من القَطيف إلى الجَرِين: طقوس الحصاد في الثقافة اليمنية

كيف تحوّلت مرحلة الحصاد في اليمن من عمل فردي إلى نظام جماعي تحكمه الأعراف؟ ولماذا ظهر دور "الحامي" في الأودية اليمنية؟

لا يزال العمل الزراعي واحداً من أهم المكوّنات الرئيسة، التي تتشكَّلُ بها الهوية اليمنية؛ فمنذ أقدم العصور حتى اللحظة الراهنة، لا تزال الزراعة مصدرَ دخلٍ مهمّاً في حياة كثير من اليمنيين، وبوجه خاص حياة أولئك المقيمين في المجتمع الريفي، الذي يُعدّ الأكثر كثافةً سكانية من المجتمع الحضري.

لذلك؛ فإن هذا العمل يُعدّ واحداً من أهم أبعاد الثقافة الشعبية في اليمن، بما له من حضور حيوي في عادات اليمنيين وتقاليدهم. إذ تتميّز كل مرحلة من مراحله بأعرافها الخاصة بها، بدءاً من مرحلة تهيئة الأرض لزراعتها، وانتهاءً بمرحلة الحصاد، التي سنتطرّق هنا إلى أهم التقاليد والعادات الاجتماعية المرتبطة بها.

"القَطِيْف" و"الجَرِيْن"

تحيل المحكية اليمنية على مرحلة الحصاد، بمصطلح "الصِّراب"[1]. كما تحيل بمصطلحات شعبية متعددة، على الإجراءات المختلفة، التي تقوم عليها هذه المرحلة الزراعية.

تبدأ مرحلة الحصاد في اليمن من قطع سيقان الزرع، وقبل ذلك، أو بمعيته، تأتي عملية "القَطِيْف"، المتعلقة بإجراءات قطف الثمار، وفصلها عن الجذوع، وصولاً إلى العملية الأخيرة المتمثّلة في تجفيف الثمار ودرْسها، بما هي عليه من خصوصية وتقاليد، ومواصفات خاصة، لا بد أن يتم العمل على توافرها مسبقاً، في المكان الذي ستُجرَى فيه تفاصيلها.

تختلف صيغ الدلالة على مكان درس الثمار، من منطقة إلى أخرى. وعلى ذلك، يجمعها الجذر اللغوي الذي جاء اشتقاقُها منه على صيغٍ متعددة، من أههما: "الجِرْن"، و"الجَرِيْن"، و"المِجْرَان". تحيل جميعُها على مكان هذه العملية، بوصفه "قطعة من مساحة متماسكة جدّاً، تُعدّ خصيصاً لهذا الغرض عن طريق رصّها بالحجارة التي تشبه البلاط، أو زرعها بالحشائش القصيرة، التي تزيد من تماسكها"[2]. ويغلب على هذا المكان أن يكون على مقربة من القرية بعيداً عن المزرعة. كما يمكن أن يكون في طرف المزرعة نفسها، بعد أن تتم تسويته واتخاذ الإجراءات اللازمة، التي تؤهله إلى ما يتناسب مع تفاصيل العمل فيه.

بعد الاطمئنان إلى أنها لم تعد بحاجة إلى تجفيف إضافي، يبدأ العمل على الثمار في هذا المكان، الذي تحيل المحكية على العمل فيه بمصطلح "اللَّبْج"، ومعناه العام الضّرب [3]، بهراوة مثنية المقبض، خاصة بهذا الإجراء، تُعرف في المحكية باسم "مَلْبَجْ"، والجمع منه "مَلابِج".

أمّا المعنى الخاص لهذا المصطلح، فيتمثّل في دلالته على عملية درْس الثمار، من خلال إحالته على ما يقوم به العاملون، من توجيه ضربات متتالية رتيبة، إلى كل ما يتم إدخاله من السنابل المثمرة إلى المكان المخصص بهذا الإجراء، فتفضي تلك الضربات إلى فصل الحبوب عن سنابلها، مع اختلاطها بما يتبقى من شوائب تلك السنابل. عندها لا مناص من الانتقال إلى الإجراء الآخر، الذي يقوم فيه كل عامل، بملء وعاء معين، بالحبوب وما اختلطت به من بقايا الشوائب. ثم يرفعه بيديه إلى أعلى من رأسه، ويسكب ما فيه بطريقة محسوبة ومتقنة، يحرص فيها على أن تأخذ الريح الشوائب، وتسقط الحبوب على أرض المكان ليتم جمعها خالصةً إلى أكياس خاصة بها.

ولعل من أهم تقاليد هذه المرحلة في اليمن أن العمل فيها يغلب عليه أن يقوم به رجال الأسرة ونساؤها. وإن استدعت الحاجة إلى من يساعدهم في ذلك، فلا ضير من الاستعانة بآخرين رجالاً ونساء، مقابل أجرٍ يُقرّه العُرف وفقَ نظامٍ متّفقٌ عليه وعلى مقداره، تتعارف المحكية عليه باصطلاح "العين"، ويتم دفعه في نهاية يوم العمل، وهو "عبارة عن حمولة ما يستطيع حمله الشخص رجلاً كان أو امرأة إلى بيته من المحصول الذي ظل يعمل فيه من ثمر وجذور" [4].

"الحامي" من العبث

  • يتولّى
    يتولّى "الحامي" مهمة الإشراف على مزارع الوادي وحمايتها

يغلب على مزارع اليمنيين المتجاورة في كل واد من الأودية المشتركة بينهم، أنها غير مفصولة عن بعضها إلّا بارتفاعِ ما يكفي من التراب؛ لتحديد معالم كل مزرعة. لذلك؛ لا حواجز بينها، ولا سياجات حماية خاصة بكل واحدة منها، بل لا وجود لهذه السياجات حتى على مستوى الوادي؛ فإن كان من الصعب أن يقوم كل فلاح بتسوير مزرعته، فإن ذلك أصعب ما يكون في حال ما رغبوا، في عمل أي نوع من أنواع الحماية الشاملة للوادي كله.

ولا شك في أن محاصيل الوادي، وهو على هذه الحال، ستكون عرضة للعبث وإلحاق الضرر بها، بطرق مباشرة وغير مباشرة، منها أن تعبث بها المواشي، أو يعبث بها المارة، أو تكون عرضة للأضرار، التي يتسبب فيها أصحاب المزارع أنفسهم، بطرق مقصودة أو غير مقصودة، كأن يتسبّب مرورُ أحدهم بمواشيه إلى مزرعته في إلحاق الضرر بمزارع غيره، والأمر نفسه حينما يتردد أحدهم على مزرعته للعناية بها، ناهيك عن استحالة أن يقوم كل شخص، على حدة،ـ بحماية مزرعته. إذ غالباً ما تكون مزارع الأودية بعيدة عن القرى ومنازل أصحابها.

هذه المخاطر التي تهدد المحاصيل الزراعية، اقتضت تدبيراً عُرفيّاً، لم يزل متوارثاً في الثقافة الشعبية وتقاليدها السائدة. يقوم في جوهره على اتفاقٍ يُبرم بين مزارعي الوادي، يقضي بتكليف شخص يُعرف باسم "الحامي"، يتولّى مهمة الإشراف على مزارع الوادي وحمايتها، كما يُلزمهم هذا العُرف بأن يمتنعوا، هم وأطفالهم ونساؤهم وحيواناتهم، عن الوصول إلى مزارعهم. ويظل ذاك الشخص هو وحده مَن يقرر متى يستطيع أحدهم فعل ذلك، بعد أن يطمئن إلى أن الأمر لن يتسبب في الإضرار بالمحاصيل الزراعية. وبذلك يؤدي "حامي" الوادي دوره المهمّ هذا مقابل قدْر محدود من المحاصيل، يتّفق عليه أصحاب مزارع الوادي.

الحصاد الجماعيّ لا الفردي

  • يتجلّى الفعل الجمعي من خلال آلية العمل التي يُقرّها العُرف
    يتجلّى الفعل الجمعي من خلال آلية العمل التي يُقرّها العُرف

اللافت في تقاليد مرحلة الحصاد في المجتمع اليمني، أنها تنحو منحىً جمعيّاً لا فرديّاً اتّساقاً مع كثير من أعراف الزراعة في اليمن. ففي هذه المرحلة لا يُسمح في كثير من المناطق لأيّ شخصٍ أن يحصد محصول مزرعته متى شاء بصورة فردية؛ لأن ذلك، إن قام بفعله، سيتسبب في الإضرار بمحاصيل غيره، سواء تلك التي لا تزال بحاجة إلى وقت حتى تنضج، أو تلك التي لم يبدأ أصحابها بالعمل على حصادها. وبذلك، فما على كل فلّاح إلّا الالتزام بما سيجري الاتفاق عليه من آلية العمل، حتى في حال ما كان محصوله هو الأسبق نضجاً.

وهنا يتجلّى الفعل الجمعي، من خلال آلية العمل التي يُقرّها العُرف، ويعمل على تنفيذها. إذ يعقد أصحاب مزارع الوادي جلسة يتداولون فيها الأمر، ويصلون إلى التوافق على تحديد أيّام الحصاد، وتوزيعها على جهات الوادي كلها، كأن يتم إقرار يومين لحصاد كل جهة. وفي الأيام المحددة لحصاد كل جهة من جهات الوادي، يجتمع أصحاب مزارعها، ويقومون بحصادها بشكل جماعي.

إن أهم ما يمكن ملاحظته، على مرجعية نشأة تقاليد هذه المرحلة الزراعية في اليمن، استنادها إلى سياقين: موضوعي، وأنثروبولوجي. أمّا الأول فيتعلّق بطبيعة المزارع اليمنية المتجاورة، غير المحاطة بسياجات تفصل مزرعة كل فلاح عن مزرعة جاره.

أما الآخر فخاصّ بمركزية العمل الزراعي في حياة اليمنيين منذ القدم. إذ أفضت هذه المركزية إلى التعاطي معه، بوصفه نسق حياةٍ لا بد من تأمينه، بما يعمل على استمراره؛ لتستمر حياة المجتمع المعتمد عليه، فكانت التقاليد الشعبية هي الأكثر قدرة على تحقيق ذلك، من خلال ما كرّستْه من أعراف حيوية، تتوارثها الأجيال وتلتزم بها، انتصاراً لقيمة الحياة واحتفاءً بعوامل استمرارها.

[1] "الصِّراب": كلمة عربية يمنية قديمة. وأصلها: صَرَبَ، بمعنى قطَعَ. وقد وردت بهذا المعنى في لغة النقوش اليمنية القديمة. يُنظر: مطهر علي الإرياني، "المعجم اليمني (أ) في اللغة والتراث، حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية". ط1، دار الفكر، دمشق، 1996، ص 542.
[2] حمود العودي، "التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية في البلاد النامية، دراسة تطبيقية عن المجتمع اليمني". ط2، دار العودة، بيروت، 1986، ص 142.
[3] يُنظر: مطهر الإرياني، "المعجم اليمني". المرجع السابق، ص 794.
[4] حمود العودي، "التراث الشعبي". المرجع السابق، ص 142.

اخترنا لك