ميشال شيحا و"الفكرة المتوسطية": هل تُسهم في فهم لبنان ودوره؟
كيف ربط ميشال شيحا بين موقع لبنان المتوسطي ودوره الدولي؟ وهل تكشف رؤيته للمتوسط عن مشروع يتجاوز الجغرافيا نحو حضارة مشتركة؟
من العسير اختصار أو وصف ميّزات ميشال شيحا (1891- 1954) المولود في بلدة بمكّين (قضاء عاليه). إنه الصحافي والسياسي والمصرفي والمفكر العقائدي الليبرالي، والمتفلسف والشاعر، حامل الألقاب الكثيرة.
وأحد واضعي الدستور اللبناني في العام 1926، الذي نص في مقدمته: "لبنان وطنٌ سيّد حر ٌّمستقل، وطن نهائيّ لجميع أبنائه، واحدٌ أرضاً وشعباً ومؤسسات، في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دولياً".
ومن ثم كان أحد منظريّ الكيان والمدافع عن وجوده وأحد بناة الدولة اللبنانية، وقيل عنه إنه أبو الفكرة اللبنانية (Le libanisme).
وصفه المفكر والكاتب اللبناني، فواز طرابلسي، بأنه "ظاهرة في الفكر اللبناني" (1)، وكتب عنه نبيل خليفة أنه بمنزلة "أول أنبياء لبنان وآخر أنبياء فلسطين" (2013) (2)، وبأنه باني لبنان المعاصر.
انشغل، شيحا، هذا الرؤيوي بالقضايا الكبرى بأبعادها الجيوسياسية، ولا سيّما بقضيتيّ العصر: لبنان وفلسطين، وهو ما يجعله راهناً.
وقد جمع شيحا "العقل والحدس والخيال والمنطق والحسّ السليم"، فكان المفكر الذي يرى صحيحاً ويرى بعيداً، وهي رؤية تخطى بها عصره، وعمل لدولة لبنان كي تحيا ولدولة فلسطين كي لا تموت، وفق خليفة.
البحر المختار
يتبع ميشال شيحا مذهب الشاعر الفرنسي، بول فاليري (1871- 1945)، الراغب في وضع كل الساحل المتوسطي ضمن أوروبا، ليعلن الحاجة إلى تجديد الصداقات بين شعوبه، وإعادة بعث الأنسيّة والإنساني فيه.
ذلك أن المتوسط شهد، بالنسبة إلى شيحا، أول إبحار وأول دفع لقارب، وقد جعلت منه عدة حوادث جيولوجية ما هو عليه، أي بحراً داخلياً، وعلى نحو ما مُغلق. وهو منسجم مع نفسه، تدور حوله حياة داخلية، ويبدو في نظر المؤرخ "البحر المختار"، تحدوه العناية الإلهية، ويبدو ضرورياً في مسيرة الخلق. وخلال عقود كان بحراً لإمبراطورية واحدة، جعلت سكان ضفافه يشعرون بجو من القرابة.
يذكّر شيحا بأن هذا الشرق يبقى جغرافياً وسياسياً واستراتيجياً، كما كان منذ 6 آلاف سنة، سُرّة العالم. ومن واجبنا في دفاعنا عن حقوقنا أن نضع في الحسبان طبيعة الأشياء وواجباتنا بإزاء الكون.
وعنده أن المتوسطيين الحقيقيين هم من يستحسنون هذا البحر وما يُمثله. النسمات أو رياح عرض البحر، ألوان الماء والسماء وماضي الجزر، والصيد الصباحي أو الليلي، الطحالب والتوتياء، وغروب الشمس الجميل. والمتوسطي بطبعه باني سفن ورجل الرحلات البحرية الخطرة.
يستند شيحا إلى ما يُسميه "الوضع الطبيعي" للبشر، فأمام ما هو مصطنع، توجد شهادة الطبيعة نفسها. فحول المتوسط نجد أن المناخ نفسه والقوى الخفية نفسها وثمار الأرض نفسها، تصنع طبيعياً الرجال أنفسهم. يعود المتوسط، في رأي شيحا، لكل أبنائه، فهو صلة التناغم بين كل الأفكار السابحة فيه. إنه البحر الداخلي للآداب والفنون، للشعر والموسيقى. وبخلاف أي بحر آخر، يتعالى على الأحكام المسبقة والعنف، إنه علامة توازن وأخوة (3).
الفكرة المتوسطية
ولتبني الفكرة المتوسطية آثار يقرأها شيحا في الجغرافيا السياسية التي تفرض وجهة من دون غيرها. إذ إن شكل ومحيط القارات والبحر يلزم عنها سياسة بعينها.
ولأن العصر عصر إلغاء للمسافات بسبب الطيران، فإن الجيوش تنزل من السماء، ومنها يجب أن يبدأ الدفاع، في ظن شيحا، إذا أردنا ألا تصيبنا الكارثة.
في مواجهة رياح الانقسام، يدعو شيحا للتصدي برياح الإنسانية. ففي السياسة لا يتحد المسلمون وحدهم ولا المسيحيون وحدهم، بل يتحد الناس والشعوب القابلة للعناية الإلهية.
وحجة الحياد القديمة تصبح سخيفة، عندما نتحدث عن كتل العالم، ويشبه الأمر عندها الحديث عن حيادية الغزال في وجه النمر والأسد.
وفي عرف شيحا، ليس في وسع الجامعة العربية وحدها أن تكون شريكاً جدياً للأميركي والإنجليزي في نزاعات العالم. ويتوجب على متوسطييّ الشمال إعانة سكان شرق المتوسط وبالعكس. والأمر كما حين نسكن مدينة واحدة، ولا نرغب إلا في الدفاع عن حيّ منها وعن سكانه فحسب. فإلى جانب الوحدة البحرية والبرية، تُضاف لأسباب جغرافية وتاريخية، وحدة إنسانية فعلية (4).
الدرس البلجيكي
يُشدّد شيحا على مسألة التعاون مع البلدان الأخرى. ولمناسبة حديثه عن بلجيكا، الموجودة بإرادات الآخرين (أي الأوروبيين)، ذلك البلد الشبيه بلبنان، يصل إلى خلاصة يقول فيها إنه، ومن دون الوقوع في مقارنة مطلقة، علينا العمل للاستفادة من الدرس البلجيكي، وأن يكون لدينا قابلية للحكم على نحو صحيح، وأن نكون مفيدين للآخرين، وأن يكون هناك ثبات في نفوسنا وفي ذكائنا. سواء تعلق الأمر بالدول العربية المتآخين معها، أم المجتمع الدولي المنتمين إليه، فدورنا الدولي يفرض نفسه علينا، كما يفرض نفسه على الجميع. وبلجيكا، في رأيه، تبيّن لنا الدرب. فبمساعينا الحميدة، لنعمل دائماً على نحو تكون فيه دائماً حاجة إلينا، ونكون في حاجة أقل للآخرين، فعقلنا هو ما يصنع قوتنا (5).
يعضد كلام ميشال شيحا هذا ما قاله الرئيس الأميركي، هاري ترومان (1884 - 1972) في نيسان/أبريل من العام 1945، لأحد الوزراء اللبنانيين: "أنتم تمثلون بلداً، أقام معه الأميركيون لأكثر من عقد علاقات ثقافة وصداقة مميّزة وناجحة. فبلدكم كان ولزمن طويل رمز اللقاء والانصهار لثقافات الشرق والغرب...".
وأضاف: "إن بلدكم بعظمته الروحية والمعنوية أخذ مكانه بين عائلة الأمم المستقلة في العالم. وإني أعتمد على مساهمته في قضية الأفكار الديمقراطية والعدالة، وهي مساهمة من حق الإنسانية انتظارها، بسبب من تاريخ وماضي لبنان..." (6).
من الشرق "سرّة العالم" إلى الصلة الهيلينية
يرى شيحا اضطراب العالم المحكوم من قوى تتعارض مصالحها وأهواؤها. من النيل إلى البوسفور، ومن المتوسط إلى الخليج، كل ما يجري ويحمل أهمية مرتبط بأحداث الكون الكبرى.
ففي كل مرة تُظهر قوة عالمية نفسها أو تتحرك، فإن الشرق الأوسط يتلقى الأفعال، لأنه يقيس القوى بحضورها أو غيابها. ولكنه، حين يعي أكثر المنافع التي يمثلها التوازن والنظام، فإنه، في رأي شيحا، يُحسن من فرصه في استقرار نسبي.
ولبنان، البلد الصغير البحري والجبلي، يقع تقريباً في قلب المنطقة حيث تحدث المعمعة. وهو أكثر من أي أمة مهدد باضطراب الفكر، ولا يستطيع أن يُحدد مصيره إلا بانضباط أخلاقي وسياسي مُدرك ومقبول من الكل.
وشيحا يدعو اللبنانيين إلى التعقل والبعد عن المبالغات، إذ إن التطرف يولد التطرف، كما أن الشر يصدر عن الشر والعنف يصدر عن العنف.
يعود المتوسط، في رأي شيحا، لكل أبنائه، فهو صلة التناغم بين كل الأفكار السابحة فيه. إنه البحر الداخلي للآداب والفنون، للشعر والموسيقى. وبخلاف أي بحر آخر، يتعالى على الأحكام المسبقة والعنف، إنه علامة توازن وأخوة.
فنحن، في عرف شيحا، وجيراننا القريبين وجيران جيراننا، في حاجة إلى علاج آخر. وواجبنا الطبيعي أن نقدّر وأن نخفف من حدة المصاعب، بدلاً من تغذية ضغائننا وخلافاتنا. ولا يني شيحا يطالب بسياسة على مستوى العالم، ويرى أن الحركة التي تقوم بها الحضارات لخلاصها ستجر معها المتوسط والشرق الأوسط.
وكان شيحا قد عرض في مذكرة إلى جامعة الدول العربية في أحد اجتماعاتها (تشرين الأول/أكتوبر من العام 1947) واقع الغليان في العالم، وما يمكن أن يحصل في حال يأس الدول الكبرى وقلقها على مصيرها.
ويُذكر بأن هذا الشرق يبقى جغرافياً وسياسياً واستراتيجياً، كما كان منذ 6 آلاف سنة، "سُرّة العالم". ومن واجبنا في دفاعنا عن حقوقنا أن نضع في الحسبان طبيعة الأشياء وواجباتنا إزاء الكون (7).
يستدعي شيحا في كل مرة الإرث الثقافي والروحي الجامع لبلدان المتوسط، ولا سيّما مع اليونان وأوروبا. ويرى في تعليقه على كتاب رينه غروسيه (René Grousset) "إمبراطورية الشرق" إلى الصلة الهيلينية، وينقل عن الكاتب قوله بوجود حدود روحية وسياسية بين أوروبا وآسيا، ويعرّف القارة العجوز في صفة كونها بلداناً وريثة للثقافة الهيلينية.
ويثني شيحا على هذا الموقف، ويُذكر بأن ابن رشد كان قد شرح أرسطو كأعلم ما يكون. ويعتبر أن "مسألة الشرق" هي قصة طريق قامت حوله الحدود الروحية والسياسية، وتبدلت كشيء حيّ في حركة دائبة. ومن أجل "سلام في العالم"، يدعو إلى منحها أهمية في تعليم التاريخ (8).
سياسة متوسطية للسلام
يُشدّد شيحا على الشخصية التاريخية للمتوسط التي تبدت عبر العصور على المستوى السياسي، إذ إن كل بلد من المشاطئين أحس بنفسه متضامناً مع الآخرين، ولم يقف مبالياً إزاء ما يحدث.
وعلى الرغم من أن للبلدان كافة مصالح في المتوسط، ولكن ثمة بلداناً صاحبة اهتمام أكثر من غيرها بسبب وقوعها على واجهته. ولا معنى للحياد، في عرف شيحا، حتى ولو لم يكن هناك خطر داهم، فإن الإتفاق بين دول المتوسط حاجة ضرورية.
يبدو شيحا مهموماً بالسلام في المتوسط، لا بشيء آخر، بما يتلاءم ومصيره أو قدره الذي أملى "طريقة في التفكير وفي العيش".
إنه "بحر الحضارات" المتخالطة عن قرب منذ عقود. وهو لا يتحمل بسهولة الثورات والصدمات الكبرى. وهذا البحر مفتوح باستمرار، وأي انغلاق له يستتبعه انغلاق الفكر البشري. لذا، فإن التمترس خلف الأديان في المتوسط والدفاع عنها ينشران الإضطرابات والقلاقل، ويضعان الشمال والجنوب موضع النزاع.
يركز ميشال شيحا كثيراً على الحضارة بوصفها طريقة في العيش المشترك، يُكرسها ويُنميها الزمن.
والحري هو الدفاع عن المتوسط على مستوى الحضارات، ما ينسجم مع الذات والمنطق والاحتراس. وفي مواجهة رياح الانقسام، يدعو شيحا للتصدي برياح الإنسانية. ففي السياسة لا يتحد المسلمون وحدهم ولا المسيحيون وحدهم، بل يتحد الناس والشعوب القابلة للعناية الإلهية.
وفي أثناء مطالبته بسياسة متوسطية، ولا سيّما في مجال الدفاع، فإن شيحا يوجه عناية العرب، ممثلين بجامعتهم العربية، إلى ضرورة العودة إلى مقولة "المتوسط غير قابل للقسمة".
وبدلاً من الانصراف إلى الأدب، فلينصرفوا إلى الجغرافيا والتاريخ. فمن الأسهل لهم غذّ السير في الوادي الكبير منه في نهر "الغانج".
وعليه يجب التقريب بين المتوسطيين وتوحيدهم، مشدداً على روح الأخوة، تعاونها جلالة القوى الروحية (9).
وهو يعوّل كثيراً على بلدان شمال المتوسط، بسبب روابط التاريخ والتقليد، ولأن الضفتين تتنفسّان الهواء نفسه وتستمتعان بالمناظر نفسها منذ عقود.
الأساس الحضاري
يركز ميشال شيحا كثيراً على الحضارة بوصفها طريقة في العيش المشترك، يُكرسها ويُنميها الزمن. والخيرات الروحية والمادية المتراكمة بفعل هذه الحياة المجتمعية هي من يربط الأجيال بعضها ببعض. ويمكن للحضارة أن تُغطي قارة أو بحراً، وليست من صنع أمة أو منطقة وحدها. فثمة حضارات ذات قرابة، وحضارات صديقة، وحضارات معادية بعضها لبعض (10).
تبدو الحضارة الرومانية القديمة، التي كانت هي العالم في زمن ما، الأقدر من غيرها على فهم العالم، لأنها كانت تختار أباطرتها وحكامها حيث تجدهم، في إسبانيا وألمانيا وأفريقيا وآسيا. وخطأ الحكام هو في محاولة إخضاعهم الحضارة لسياسة بعينها، أي التلاعب على نحو درامي بالوسط البشري استجابة لمخطط، بدلاً من الاستجابة لتقليد وماضٍ مجيد، إذ يُعامل البشر على نحو سيئ وفاقاً لمقتضيات السياسات والاستراتيجيات.
ذلك أن الحضارة الحقيقية، في نظر شيحا، تحترم الحضارات الأخرى في الحرب والسلام، وترسخ في ذاكرتها كرامة الإنسان، ولا تضع الناس الذين يعيشون حول البحيرة نفسها في مواجهة بعضهم بعضاً.
المصادر والمراجع
(1) انظر: صلات بلا وصل، ميشال شيحا والأيديولوجيا اللبنانية ( بيروت، رياض الريس للنشر، 1999).
(2) صدر الكتاب عن مركز بيبلوس للدراسات.
(3) صحيفة "لوجور" (Le Jour ) 11 شباط/فبراير ، 1944.
(4) "لوجور" 24 أيار/مايو، 1951.
(5) Ibid, "La Belgique et le Liban", 22 Mars, 1945.
(6) Ibid, Le 24 April, 1945.
(7) Ibid, Le 22 juin, 1947.
(8) Ibid ,Le 24 Novemere, 1945.
(9) Ibid ,Le 31 Mars, 1951.
(10) Ibid, Le 3 Juin. 1951.





