"ماء الورد" الإيراني الفوّاح سنوياً في الكعبة المشرفة

يتحدّى الورد الجوري الإيراني الظروف، ويحظى ماء الورد المنتج في كاشان الإيرانية بمكانة خاصة، إذ يُستخدم في تعطير الأماكن المقدّسة، ويُرسل سنوياً إلى الكعبة المشرّفة للمشاركة في مراسم غسلها، في تقليد يعكس القيمة الروحية والثقافية لهذا المنتج،

  • ماء الورد الإيراني منذ 1000 عام
    ماء الورد الإيراني منذ 1000 عام

بالورد تخاطب منطقة كاشان الإيرانية محافظات البلاد، ودول العالم في هذا الوقت من كلّ عام، فترفل بعباءة الورد الجوري الزاهي، ويتقاطر السوّاح إليها للاطلاع عن كثب على قطف الوريقات الناعمة المهفهفة، وتالياً على سرّ هذا الماء المنعش، فضلاً عن الزيت النادر..

هنا، تُجمع الأزهار بعناية في سلال تقليدية، ثم تُنقل مباشرة إلى ورش ومصانع التقطير التقليدية في المنطقة، حيث تبدأ المرحلة الأهم في رحلة تحويل الورد إلى ماء عطري نقي.

لكن.. هل تعرفون أنّ ماء الورد الإيراني يعطّر الكعبة المشرفة في مكة المكرمة بـ  "ماء زمزم" في التاسع من ذي الحجة من كلّ سنة؟

يقال "يا صباح الورد"، في دلالة على أهمية قطف أوراق الورد مع قطرات الندى مع إسفار الفجر وانبلاج الصبح، وقبل أن تدغدغها أشعة الشمس، لتحافظ على نداها وجودتها.

"ورد" رغم العدوان

واليوم، في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها إيران بسبب العدوان، تواصلت في مدينة نياسر التابعة لمدينة كاشان بمحافظة أصفهان مراسم استخراج ماء الورد حيث امتلأت البساتين برائحة الورد الجوري وسط حضور واسع للأهالي والزائرين في مشهد يعكس تمسّك الإيرانيين بتراثهم وحياتهم الطبيعية.

هنا ترتبط ازهار الورد بصناعة تقطير ماء الورد التي يمارسها الإيرانيون في بعض المدن، أشهرها منطقة قمصر في مدينة كاشان، هي مراسم تقليدية تجري في عدة مدن إيرانية ومنها العاصمة طهران.

وتعدّ إيران من أوائل الحضارات التي وضعت يدها على الخصائص الغذائية والدوائية للورد الجوري وهي إحدى أنواع وردة "الروز" التي يستخدم منها ماء الورد المعروف.

وجهة سياحية مع تفتّح الورود

مع بداية شهر نيسان/أبريل يبدأ تفتّح الازهار ويقوم المزارع بجمعها ثم وضعها في وعاء مصنوع من البلاستيك أو السعف وتوضع في آنية التقطير، ومن ثم تغطى أزهار الورد بوعاء نحاسي لاستقبال الماء المتبخّر من الوعاء، ويجمع الناتج من ماء الورد ليترك مدة أربعين يوماً حتى تترسّب الشوائب، بعدها يتمّ تخزينه في وعاء من الفخار 3 أشهر ليعبّأ المنتج في عبوات زجاجة لتباع في الأسواق المحلية والعالمية.

اقرأ أيضاً: ورود تغلب العدوان!

وخلال  شهر أيار/مايو، تتحوّل مدينة كاشان إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية سحراً وجاذبية، حيث تتفتح أزهار الورد وتملأ الأجواء بعطرها الفوّاح، في مشهد طبيعي استثنائي يجذب الزوّار من مختلف أنحاء العالم.

ولم تعد مراسم استخراج ماء الورد مجرّد نشاط زراعي، بل أصبحت مهرجاناً سياحياً متكاملاً، يجذب ما يقارب مليوني زائر سنوياً.

واحة مزهرة على تخوم الصحراء!

تقع كاشان شمال محافظة أصفهان، وتُعدّ من المدن التاريخية العريقة التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتضم معالم بارزة مثل تلال سيلك الأثرية وحديقة فين الشهيرة، إلا أنّ شهرتها العالمية اليوم ترتبط بشكل وثيق بموسم الورد ومراسم استخراج ماء الورد، التي تحوّلت إلى تقليد سنوي يجمع بين التراث والاقتصاد والسياحة.

  • يتم قطف أوراق الورد الإيراني قبل شروق الشمس
    يتمّ قطف أوراق الورد الإيراني قبل شروق الشمس

على الرغم من وقوع كاشان على تخوم الصحراء الإيرانية، فإنها تتحوّل في هذا الوقت من العام إلى واحة مزهرة، تمتد فيها بساتين الورد على مدّ البصر، خصوصاً في مناطق مثل قمصر ونياسر والقرى الجبلية المحيطة.

موسم ماء الورد

وتُعرف هذه الفترة محلياً باسم "موسم ماء الورد"، حيث تبلغ الطبيعة ذروة عطائها، ويغدو المكان أشبه بلوحة نابضة بالألوان والروائح.

ويبدأ يوم العمل في حقول الورد قبل شروق الشمس، حيث يتوجّه المزارعون إلى الحقول في ساعات الفجر الأولى لقطف الأزهار وهي لا تزال محتفظة بنداها وعطرها المركز.

ويؤكّد الأهالي أنّ حرارة الشمس تؤثر سلباً على جودة الورد، لذلك تُعدّ هذه الساعات الذهبية الأنسب لجني المحصول.

تُجمع الأزهار بعناية في سلال تقليدية، ثم تُنقل مباشرة إلى ورش ومصانع التقطير المنتشرة في المنطقة، حيث تبدأ المرحلة الأهم في رحلة تحويل الورد إلى ماء عطري نقي.

التقطير التقليدي المنسوب إلى ابن سينا

تعتمد عملية استخراج ماء الورد في كاشان على تقنيات تقليدية توارثتها الأجيال، ويُنسب أصلها إلى العالم الإيراني الشهير  ابن سينا، الذي وضع أسس التقطير. وتبدأ العملية بوضع كميات محدّدة من أزهار الورد داخل أوانٍ نحاسية كبيرة، يُضاف إليها الماء، ثم تُوضع على نار الحطب.

  • يتم تقطير ماء الورد الإيراني بطرقٍ  تقليدية
    يتم تقطير ماء الورد الإيراني بطرقٍ تقليدية

ومع ارتفاع درجة الحرارة، يتصاعد البخار المحمّل بزيوت الورد العطرية، ليُجمع عبر أنابيب تبريد تقليدية ويتحوّل إلى سائل يُعرف بماء الورد.

زيت الورد أغلى المنتجات الطبيعية

وتُعدّ هذه الطريقة من أدقّ وأقدم طرق الاستخلاص الطبيعي، ما يمنح المنتج النهائي نقاءً وجودة عالية.

وخلال عملية التقطير، تتكوّن طبقة رقيقة جداً من الزيت على سطح السائل، وهي ما تُعرف بزيت الورد، وتُعدّ من أغلى المنتجات الطبيعية في العالم نظراً لندرتها، إذ تتطلّب كميات كبيرة من الأزهار لإنتاج كمية صغيرة منه.

 قمصر.. عاصمة ماء الورد

تُعدّ منطقة قمصر القلب النابض لصناعة ماء الورد في كاشان، حيث تشهد سنوياً تدفّق مئات الآلاف من الزوار خلال موسم يمتد من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. وتتميّز قمصر بطبيعتها الجبلية ومناخها المعتدل، ما يجعل وردها أكثر كثافة وعطراً مقارنة بالمناطق الأخرى.

كما تشارك مناطق مثل نياسر ووادقان في هذا النشاط، حيث تختلف مواعيد الإزهار تبعاً للارتفاع الجغرافي، لكنّ الجودة تبقى عالية في جميعها.

تعطير الأماكن المقدّسة

يحظى ماء الورد المنتج في كاشان بمكانة خاصة، إذ يُستخدم في تعطير الأماكن المقدّسة، ويُرسل سنوياً إلى الكعبة المشرّفة للمشاركة في مراسم غسلها، في تقليد يعكس القيمة الروحية والثقافية لهذا المنتج،

  • يتم إرسال ماء الورد الإيراني للمساعدة في تعطير الكعبة المشرفة
    يتمّ إرسال ماء الورد الإيراني للمساعدة في تعطير الكعبة المشرفة

وفي كلّ عام تُرسل قمصر ماء وردها الى الكعبة المشرفة لتغسل به في التاسع من ذي الحجة، حيث يتمّ غسل جدار الکعبة المشرفة بأفخر أنواع عطر الورد والعود والمسك بالقماش الأبیض، ثم یسکب ماء زمزم ممزوجاً بماء الورد في أرضیة الکعبة ویتمّ مسحها بالید.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by قناة العالم - Alalam Channel (@alalam.ar)

فوائد ماء الورد الصحية

هذه الصناعة مرت بعدة مراحل وتجارب إلى أن استقرت على الطريقة الحالية،  فزراعة الورد الجوري تعود إلى ما يقارب الـ 7 آلاف سنة، وصناعة ماء الورد الى ما يقارب 1000 سنة، ولم تتخللها سوى تغييرات طفيفة.

يشار إلى أنّ الفائدة الأساسية لماء الورد هو  أنه يعمل كمضاد للالتهابات وتلطيف البشرة وإزالة حبوب الشباب، ويستخدم كمسكّن للصداع وخافض لدرجة الحرارة، ويجدّد أنسجة الجلد ويساعد على الوقاية من أشعة الشمس الضارة، ويساعد أيضاً على منع التجاعيد ويقلل الأضرار التي لحقت بالألياف الجلدية.

  • undefined

ولماء الورد أنواع مختلفة بالأسواق الإيرانية وأشهرها ثلاثة: ماء الورد العادي، ماء الورد درجة أولى (تضاف إليه الورود أكثر من ماء الورد العادي) وكذلك ماء الورد "دو آتيشه" حيث تضاف ورود جديدة إلى ماء الورد المستخلصة لغليه لمرة ثانية وذلك للحصول على ماء ورد بجودة عالية.

في آذار/مارس عام 2025 أفاد حسين زينعلي المسؤول التنفيذي لمشروع النباتات الطبية الوطنية  بأنّ 90% من سوق  ماء الورد العالمي تملكه بلاده حيث تجاوزت صادرات الورد وماء الورد والزيت العطري 10 ملايين دولار السنة الماضية، وتشكّل الأراضي المخصصة لزراعة الورد الجوري أكثر من 24 ألف هكتار.

وأضاف: صدّرنا العام الماضي نحو 3 ملايين و857 ألف كيلوغرام من ماء الورد إلى دول الخليج بالرغم من العقوبات المفروضة على إيران.

اقرأ أيضاً: ماء الزهر والورد.. عندما تنتعش الروح بعبق الطبيعة

 

 

 

 

 

 

اخترنا لك