التغير المناخي والحروب تهدد مواقع على لائحة اليونسكو للتراث العالمي
بات التغير المناخي يشكل خطراً جسيماً على الكثير من المواقع الثقافية والأوابد التاريخية وخصوصاً المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.. ما هي هذه المواقع الأثرية؟
-
مسجد في أصفهان بإيران
لطالما شكلت الحروب والثورات تهديداً للمواقع التراثية الوطنية، كما حدث مؤخراً في إيران وأوكرانيا. لكن ظهر الآن خطر داهم لا يقل خطورة عن الحروب، ألا وهو تغير المناخ عالمياً.
تتأثر مواقع التراث العالمي لليونسكو World Heritage List - Unesco من الأهرامات التي يعود تاريخها إلى 4000 عام في مصر إلى التماثيل الشهيرة التي يبلغ عمرها حوالى 1500 عام في جزيرة إيستر بشكل متزايد بالتآكل والتدهور.
تؤثر درجات الحرارة المرتفعة والعواصف القوية والجفاف سلباً على مواد البناء، حيث تُظهر دراسة أجريت عام 2025 أن 80 في المائة من مواقع التراث العالمي تتعرض لضغوط مناخية لأنّ مواد البناء القديمة جداً مثل الخشب والحجر لا تستطيع التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.
وفيما يلي بعض المواقع المعرضة للخطر الداهم بسبب تغير المناخ:
زقورة أور في العراق (مهد الحضارة)
-
زقورة أور في العراق (مهد الحضارة)
قد يتم محو آلاف السنين من التاريخ لأنّ جنوب العراق يزداد سخونة، حيث تسبب درجات الحرارة المرتفعة تآكلاً شديداً.
في وسط منطقة صحراوية تقع زقورة أور الشهيرة وهو معبد عمره 4000 عام تمّ تشييده تكريماً لـ"إله القمر نانا"، حيث بدأ المبنى يتداعى بشكل متزايد. فالرمال المتحركة والرياح القوية تهدد هيكله.
بالإضافة إلى ذلك تزداد ملوحة المياه الجوفية نتيجة للحرارة والجفاف. وهذا يؤثر سلباً على الطوب الطيني لهذا المعبد في بلاد ما بين النهرين. إضافةً إلى أنّ "الرواسب الملحية هي نتيجة لتغير المناخ"، كما يؤكد كاظم حسون من هيئة الآثار في محافظة ذي قار، مضيفاً أنّ "بلورات الملح تتغلغل في مواد البناء، ما يؤدي لتوسعها بالتدريج وبالتالي تدميرها".
كما أنّ أطلال مدينة بابل القديمة، على نهر الفرات مهددة هي الأخرى: فمستويات الملوحة المرتفعة تهاجم هيكل هيكل البناء. ويحاول علماء الآثار التصدي لذلك على سبيل المثال باستخدام الطوب الطيني المُحَلَّص من الملوحة المصنوع، وفقاً لأساليب تعود إلى آلاف السنين.
اقرأ أيضاً: ثاني أكسيد الكربون تهديد خطير للمناخ وصحة الإنسان!
مساجد أصفهان في إيران
-
مساجد إيران التراثية
في الوقت الحالي، تشكل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تهديداً كبيراً على المواقع التاريخية في إيران. لكن تغير المناخ يترك آثاره الواضحة هنا أيضاً. ومن بين المواقع المتضررة المساجد التاريخية في مدينة أصفهان الإيرانية. يُُظهر مسجد الجمعة (المسجد الجامع العتيق) تطور العمارة المسجديّة على مدى اثني عشر قرناً.
بدأ بناء هذا المسجد في عام 841 للميلاد وخضع للتوسيع والترميم عدة مرات. ووفقاً لليونسكو تُعتبر "متحفاً للعمارة الإيرانية". وبفضل قبابه المذهلة وزخارفه الجصية الفخمة كان هذا المسجد نموذجاً يُحتذى به للمباني الدينية والتعليمية في أجزاء واسعة من المنطقة من إيران إلى العراق وسوريا.
يقع بالقرب منه ميدان الإمام، وهي ساحة واسعة تعود إلى القرن السابع عشر. ويقع هناك من بين أمور أخرى مسجد الإمام الشهير بقبته الزرقاء وخطوطه الفنية.
لكن كل المباني السابقة الذكر في أصفهان تقع على أرض غير مستقرة حالياً، فهي تنخفض بسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية باستمرار نتيجة للجفاف. كما أنّ ارتفاع درجات الحرارة القصوى والتقلبات الشديدة في الرطوبة الجوية تضع ضغوطاً إضافية على المباني.
وفي هذا السياق، تحذّر منظمة اليونسكو، من أنه قد يؤدي هذا التدهور البطيء في حالة عدم اتخاذ تدابير مضادة إلى حدوث تشققات وعدم استقرار وفي أسوأ الأحوال إلى الانهيار.
تماثيل المواي في جزيرة إيستر التشيلية
-
تماثيل المواي في جزيرة إيستر التشيلية
وبحسب دراسة أجرتها جامعة "هاواي" في الولايات المتحدة الأميركية، قد تغمر المياه تماثيل المواي الشهيرة في جزيرة إيستر في تشيلي، بشكل متزايد خلال بضعة عقود. ويعتبر موقع أهو تونغاريكي الذي يضم 15 تمثالاً ضخماً معرضاً للخطر بشكل خاص. فارتفاع مستوى سطح البحر يهدد بحدوث أمواج أقوى وفيضانات والتي من شأنها، - وفقاً للدراسة التي أجريت عام 2025 - أن تعرض أكثر من نصف الكنوز الثقافية هناك للخطر.
ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة، نوح باوا، إنّ هذا الأمر سيكون "مدمراً للثقافة الحية وسبل عيش سكان منطقة رابا نوي"، مشيراً إلى أنّ "هذه المواقع أساسية لهويتنا وتقاليدنا". بالإضافة إلى ذلك "تعتمد السياحة في الجزيرة عليها بشكل كبير. إذا لم نفعل شيئاً حيال ذلك فقد يتعرض حتى وضع الجزيرة كأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو للخطر على المدى الطويل"، وفق باوا.
سور الصين العظيم
-
سور الصين العظيم great wall of china
يُعد سور الصين العظيم الذي يبلغ طوله أكثر من 21,000 كيلومتر من أبرز المعالم المعمارية في العالم. وقد تمّ تشييده وتوسيعه على مدار أكثر من ألفي عام وهو مدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1987. لكنه هو الآخر معرض للخطر.
تتكون أجزاء كثيرة منه من التربة المضغوطة وهي عرضة للرياح والأمطار وترسبات الملح. وهذا يؤدي إلى تشققات وتآكل واحتمال الانهيار.
اليوم هناك حوالى 6% من السور في حالة جيدة، في حين أنّ نصفه تقريباً قد تعرض لأضرار بالغة أو اختفى.
ويطالب الباحثون حالياً باتخاذ تدابير حماية عاجلة لإنقاذ الصرح العالمي. وبالتالي فإنّ تغير المناخ لا يهدد الطبيعة فحسب، بل يهدد أيضاً التراث الثقافي للبشرية وبالتالي جزءاً من تاريخنا المشترك.