هل يعلن الذكاء الاصطناعي "موت" الكاتب؟

هل يؤدي اعتماد الأدباء على الصور والأفكار الجاهزة التي يولّدها الذكاء الاصطناعي إلى ضمور قدراتهم الإبداعية وفقدان أصواتهم الخاصة؟

"إن الأدب ليس مجرد معزوفة لغوية لتزجية الوقت، بل هو الحامل الأمين لأسئلة الوجود وذاكرة الروح الإنسانية في مواجهة التحولات".

ليس كاتب هذه المادة من دوّن هذه الكلمات، ولم يخطر له مرة أن يستخدم كلمة "تزجية" بديلاً من الفعل المضارع "تمضية"، لكن الذكاء الاصطناعي ولّد هذه الجملة خلال أجزاء من الثانية، لا بل وكان بإمكانه أيضاً أن يطلب منه توليد ما يكتبه وسيكتبه في هذا التحقيق.

إلا أن الخوف من اكتشاف الأمر ردع كاتب هذا النص عن ذلك. وفي الوقت نفسه دفعه لكي يستطلع مدى قدرة القارئ على التمييز بين الكتابة البشرية، وبين الذكاء الاصطناعي التوليدي. 

عمر الحمد: مهما بلغت براعة الذكاء الاصطناعي في الصياغة وتركيب الجمل، فإن للغة الإنسانية بصمة روحية لا تجيد التكنولوجيا سوى تقليد أشكالها الظاهرة.

هكذا قادته الرغبة إلى رنا العبد الله، وهي واحدة من أعضاء "نادي القراءة" التابع لمؤسسة عبد الحميد شومان في العاصمة الأردنية عمان، التي لم تكتشف أن النص مصنوع آلياً، بل إنها أبدت إعجابها بطريقة الصياغة السلسة والواضحة.

لكن زميلها الجامعي، أحمد القضاة، كشف الأمر سريعاً، مؤكداً أنه على الرغم من سلاسة النص، إلا أنه شعر بوجود مجاملة للقارئ، قائلاً إن: "الصيغة تبدو وكأنها تحاول إرضاء الجميع من دون أن تحتوي على تلك النبرة الحادة أو الخصوصية الذاتية التي تميز صوت الأديب عندما يريد توصيف حالة أو أمر ما".

الذكاء الاصطناعي سيبقى خارج منطقة الروح والمكان

  • جلال برجس
    جلال برجس

انقسام القراء فتح الباب واسعاً أمام التساؤل الأساسي. هل للذكاء الاصطناعي القدرة على سلب خصوصية الأديب، أو تحويله من صانع للنص إلى مجرد محرر يعيد صياغة ما تنتجه التكنولوجيا؟ 

هذه القدرة يستبعدها نهائياً الروائي الأردني الحائز على "جائزة بوكر العربية" عام 2021، جلال برجس، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لن يصل إلى تلك النقطة القصوى المتعلقة بالكينونة والمصير الإنساني. 

ويقول في حديث مع "الميادين الثقافية" إن: "التنبؤ بامتلاك الآلة للإحساس وهم، وما يحدث ليس سوى شكليات تتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا".

ويتساءل صاحب "دفاتر الوراق": "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب رواية يحضر فيها المكان بوعي الفيلسوف غاستون باشلار مثلاً؟ أو أن يوصل اللحظة الإنسانية الحاسمة في الشارع أو البيت؟ لا على الإطلاق، فمهما تطورت قدراته ستظل في مرحلة المحاكاة"، معتبراً أن استعانة الأديب بالذكاء الاصطناعي تعد "عجزاً عن القيام بالفعل الأدبي القادم من المخيلة البشرية التي أوجدت الحضارة، لصالح إنسان تشاركه الآلة تفاصيل وعيه".

"يستعرض الذكاء الاصطناعي معجماً لغوياً غنياً، لكن هذا الاستخدام يأتي بناء على احصائيات وتركيب منطقي للمفردات، وليس عن معايشة حية، فالنص الآلي يصف الوردة أو المكان من دون أن تحمل كلماته رائحة أو ملمساً أو حساسية حقيقية".

لكن برجس يرى في حديثه أن الخطورة الحقيقية تكمن في تطوير هذا الذكاء عبر استقطاب الأدباء، ونقل ما يمتلكونه من معارف وتجارب إلى أجهزة تخزين ضخمة، لتقوم الآلة بالتعاطي معها، ونسبها لها لاحقاً.

ذلك أن العقدة تكمن في "القدرة على محاكاة المشاعر البشرية والذاكرة الجمعية، فعندما تُحاكى هذه المسألة الجوهرية، ستحدث الخديعة والاختلاط لدى القارئ".

يقسّم برجس القراء في زمن الذكاء الاصطناعي إلى فئتين. الأولى تبحث عن التسلية وقتل الفراغ، وهذه قد تتقبل نص الآلة وتتعامل معه على أنه واقعي، أما الثانية وهي فئة القارئ الحقيقي "المحتمي بفضاء الكاتب المبدع"، حيث لا يمكن أن يتأثر عاطفياً، أو وجدانياً مع كلمات مفرغة من روحها، كما يصف.

الذكاء الاصطناعي وخطر الضمور الإبداعي

  • أيمن العتوم
    أيمن العتوم

يتجاوز السجال حول الذكاء الاصطناعي مجرد كونه أداة مساعدة، ليمسّ كما يرى الشاعر، ليث المقابلة، قضية أكثر خطورة تتعلق بمدى اتكال الكاتب عليه، خاصة في حال الاعتياد على الحلول الجاهزة التي تقدمها الخوارزميات، وهنا يبرز التخوف من أن يجد الأديب نفسه مع مرور الوقت عاجزاً عن التفكير والكتابة بمفرده، مما يؤدي إلى "ضمور قدراته الإبداعية" وتراجع مهاراته الفكرية في حال غياب هذه التقنية أو تعطلها لأي سبب كان.

ويقول المقابلة في حديث مع "الميادين الثقافية" إن اعتياد الأديب على استدعاء الصور البلاغية والأفكار الجاهزة بكبسة زر، فإنه بذلك يدرب عقله على الكسل الإبداعي، ذلك أن "الأدب في جوهره مكابدة ومخاض ذاتي، والاعتماد المطلق على الآلة سيجعل الكاتب يصحو في لحظة ما ليجد نفسه عاجزاً تماماً عن صياغة سطر واحد بجهده الخاص، وكأن العضلة الإبداعية لديه قد أصابها الضمور بعد أن سلم مفاتيح مخيلته للتكنولوجيا".

جلال برجس: استعانة الأديب بالذكاء الاصطناعي تعد عجزاً عن القيام بالفعل الأدبي القادم من المخيلة البشرية التي أوجدت الحضارة، لصالح إنسان تشاركه الآلة تفاصيل وعيه.

في المقابل، يرى الكاتب والأديب، أيمن العتوم، أن الحذر الواعي هو السبيل للخروج من هذه المعضلة من دون صدام مع التطور، مؤكداً أن على الأديب امتلاك الشجاعة الكافية للوقوف في وجه الآلة، وتسخيرها لمصلحته، وخدمة أفكاره الإبداعية.

وأضاف العتوم لــ "الميادين الثقافية" أن الكاتب والأديب والشاعر الذكي هو من يستخدم الأدوات بحذر من دون أن يعتمد عليها كلياً، فتسلب منه قدرته الأصيلة على الابتكار، موضحاً أن "هذه التقنيات الثورية يمكن بكل بساطة أن تسخر كمساعد بحثي أو مراجع أولي للأفكار، عندها فقط يحول الأديب الذكاء الاصطناعي، إلى أداة بيده يوجهها حيثما أراد".

هل من علامات فارقة لنصوص الذكاء الاصطناعي؟

  • نجيب محفوظ
    نجيب محفوظ

"مهما بلغت براعة الذكاء الاصطناعي في الصياغة وتركيب الجمل، فإن للغة الإنسانية بصمة روحية لا تجيد التكنولوجيا سوى تقليد أشكالها الظاهرة". هكذا يصف أستاذ اللغة العربية والخبير اللغوي، عمر الحمد، النصوص التي يتم توليدها عبر الذكاء الاصطناعي، مبيناً أن القارئ الواعي "قادر على التمييز بين النص الأدبي المكتوب بشرياً أو آلياً".

ووضع الحمد مجموعة من العلامات التي يمكن من خلالها التعرف على النصوص المولدة آلياً، منها مثلاً، انضباط الشكل، بحيث يكون النص متكرر في طول الجمل والفقرات، ولا يملك تغيرات في شكل النص البشري الذي يصنعه الكاتب بناء على حالته الشعورية أثناء الكتابة، كما أن الذكاء الاصطناعي بطبيعته البرمجية يذهب غالباً إلى اختيار صيغ تجميعية وتوفيقية ترضي جميع الأذواق.

أيمن العتوم: الكاتب والأديب والشاعر الذكي هو من يستخدم الأدوات بحذر من دون أن يعتمد عليها كلياً، فتسلب منه قدرته الأصيلة على الابتكار. 

ويوضح الحمد أخيراً أن الآلة "تستعرض معجماً لغوياً غنياً، لكن هذا الاستخدام يأتي بناء على احصائيات وتركيب منطقي للمفردات، وليس عن معايشة حية، فالنص الآلي يصف الوردة أو المكان من دون أن تحمل كلماته رائحة أو ملمساً أو حساسية حقيقية".

منذ أن صنفت "ملحمة جلجامش" كأول عمل أدبي في التاريخ عام 2100 قبل الميلاد، ظل الأدب وسيلة الإنسان لتدوين وجعه وآماله قبل أن يكون مجرد تجميع للكلمات، واليوم، مع صدور أكثر من 2.2 مليون كتاب سنوياً حول العالم بحسب إحصاءات منظمة "اليونيسكو"، ما زال القارئ يبحث في تلك الصفحات عمّا يلامس روحه، ويعيد لذاكرته مواقف وأحداثاً واقعية، ربما تعجز عن توليدها جميع أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية.

اخترنا لك