من وحي قصة الفنون الجميلة في مدينة ليل الفرنسية
نحن أمة "اقرأ"، ومع ذلك تكاد مكتبات المنطقة العربية العامة تكون أطلالاً، ومجلاتنا الثقافية التي كانت يوماً منابر فكر حقيقية اندثرت أو توقفت عن الصدور أو باتت بوقاً للوزير وأشياعه.
قررت زيارة صديقي محمد هللو، الذي فقد عائلته بأكملها في غزة حتى لم يبق له أحد، باستثناء زوجته وأبنائه، وقد عاش حالة لا يمكن وصفها، خصوصاً في الأيام الأولى من المقتلة، حيث تم استهداف منزل عائلته في مخيم الشاطئ في الأيام الأولى من الإبادة، وقد كانوا يزورونه في منامه كل ليلة، طالبين منه إنقاذهم، فيستيقظ باكياً، يعيش حالة من الصدمة، ثم يأتيه أخوه الأصغر ليطمئنه أنهم بخير، منامات تسرقه من عالم إلى آخر.
المهم أنني كلما قررت الذهاب إلى بلجيكا أتوجه إلى صديقي الدمث محمد للاطمئنان عليه، حتى قرر في رحلتي الأخيرة دعوتي لزيارة قصر الفنون الجميلة بمدينة ليل الفرنسية القريبة من الحدود البلجيكية، ذهبنا بسيارته في مسافات تكشف معنى الحرية، حتى وصلنا إلى المدينة، وهناك وقفتُ أمام لوحة لم تكن الأكبر في القاعة ولا الأكثر ضجيجاً، لكنها كانت الأكثر جرأة.
واللوحات كثيرة، رجل يتألم بلا قناع، جسد معلّق بين العذاب والقداسة، وجه لا يخفي شيئاً، كأن الرسام لم يفكر وهو يمسك بفرشاته قبل قرون، أن عليه أن يخفف من وطأة الألم أو يستبدل الصليب برمز أهون. وهنا كان السؤال الأول الذي راودني: الدين والهوية؟ حيث رسم دينه كما هو: ثقيلاً، حاضراً، بلا اعتذار.
وفي القاعة المجاورة، معركة أخرى: خيول تصهل، رجال يسقطون، وامرأة في المقدمة ترفع ذراعها بل لتقود المعركة كالنساء الفلسطينيات والمقاومات في كل مكان. لم تكن جسداً موارباً خلف الرمزية، كانت حضوراً كاملاً: تقرر، تغضب، تتقدم.
وكنت كلما خرجت من قاعة أسأل نفسي: لماذا نخاف نحن مما لا يخاف منه هؤلاء؟ ديننا الذي نحمله كسرّ نستحي منه في المحافل "المتحضرة"، أو نرفعه شعاراً فارغاً في المحافل الأخرى، من دون أن نجرؤ على النظر إليه كما هو. تجربة إنسانية مثقلة بالمعنى، تستحق أن تروى لا أن يتم إخفاؤها أو استغلالها. وحروبنا التي لا نملك حتى شجاعة تسميتها. نقول "الأحداث" أو نقول "التوترات"، ونادراً ما نقول "مقاومة" من دون أن نستدرك بجملة اعتذارية. فيما يحمّل الجهلة والفشلة أخاهم المناضل وزر الدم الذي سال، وننسى أن من صنع المشهد كله ليس يده الطاهرة، بل منظومة استعمارية أكبر منه بكثير، وجدت في "دولة" الاحتلال أداة وظيفية تتمّ إدارتها من بعيد فيما تقوم بحمايتها النظم الشمولية. هناك في القصر كان الرسّام الأوروبي يرسم معركته كمجد، فيما نرسم معركتنا كخطيئة.
ربما، لم يكن الأمر متعلقاً بأننا شعب بلا مقاومة حقيقية أو بلا تاريخ يستحق أن يتم رسمه، بل بأننا تعلمنا، جيلاً بعد جيل، أن ندافع عن حقنا في الوجود قبل أن ندافع عن حقنا في تسمية ما يجري. أن نسجل ونرسم قبل أن نروي، كما فعل غسان كنفاني وناجي العلي وفتحي غبن وسليمان منصور رحمهم الله. (وهنا دعونا نترحم على صاحب "جمل المحامل"، الفنان الفلسطيني الكبير، سليمان منصور).
وحتى المرأة، حين نرسمها أو نكتبها، كثيراً ما نجعلها وعاء للشرف، للأرض، للحنين ونادراً ما نتركها تقف وحدها، كما وقفت تلك المرأة في اللوحة، لا ترمز إلى شيء غير ذاتها. وهذا كله يقود إلى شيء أعمق من الفن نفسه، بأننا وبكل صدق نعمد في أغلب ما ننتجه إلى المواربة، إلى تجميل الجرح بدل النظر إليه، بينما الفن الذي رأيته هناك كان يواجه القبح والدم والجسد المنهك من دون أن يستعير له ثوباً أجمل.
لكن المشهد الذي بقي معي أطول من كل اللوحات كان في زاوية هادئة، بعيداً من الأضواء: بعض حراس الأمن، ببزّاتهم الرسمية الكحلية، يجلسون على كراسيهم ويقرأون كتباً. لم يكونوا يتظاهرون، ولم يكونوا يقرأون لأن أحداً يراقبهم. كانوا يقرأون لأنهم ببساطة من عادتهم القراءة. وقفت أمام واحدة منهم، أكثر مما وقفت أمام أي عمل فني وسألت نفسي سؤالاً لا علاقة له بالفن: من الذي دمر القارئ عندنا؟
ليس سؤالاً بلاغياً أريد به تزيين المقال، بل سؤال يوجعني كل مرة أرى فيها شاباً عربياً يعتذر عن كونه لا يقرأ، وكأن التقصير تقصيره وحده، وليس تقصير دولة كاملة تركته بلا مكتبة قريبة، وبلا كتاب رخيص، في حين كانت تلك الأنظمة تنفق كل المال على الأمن والعسكر.
نحن أمة "اقرأ"، ومع ذلك تكاد مكتبات المنطقة العربية العامة تكون أطلالاً، ومجلاتنا الثقافية التي كانت يوماً منابر فكر حقيقية اندثرت أو توقفت عن الصدور أو باتت بوقاً للوزير وأشياعه.
تقارير دولية متكررة تقول إن ما تتم ترجمته في العالم العربي كله خلال عام كامل لا يوازي ما تترجمه دولة أوروبية واحدة متوسطة الحجم في أسابيع معدودة. وليست المشكلة أن القارئ العربي لا يحب القراءة، فهذا اتهام ظالم، لكن المشكلة أن المؤسسة الرسمية المنوط بها بناء الوعي، لا تهتم بذلك، فهي لا تبني في كل حي مكتبة ولكنها تزرع رجل أمن، ولا تصدر مجلة يمكن بيعها بثمن رمزي، ولا تهتم برواتب المعلمين أو بناء المدارس التي تعلمه أن يسأل الكتاب بدل أن يحفظه، دول لم تبصر في القارئ استثماراً يستحق ميزانية، بل خطراً يستحق المراقبة أكثر مما يستحق التشجيع؛ فالقارئ يسأل والسائل يقلق كل سلطة لا تملك أجوبة.
وفي غزة تحديداً، حيث كانت المكتبات والمراكز الثقافية تبنى بصبر عبر سنوات، كانت الحرب تهدمها في ساعات، مثل ما جرى مع المكتبة الوطنية ومؤسسة سعيد المسحال ومكتبة رشاد الشوا الثقافية ومعظم المكتبات العامة والخاصة، وليس آخرها بيتي ومكتبتي الضخمة التي كان يسكنها أكثر من 2000 عنوان.
خرجت من قصر الفنون الجميلة في مدينة ليل الأجمل، بسؤال لا يمكن لأي لوحة أن تجيب عنه: كيف لأمة صنعت الحرف أن تفرّط في القارئ؟ كيف لأمة صنعت كل ما نراه اليوم تذوي وتحتضر؟ وكيف لشعب يصارع من أجل إثبات وجوده كل يوم ألا يقرأ، رغم أن الأنظمة العربية في الحقيقة لم تمنحه منذ عقود غرفة هادئة وكتاباً ومصباحاً؟
الحرّاس الذين رأيتهم لم يكونوا يملكون شيئاً استثنائياً؛ بل كانوا يملكون فقط ما حرم منه كثيرون عندنا: يمتلكون وقتاً ومكتبة لا تقصف، ودولة لم تجعل من الكتاب ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد النجاة.

