هل تحمي "الدروع الزرق" آثار مدينة صور من بطش "إسرائيل"؟
هل تكفي "الدروع الزرق" والاتفاقيات الدولية لحماية آثار صور، أم أنها تبقى مجرد رموز عاجزة أمام آلة التدمير الإسرائيلية؟
لم يكتفِ المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، بتظليل مدينة صور الجنوبية بالأحمر هذه المرة، بل رسم أسهماً على خريطة لبنان الجنوبي كله، ليبعد أهله إلى شمال الليطاني أولاً، ثم إلى شمال نهر الزهراني.
كثيرون لم يغادروا، حتى بعدما قطعت "إسرائيل" أوصال الجنوب بقصفها الجسور فوق نهر القاسمية. يستفرد الصهاينة بصور وقضائها، ويتفننون في قصف مواقع تعتبر أثرية، ومصنفة في لوائح منظمة "اليونسكو"، ولو حدث هذا في مكان آخر في العالم لقامت قيامة المنظمة الدولية ولم تقعد، لكنه قدر صور أن تقف في وجه عدو يحظى بحصانات دولية متعددة وكل ما يقوله تتناقله وسائل الإعلام على أنه حقيقة... أما الحقيقة ففي مكان آخر.
موقع البص بين القصف والذاكرة الحية
-
موقع البص القوس
استهدف الاحتلال بغاراته الحربية محيط موقع "البص" الأثري في صور مؤخراً، ويفترض ألا يكون هذا مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت صرخة استغاثة يطلقها التاريخ العاملي من تحت ركام الحجارة الرومانية، وتحتها الإغريقية والفينيقية.
إذ يحتضن هذا الموقع أحد أكبر ميادين سباق الخيل في العالم وقوس نصر صمد لقرون، وجد نفسه مجدداً في مواجهة مباشرة مع آلات الدمار، على الرغم من كل محاولات "التحصين الدولي" الظاهري التي سبقت العدوان.
لا يدور الحديث هنا عن موقع تابع لوزارة السياحة اللبنانية وشباك تذاكر على مدخله، ولا عن وزارة الثقافة وإمكانية أن يقف تصريح في وجه الآلة الحربية، أو عن عدد من الباحثين المتخصصين في اللقى الأثرية الذين يقصدون الموقع من شتى بقاع الأرض كي ينجزوا أطروحات أكاديمية تكشف الحجب عن حضارات وثقافات. إذ يشكل الموقع بحد ذاته متنفساً لأهل المدينة الذين يقصدونه خارج أوقات استقبال الزوار الحاصلين على بطاقات من مدخله الرئيس.
استهداف موقع البص الأثري لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل صرخة يطلقها التاريخ من تحت الركام، حيث تتداخل طبقات الحضارات بين الرومانية والإغريقية والفينيقية.
ذلك أن الموقع يحتل مساحة كبيرة من منطقة صور العقارية، بين الأبنية المتراصة من جهة المدينة ومخيم البص للاجئين الفلسطينيين، يقصده الناس للتنزه أو لممارسة رياضتي الركض والمشي، أو يمرون به. وهو كذلك جزء من الذاكرة المدينية، ويتخطى كونه استضاف مهرجانات صور الفنية غير مرة، وعشرات الفنانين والعازفين والفرق العالمية، فلكل شخص من سكان المدينة ومخيماتها ذكريات ترتبط بمرمح الخيل الروماني ومدرجاته وقوس النصر والدرب الحجري المستقيم الذي يبدأ من موقع البص نفسه ويختفي تحت حي الرمل ليظهر من جديد في موقع آخر، وهو موقع الحفريات الفرنسية قرب الميناء المصري.
الدروع الزرق: حماية قانونية أم رمزية؟
-
مرمح الخيل الروماني في منطقة البص في صور
وسط هذا المشهد، تبرز لوحات معدنية صغيرة مثبتة عند مداخل المواقع الأثرية في صور، تحمل شعاراً يتألف من 4 أقسام باللونين الأزرق والأبيض. هذه هي "الدروع الزرق"، أي الرمز الدولي الذي أقرته اتفاقية لاهاي سنة 1954.
ووظيفة الدروع تتجاوز كونها علامة تعريفية، إذ يفترض أن تكون بمنزلة "جواز سفر دبلوماسي" للمباني التاريخية، يمنحها حصانة قانونية ويُحذر جيش الاحتلال من استهدافها أو استخدامها لأغراض عسكرية، باعتبارها ملكية ثقافية للبشرية جمعاء، وليست مجرد أحجار.
المنظمة الدولية، تشرف على مهمة الحفاظ على الأماكن الأثرية المحمية بالدروع، وهي تعمل كـ "الصليب الأحمر للتراث"، ويفترض ألا تكتفي بوضع الشعارات، بل تزود جيش الاحتلال بقوائم الأماكن التي يمنع قصفها، وكذلك تدرب قوات حفظ السلام على كيفية التعامل مع الممتلكات الثقافية كأصول إنسانية لا يجوز المساس بها تحت مظلة "الحماية المعززة".
الدروع الزرق يفترض أن تكون حصانة قانونية للمواقع الثقافية، لكنها تبقى عاجزة حين لا يُحترم القانون، وتظل المسافة كبيرة بين النصوص الدولية والواقع الميداني.
لكن الجانب القانوني لهذه الحماية يبدو معقداً وشائكاً في لبنان، فمن الناحية النظرية، يُعتبر استهداف المواقع المحمية بـ "الدروع الزرق" جريمة حرب بموجب القانون الدولي، ومواقع صور تحظى بـ"الحماية المعززة" من قبل "اليونسكو"، لكن جيش الاحتلال على دراية تامة بذلك وهو لا يحتاج أصلاً إلى تعريفه بالقوائم. فكم من مرة انتهك السيادة ودمّر البشر والحجر؟
لكن هذا التصنيف يفتح الباب لملاحقة المرتكبين جنائياً أمام المحاكم الدولية، كما حدث في سابقة تدمير آثار "تمبكتو" في مالي على سبيل المثال. غير أن الواقع الميداني يثبت أن المسافة بين "النص القانوني" وصواريخ طائرات "إسرائيل" لا تزال شاسعة.
قبر حيرام: شاهد على النهب والإهمال
-
قبر حيرام ملك صور جنوبي لبنان (صورة التقطت عام 1926)
تستعيد ذاكرة سكان جبل عامل هنا غصة تاريخية تعود لعام 1982، حين تعرض قبر حيرام شرق المدينة على طريق حناويه (أو في ما يُعرف تاريخياً بصور البرية) لعملية نهب منظمة من قبل قوات جيش الاحتلال.
في ذلك الوقت، لم يكتفِ المعتدي بالاستهداف العسكري، بل تجاوز ذلك إلى سرقة نواويس ومقتنيات أثرية فينيقية نادرة نُقلت في شاحنات عسكرية بأوامر مباشرة من قيادات عليا. جريمة مركّبة تحت سلطة الاحتلال عن سابق تصور وتصميم.
تلك الحادثة، التي بقيت جرحاً مفتوحاً لسنوات من دون ملاحقة جدية كافية، تُذكرنا بأن المواقع الأثرية لم تكن يوماً في مأمن من الأطماع، حتى في غياب المواجهة المباشرة من جهة، وتذكرنا بأن الإهمال الرسمي المستدام من جهة وزارة الثقافة اللبنانية، لا يمكن أن يتحول فجأة عند تعرض موقع ما للقصف أو النهب إلى اهتمام جدي.
قبر حيرام، الذي قيل إنه كان أعظم ملوك فينيقيا، وإن علاقة ودية ومثمرة جمعته بالملك داوود ومن بعده بابنه سليمان. قيل كذلك إن الماسونيين يبجلونه ولا بد لكل منهم من زيارته ولو لمرة في العمر، نبشه الغزاة الصهاينة وسرقوا منه ما سرقوا.
ذكر هذا الموقع، روحي جميل، في "الدليل الأخضر" (1959)، حين كان ماضي الجمهورية الفتية أمل المستقبل. كان يحث السياح على زيارة ذلك "الناووس الضخم المدهش، المؤلف من حجرة واحدة".
الحصانة الحقيقية للتراث لا تُصنع باللوحات والشعارات، بل بالوعي الإنساني الذي يدرك أن تدمير التاريخ هو انتحار حضاري.
كما ذكره محسن الأمين العاملي في "خططه" ووصفه بأنه "تابوت من الصخر مبني بالصخور العظيمة... ووُجد بجهاته قبر فيه تابوت ملبس بالرصاص عليه كثير من الصور والنقوش العجيبة".
أما إبراهيم سليمان فأشار في "بلدان جبل عامل" إلى أن جماعة نهبت من القبر ما نهبت قبل الغزاة الصهاينة بنحو قرن: "الإفرنج حفروا جملة حفائر (نحو 1882)، وأخذوا جملة أشياء غريبة حتى قيل: إنهم أخرجوا تابوت حيرام. وإلى جانب القبر من الغرب حفروا فوجدوا داراً... وكانوا يقلعون الصور بأحجارها، ويضعونها داخل صناديق".
والعبرة ليست في كل ما قيل، بل في أن كل ما حظي به هذا الموقع لوحة يتيمة لوزارة الثقافة، وقبر أثري ضخم مهمل على بعد مترين من الإسفلت.
في المحصلة، على الرغم من أهمية "الدروع الزرق" والاتفاقيات الدولية، كأدوات توثيق وإدانة، وعلى الرغم من تنبه الوزارات بعد الصدمة إلى أهمية هذه المواقع الأثرية، إلا أن الحماية تبقى نسبية وقاصرة إذا لم يقابلها التزام أخلاقي مفقود لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتزام محلي بضرورة حفظ الموقع حفاظاً على الهوية والذاكرة الجماعية.
إن الحصانة الحقيقية للتراث لا تُصنع فقط بلوحات زرق مرفوعة على الجدران، بل بالوعي الإنساني الذي يدرك أن تدمير التاريخ هو انتحار حضاري. ومن دون هذا الالتزام، تبقى آثار الأمم الغابرة في بلادنا، كغيرها من كنوزنا، رهينة لإرادة سياسية قد لا تقيم وزناً لماضٍ لا يمكن تعويضه.
