ الشباب الفلسطينيين بضرورة العودة إلى الأرض واستثمارها مهما كانت الصعوبات. ويشدّد على أنّ مشروعه في قلقيلية ليس مجرّد نشاط تجاري، بل هو تجسيد لوحدة الأرض والشعب، وإصرار على العيش والموت في تراب الوطن.