من برّ الشام إلى المحروسة: تاريخ الحضور الشامي واللبناني في مصر

من التجارة وصولاً إلى الحياة الثقافية والنهضة العربية. أي دور لعبه "الشوام" في هجرتهم إلى مصر خلال قرون؟

تجمع مصر ببلاد الشام، المعروفة في اللهجة المصرية باسم "برّ الشام"، علاقة امتداد طبيعي وبعد استراتيجي تعود إلى أقدم العصور، وهو ما جعل من هجرة الشوام إلى مصر حركة انتقال طبيعية داخل فضاء جغرافي واحد، تحكمه روابط تاريخية واقتصادية وثقافية مشتركة.

وقد جاء النشاط التجاري في مقدمة الأسباب المباشرة التي دفعت الشوام، ولا سيما اللبنانيين منهم، إلى الهجرة نحو مصر. إذ كانت مصر على الدوام مركزاً تجارياً محورياً يربط بين المشرق والمغرب، ومعبراً رئيسياً لحركة التبادل التجاري والاستثمارات الاقتصادية. وقد جعلها هذا الموقع ملاذاً لكثير من أبناء المجتمع الشامي الذين ضاقت بهم سبل العيش في فترات الأزمات الاقتصادية، أو الذين اندفعوا بحثاً عن مصادر الثروة، أو فراراً من قسوة الولاة والملتزمين وجباة الضرائب.

وكان كلما اشتد الاضطهاد الديني وتزايدت الصراعات في بلاد الشام، ارتفعت أعداد المهاجرين الشوام إلى مصر، إلى جانب أعداد كبيرة من الطلاب والعلماء الذين قصدوا "المحروسة" للالتحاق بالأزهر وطلب العلم، ثم عاد بعضهم إلى بلادهم ليتولّوا مناصب الإفتاء والتدريس وغيرها من الوظائف الدينية والعلمية، في حين طاب المقام للبعض الآخر فاختاروا الاستقرار الدائم في مصر.

هكذا، وعلى امتداد قرون طويلة، تهيأت الظروف في مصر لاستقبال الشوام واللبنانيين، فانفتح المجال أمامهم، ووفدوا إليها بأعداد متزايدة، ولعبوا أدواراً بارزة في مختلف المجالات. فقد شاركوا في الأنشطة الاقتصادية والثقافية كافة، وكوّنوا ثروات كبيرة من خلال تجارتهم في السلع التي شكّلت عصب الاقتصاد المصري آنذاك، مثل الأرز والقطن والحرير والتوابل، كما أنشأوا وكالات تجارية خاصة بهم. وتمكّن اللبنانيون على وجه الخصوص من إقامة صلات وثيقة بالمجتمع المصري، تجلّت في المصاهرة والزواج بينهم وبين مختلف طوائف المجتمع.

  • كانت القاهرة المركز الأهم لاستقطاب الشوام واللبنانيين في مصر
    كانت القاهرة المركز الأهم لاستقطاب الشوام واللبنانيين في مصر

يذكر الكاتب اللبناني، مسعود ضاهر، في كتاب "هجرة الشوام" أن منتصف القرن الــ 19 شهد حضوراً لافتاً للشوام واللبنانيين في مصر، حيث تزايدت أعدادهم تدريجياً، ويشير بعض التقديرات إلى أن عددهم بلغ عشرات الآلاف، وربما وصل إلى نحو 100 ألف نسمة في القرن العشرين، مع اختلاف الأرقام تبعاً لتنوع المصادر، وقد انحدر هؤلاء من مختلف المدن والطوائف في بلاد الشام.

كما أبدى عدد من أصحاب السلطة السياسية في مصر إعجابه بنشاط اللبنانيين ودورهم المؤثر في النهضة الثقافية خلال القرن الــ 19، إذ عُدّت إسهاماتهم جزءاً أصيلاً من حركة النهضة العربية، التي شاركوا فيها في شتى الحقول الفكرية والمعرفية، كمفكرين وأدباء وشعراء وصحافيين وسياسيين، بل إن بعضهم وصل إلى مراكز نفوذ كان لها تأثير ملموس في القرار السياسي المصري.

صور من الحياة الاجتماعية للشوام واللبنانيين في مصر

  • بشارة تقلا وجريدة الأهرام
    بشارة تقلا وجريدة الأهرام

لم يواجه الشوام صعوبات كبيرة حالت دون اندماجهم في المجتمع المصري، كما لم ينظر إليهم المصريون باعتبارهم غرباء، على خلاف ما كان سائداً تجاه بعض الجاليات الأجنبية الأخرى. وقد ساعدت اللغة المشتركة، والعادات الشرقية المتقاربة، والروابط التاريخية المتجذرة بين مصر وبلاد الشام، على قيام علاقات طبيعية وودية في مجملها.

وعمل الشوام على إنشاء مؤسسات خيرية متعددة في مصر، قدمت خدماتها لأبناء الجالية الشامية والمصريين على حد سواء، من خلال دعم المهاجرين الجدد والفقراء، وتقديم المساعدات المالية والعينية، وتوفير فرص التعليم المجاني في المدارس التابعة لها، فضلاً عن تقديم خدمات خيرية للفقراء داخل المجتمع المصري عامة.

إلى جانب ذلك، أسس الشوام عدداً من الأندية الاجتماعية التي مثّلت وسيلة للتواصل بين المهاجرين الشوام أنفسهم، وبينهم وبين أبناء المجتمع المصري. وقد انصبت أنشطة هذه الأندية على الجوانب الاجتماعية، حيث كانت ملتقى للعائلات الشامية في الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، بما في ذلك مراسم الوفاة، واحتفالات الولادة، والخطوبة، والزواج.

ويُعد الزواج من أكثر النظم الاجتماعية التي أسهمت في ترابط الشوام في ما بينهم، ومن ثم اندماجهم مع فئات المجتمع المصري الأخرى، سواء من خلال الزواج الداخلي بين أبناء المدن الشامية نفسها، أم عبر الزواج من المصريين، وهو ما يعكس عمق اندماج الأسرة الشامية داخل النسيج الاجتماعي المصري.

الحضور الاقتصادي الطاغي للشوام واللبنانيين في مصر

  • شكّل الشوام واللبنانيون أحد الأعمدة الأساسية للنشاط التجاري في مدينة دمياط
    شكّل الشوام واللبنانيون أحد الأعمدة الأساسية للنشاط التجاري في مدينة دمياط

كانت مظاهر الحياة في مدينة دمياط، الميناء الشرقي على الساحل المصري، متشابهة إلى حد بعيد مع مظاهر الحياة الاجتماعية في مدن الساحل اللبناني، فضلاً عن التقارب الجغرافي، ما جعل دمياط المحطة الأولى والأهم لاستقرار الشوام في مصر. فقد قصدها الشوام رغبة في التجارة وصناعة الثروة. إذ كانت تجمع في أسواقها أقمشة الهند، وحرير لبنان، والملح، وأكوام الأرزّ، وتمتعت بتجارة واسعة مع سوريا وقبرص ومرسيليا.

ومنذ قرون طويلة، لعب الشوام في دمياط دوراً محورياً في ربط تجارة مصر وامتداداتها الأفريقية بتجارة بلاد الشام وامتداداتها الآسيوية، وكان اللبنانيون المقيمون في دمياط على وجه الخصوص يتحملون العبء الأكبر لتجارة الترانزيت.

ففي أواخر القرن الـــ 18، كانت تصل إلى دمياط قوافل صغيرة من دمشق محمّلة بالأقمشة الحريرية والقطنية، والزيوت، والفواكه المجففة، كما كانت السفن التجارية، في فترات الطقس المعتدل، تجلب التبغ من اللاذقية مقابل تصدير الأرزّ.

وعلى هذا النحو، شكّل الشوام واللبنانيون أحد الأعمدة الأساسية للنشاط التجاري في المدينة. ومع تولّي محمد علي باشا الحكم في مصر عام 1805، أولى اهتماماً متزايداً بميناء الإسكندرية وسعى إلى تركيز النشاط التجاري فيه، ما أدى إلى انتعاش الإسكندرية على حساب دمياط. غير أن تحالفه لاحقاً مع الأمير بشير الثاني الشهابي، حاكم جبل لبنان، عقب زيارته لمصر عام 1823، أسهم في تنشيط موجات الهجرة من لبنان إلى دمياط من جديد.

وفي الوقت ذاته، استقر عدد كبير من الشوام في الإسكندرية، حيث انخرطوا في أعمال الصيرفة، والصياغة، وتجارة الدخان والأقطان، وأعمال البورصة، وبرزت فيها عائلات شامية ثرية امتلكت عقارات واسعة، من بينها عائلة كرم الطرابلسي التي اشتهرت بتجارة الأخشاب.

أما القاهرة، فقد كانت المركز الأهم لاستقطاب الشوام واللبنانيين في مصر. إذ بلغ عددهم فيها خلال فترة الحملة الفرنسية نحو 5 آلاف شخص، استقروا للعمل في التجارة أو ممارسة الحرف التقليدية. حتى أن المتتبع لخريطة القاهرة التاريخية يكاد لا يجد حيّاً من أحيائها يخلو من الوجود الشامي.

واستمرت القاهرة في لعب هذا الدور الجاذب، ولا سيما بعد التوسع العمراني والاقتصادي الكبير في النصف الثاني من القرن الــ 19، حيث تنوعت فرص العمل والتجارة، فانخرط الشوام في الإدارات والوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات والبنوك، وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء، مثل حبيب لطف الله الذي جمع ثروته من زراعة الأقطان وتجارته، حتى تمكن من شراء قصر كان مملوكاً للخديوي إسماعيل.

الإسهامات الثقافية للشوام في مصر

  • أبو خليل القباني
    أبو خليل القباني

شكّل وجود الشوام واللبنانيين في مصر خلال القرن الـــ 19 مظهراً بارزاً من مظاهر النهضة الثقافية المصرية، لما قدموه من إسهامات مهمة في مختلف المجالات الفكرية والمعرفية. وقد تجلّت هذه الإسهامات أولاً في تأسيس الجمعيات العلمية والأدبية، وعلى رأسها جمعية "رواق الشام" التي أُسست عام 1873، واهتمت بتطوير الخطابة والشعر والأدب، ونظّمت العديد من الندوات التي شارك فيها كبار الأدباء والشعراء.

كما ارتبطت حركة الطباعة ونشر الكتب في مصر ارتباطاً وثيقاً بالحضور الشامي، فإلى جانب مطبعة بولاق التي أُنشئت عام 1821 تقريباً، ظهرت المطبعة الميمنية عام 1859 على يد الشيخ أحمد البابي الحلبي، والتي عنيت بطباعة الموسوعات والكتب التراثية الأدبية والدينية.

وكان للشوام واللبنانيين دور ريادي في مجال الصحافة المصرية، إذ ارتبطت نشأتها الأولى بالمهاجرين الشوام، وكان معظم روادها الأوائل من بينهم، مثل سليم حموي وبشارة تقلا. وقد تعزز هذا الدور في عهد الخديوي إسماعيل الذي شجع الصحافيين الشوام على الهجرة إلى مصر، فأسهموا في تطوير الصحافة وازدهارها، وأسسوا وأداروا كبريات الصحف والمجلات، مثل "المنار" و"المقتطف" و"الضياء".

وواكب الشوام كذلك نشوء حركة الترجمة في مصر منذ بداياتها، وبرز أثرهم منذ مجيء الحملة الفرنسية عام 1798، حين استعان الفرنسيون بعدد من المترجمين الشوام لإتقانهم اللغتين العربية والفرنسية. كما اعتمد عليهم محمد علي باشا في تشكيل فرق الترجمة، ومن أشهرهم يوسف روفائيل ويوسف عنحوري. ومع مرور الوقت، انتقلت حركة الترجمة من المجال الإداري والعسكري إلى ميادين العلوم والآداب والفنون، وعلى رأسها المسرح الأوروبي.

وقد كان لنشأة الفن المسرحي في مصر فضل كبير يعود إلى جهود الفرق التمثيلية الشامية التي هاجرت إلى مصر منذ النصف الثاني من القرن الـــ 19، حيث انصبّت الجهود على ترجمة المسرحيات الأوروبية، وتأسيس الفرق المسرحية التي قدمتها للجمهور المصري، مثل فرقة سليم النقاش، وفرقة أحمد أبو خليل القباني، وفرقة إسكندر فرح.

المراجع والمصادر

- سمير عمر إبراهيم، الحياة الاجتماعية في القاهرة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، 1992م

- السيد سمير عبد المقصود، الشوام في مصر منذ الفتح العثماني حتى أوائل القرن التاسع عشر، 2003م

- ماهر سعيد درويش، هجرة الشوام إلى مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، 2009م

- مسعود ضاهر، هجرة الشوام (الهجرة اللبنانية إلى مصر)، 2003م

- ميكل ونتر، المجتمع المصري تحت الحكم العثماني، ترجمة إبراهيم محمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001م

اخترنا لك