نحن وهُم: من يستحق أن يُبكى عليه ويُرثى؟

لماذا يصبح موت بعضنا مأساة بينما يتحوّل قتل آخرين إلى رقم؟ وكيف تكشف التغطية الإعلامية لحرب الإبادة في غزة عن تفاوت الاعتراف بالحياة والموت؟

تثير جوديث بتلر، في جانب مهم من كتاباتها منذ مطلع الألفية، ولا سيما في كتابيها "الحياة الهشة" (2004) و"أطر الحرب: متى تكون الحياة قابلة للرثاء؟" (2009)، سؤالاً معرفياً وسياسياً في آن واحد: من يمكن أن يحتسب موته خسارة إنسانية تستحق التأبين؟ ولمن تُنكّس الأعلام، وتقام الجنازات ذات المراسم الرسمية؟ ومن ينحصر موته في صمت صحفي، أو في إحصاء رقمي مجرد، أو في غياب شبه كامل عن فضاء الرثاء العام؟ 

هذا السؤال، الذي قد يبدو فلسفياً في ظاهره الأول، يكتسب طابعاً سياسياً حاداً حين ندرك أنه يكشف عن الخطابات والأطر التي تُرسي تراتبية صامتة في الاعتراف بالحياة الإنسانية ذاتها.

الرثاء بوصفه اعترافاً بالحياة

  • جوديث بتلر
    جوديث بتلر

هكذا تصير مقولة بتلر عن "الحياة القابلة للرثاء"، في كتابها "أطر الحرب"، محاولة لفهم العمليات التي تتشكل عبرها حدود ما نعترف به بوصفه حياة إنسانية جديرة بالحماية والاعتراف، وما يدفع إلى خارج هذه الحدود.

والقابلية للرثاء عند بتلر لا تعني فقط أن نحزن على حياة بعد انتهائها، بل إن إمكان الحزن على فقدانها يفترض، منذ البداية، أن تكون قد عُدّت حياة ذات قيمة، وأن يكون فقدانها خسارة. فالموت، بوصفه واقعة بيولوجية، لا يختلف من إنسان إلى آخر، لكن الأطر الثقافية والسياسية والإعلامية قد تجعل بعض الخسائر أكثر ظهوراً وقابلية للاعتراف من غيرها.

حين يصبح الموت رقماً: الإعلام وتراتبية الضحايا

  • إحياء ذكرى قتلى السابع من أكتوبر 2023
    من إحياء ذكرى قتلى السابع من أكتوبر 2023

من هنا يمكن قراءة التفاوت في تمثيل الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين داخل بعض وسائل الإعلام الغربية، التي اتبعت أنماطاً متفاوتة في الفردنة واللغة والسياق الممنوح للضحايا. فقد بحثت دراسات في الطريقة التي يظهر بها الفلسطينيون، في بعض التغطيات، بوصفهم أرقاماً أو جماعات، في مقابل حضور أكبر للاسم والسيرة والقصة الشخصية في حالات أخرى. 

حين نسأل: من يستحق أن يُبكى عليه ويُرثى؟ فإننا لا نسأل عن الموت وحده، بل عن السلطة التي تجعل حياة ما مرئية، وتمنح ضحيتها اسماً وصوتاً وحكاية، فيما تترك حياة أخرى عند حدود الرقم والصمت.

كما خلصت دراسة منشورة عام 2025، تناولت آلاف المواد في CNN ومئات المواد في BBC خلال الأشهر الأولى من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، إلى وجود أنماط لغوية وتمثيلية أسهمت، بحسب الباحث، في تهميش معاناة الرجال الفلسطينيين وربطهم على نحو أكبر بالعنف. 

وسبق أن تناولت دراسة أكاديمية أخرى، في سياق الحرب على غزة عام 2014، مسألة تحويل الفلسطينيين في بعض التغطيات إلى أعداد مجردة في مقابل فردنة أكبر لقتلى إسرائيليين.

غزة واختبار القابلية للرثاء

  • غزة (رويترز)
    غزة (رويترز)

تتضح هذه المسألة بصورة خاصة عند مقارنة تغطية عملية "طوفان الأقصى" 2023 بالتغطية اللاحقة للحرب على غزة. فقد قُتل نحو 1,200 شخص في "إسرائيل"  معظمهم سقطوا بنيران "جيش" الاحتلال الذي اعتمد حينها ما يعرف ببروتوكول "هنيبعل"، وأسر 251 شخصاً. 

وفي المقابل، تجاوز عدد الفلسطينيين الشهداء الذين أُعلن عنهم في غزة منذ بداية الحرب 74 ألفاً بحلول 27 أيلول/سبتمبر 2026، وفق وزارة الصحة في غزة. 

غير أن المسألة التي تهمنا، في ضوء مفهوم بتلر، لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بكيفية منح الموت وجهاً واسماً وحكاية. فعندما يُقدَّم عدد كبير من القتلى في جملة مقتضبة، بينما يُخصص لضحايا آخرين حيّزاً لسيرهم الذاتية وصورهم وعائلاتهم وأحلامهم التي انقطعت، لا يعود الاختلاف مجرد مسألة في الأسلوب الصحفي، بل يصبح جزءاً من الطريقة التي يجري بها تشكيل إدراك المتلقي للخسارة الإنسانية.

وقد رصدت بعض الدراسات اختلافاً في اللغة والسياق ودرجة الفردنة التي مُنحت لفئات مختلفة من الضحايا.

هكذا ينطلق تحليل بتلر من فكرة أساسية مفادها أنّ الاعتراف بالإنسان بوصفه حياة قابلة للإدراك والحماية لا يحدث خارج الأطر الاجتماعية والثقافية والسياسية، بل تتوسطه معايير تحدد ما يظهر لنا بوصفه "حياة" وما يصعب إدراكه كذلك. فعندما نرثي فقيداً، أو ننكس الأعلام احتراماً لموته، أو تسمح الدولة والإعلام والمجتمع بأن تحتل خسارته حيزاً عاماً، فإنّ ذلك لا يخلو من دلالة سياسية. 

إنه يؤكد أنّ هذا الموت يُحسب خسارة. أما حجب الاسم والوجه والحكاية، أو تحويل الإنسان إلى رقم محض، فيمكن أن يسهم في إعادة إنتاج أشكال من الاستبعاد وعدم الاعتراف.

هنا يكتسب السؤال "مَن يستحق أن يُرثى؟" صفته السياسية. فالسؤال لا يتعلق بمشاعر فردية عابرة أو بتفضيلات شخصية نسبية، بقدر ما يكشف عن الآليات التي تتشكّل عبرها دوائر الانتماء والتعاطف والاعتراف، ولذلك فالمسألة هي تفاوت في توزيع الاعتراف داخل علاقات القوة، لا تقسيم جغرافي مطلق للبشر إلى فئتين ثابتتين.

لا تعمل تراتبية الموت في الإعلام وحده. فهي تمتد إلى المتلقّي نفسه حين تبدو له خسارة أكثر إنسانية من خسارة أخرى. ومن هنا تصبح مساءلة مَن نرثيه، ومَن لا نرثيه، مساءلةً للحدود التي نرسمها نحن أيضاً لدائرة الإنسان. 

وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ حيوات أشخاص يعيشون في مناطق الصراع الطويل أو في هوامش النظام الدولي قد تكون أكثر عرضة لأن تظهر في الخطاب العام من خلال أرقام الضحايا والنازحين واللاجئين، بدلاً من أن تظهر من خلال أسمائهم وقصصهم الفردية. 

وينطبق ذلك، بدرجات وسياقات مختلفة، على غزة ولبنان وسوريا وأفغانستان وليبيا وغيرها. وهذا التمييز مهم كي لا يتحول مفهوم القابلية للرثاء إلى إنكار لحزن المجتمعات نفسها على موتاها.

إنّ عدم قابلية حياة ما للرثاء، بهذا المعنى، لا ينشأ بالضرورة عن الجهل بها وحده، بل قد يكون أثراً لأطر معرفية وتمثيلية تجعل بعض الحيوات أقل ظهوراً أو أقل قابلية للإدراك بوصفها حيوات كاملة. إنها أطر تتشكل عبر الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي، ثم يمكن أن تستقر في طرائق النظر والتلقي إلى حد تبدو معه طبيعية أو بديهية. وإمكانية رثاء حياة ما تتطلب، وفق هذا المنطق، الاعتراف مسبقاً بأنّ هذه الحياة ذات قيمة وأنّ فقدانها يشكّل خسارة. لكنّ هذا الاعتراف نفسه يتكوّن عبر شبكة معقّدة من التمثيلات الثقافية والسياسية والإعلامية.

وفي السياق الفلسطيني، يمكن تطبيق هذا التحليل على الأطر التي تُقدَّم من خلالها الشخصيات والأحداث والسياقات التاريخية. فحين يُختزل الفلسطيني في صورة المقاتل أو الرقم أو "الخسارة الجانبية"، يصبح من الأصعب أن يظهر في وعي المتلقّي بوصفه فرداً له اسم وعائلة وسيرة وحياة يومية.

والمشكلة التي يكشف عنها مفهوم بتلر تكمن تحديداً في شروط الاعتراف المتفاوت، لا في افتراض غياب كامل للاعتراف.

حين يمنح قتيل اسماً وصورة وسيرة وعائلة وحلماً لم يكتمل، بينما يظهر قتيل آخر رقماً عابراً في حصيلة يومية، فنحن لا نكون أمام اختلاف في الأسلوب الصحفي فحسب، بل أمام اختلاف في الطريقة التي تُمنح بها الخسارة معناها الإنساني. 

تكمن الأهمية الراهنة لتحليل بتلر في أنه يتجاوز مستوى النقد الأخلاقي المجرد. فهي لا تقول ببساطة: "يجب أن نبكي هؤلاء أيضاً"، كما لو أنّ المسألة تتعلق بتوزيع عادل للعواطف. بل تذهب إلى مستوى أعمق، يتمثل في البحث في الشروط التي تجعل فقدان حياة معينة قابلاً للإدراك بوصفه خسارة، بينما تجعل فقدان حياة أخرى أقل حضوراً أو أقل قابلية للقراءة والاعتراف. ومن يستحق أن يُبكى عليه ويُرثى يصبح، من هذا المنظور، سؤالاً سياسياً وأخلاقياً متعلقاً بالقوة والتمثيل والاعتراف.

من يملك سلطة تعريف الخسارة؟

  • نحن وهُم: من يستحق أن يُبكى عليه ويُرثى؟
    من يحدّد حدود الجماعة التي تستحق خسائرها اهتماماً عاماً؟

ما يمكن استخلاصه من المقاربة البتليرية هو أنّ حدود الاعتراف بالإنسانية نفسها تظل موضع صراع. فالموت والرثاء ليسا منفصلين عن الجغرافيا السياسية وعلاقات القوة والقدرة على التمثيل الإعلامي. 

وحين نسأل "مَن يستحق أن يُبكى عليه ويُرثى؟"، فإننا نسأل أيضاً: من يمتلك القدرة على جعل حياة ما مرئية؟ ومن يستطيع منح الضحية اسماً وصوتاً وحكاية؟ ومن يحدد حدود الجماعة التي تستحق خسائرها اهتماماً عاماً؟

وفي قراءة بتليرية، يمكن لهذا السؤال أن يكشف عن كيفية عمل علاقات القوة على مستوى أعمق من السيطرة العسكرية أو الاقتصادية، أي على مستوى إنتاج أطر الاعتراف نفسها. ذلك أنّ المسألة لا تقتصر على من يمتلك السلاح أو الثروة، بل تشمل أيضاً من يمتلك قدرة أكبر على تشكيل الصورة والسردية واللغة التي يفهم الآخرون من خلالها الحدث والضحية والخسارة.

ولا تنطوي أفكار بتلر على دعوة إلى إعادة الخطاب الإعلامي إلى نوع من "التوازن الحسابي" الذي يمنح كل طرف في النزاع عدداً متساوياً من الدقائق أو القصص، بصرف النظر عن الوقائع والسياقات. فذلك منطق سطحي لا يبلغ جوهر المسألة. تتعلق الدعوة، بدلاً من ذلك، بفحص آليات إنتاج الخطاب ذاته، وكشف الافتراضات السياسية والثقافية التي يمكن أن تختبئ خلف ادعاءات الحياد. 

القابلية للرثاء لا تبدأ بعد الموت. أن نحزن على حياة بعد فقدانها يفترض أننا اعترفنا بها، منذ البداية، بوصفها حياة ذات قيمة. لذلك لا يكشف الرثاء فقط كيف نتعامل مع الموتى، بل يكشف أيضاً من كنا مستعدين للاعتراف بحياته قبل أن يموت.

وعموماً، فإنّ الخطاب الإعلامي الذي قد يعيد إنتاج تراتبية في ظهور الموت لا يعمل بمعزل عن المؤسسات والمجتمعات والأفراد. فالمشاهد نفسه يتأثّر بالأطر التي يتلقّى من خلالها الصور والأخبار والحكايات، وقد يشارك، بوعي أو من دونه، في إعادة إنتاج هذه التراتبية حين تبدو له خسارة ما أكثر قرباً وإنسانية من خسارة أخرى.

وهنا يصبح السؤال عمن يستحق الرثاء سؤالاً لا يخص الخطاب الإعلامي وحده، بل يخص أيضاً علاقة كل فرد بالآخر، وبمن يعتبره إنساناً جديراً بالتعاطف والاهتمام. 

وحين نفهم أنّ الاعتراف بالإنسانية ليس عملية محايدة أو منفصلة عن أطر الثقافة والسياسة والتمثيل، وحين نعي أنّ من نرثيه ومن لا نرثيه يتأثّر بشبكة من الخطابات والمؤسسات وعلاقات القوة، نصبح أقدر على مساءلة هذه العلاقات وإعادة صياغتها.

ليس ذلك ممكناً فوراً أو على نحو كامل، غير أنّ الفهم نفسه يمثّل خطوة أولى في أيّ تحوّل أخلاقي وسياسي. ومن ثم، فإنّ المسؤولية التي تترتّب على هذا الفهم تضع على عاتقنا، كمثقفين ومواطنين ومتابعين للإعلام، واجباً أخلاقياً يتمثّل في أن نتساءل باستمرار عن المعايير التي تحكم اعترافنا بالآخر، وأن نعيد النظر في الحدود التي نرسمها، عن وعي أو من دونه، لدائرة الرثاء والاهتمام والاعتراف.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك