من الرواية إلى "الريل".. كيف تغيّر شكل الحكاية؟
كيف غيّر "الريل" شكل الحكاية؟ وهل أصبح السرد أكثر ديمقراطية بفضل الفيديو القصير، أم أكثر خضوعاً لسلطة الخوارزمية؟
مفارقة زمنية يعيشها قارئ اليوم، ففي لحظة ما، لم يعد بحاجة لأن ينتظر مئات الصفحات حتى يغوص في حكاية، بل صار يكفيه أن يمرّر إصبعه على شاشة هاتفه ليلتقط قصة في 30 ثانية. هذه المفارقة ليست حدثاً سردياً عابراً، بل هي تحوّل عميق في بنية السرد ذاته: من الرواية بوصفها زمناً ممتداً، إلى "الريل" باعتباره ومضة خاطفة. وبين هذين الشكلين، لا تتغيّر وسائط الحكي فقط، بل أيضاً شروطه، إيقاعه، وربما معناه.
الرواية، تاريخياً، هي فن الزمن الطويل، تقوم على التراكم، وبناء الشخصيات، وتطوّر الحبكة عبر مساحات من التأمل والانتظار. أما الفيديو القصير أو ما يسمى بلغة التقنية الحديثة "الريل"، والذي تعتمد عليه كثيراً منصات مثل "تيك توك"، و"إنستغرام"، و"فيسبوك"، فيعيد تعريف الزمن بوصفه وحدة مكثفة وسريعة.
ورغم أن الحدود التقنية لهذه الفيديوهات أصبحت في بعض المنصات أطول من دقيقة واحدة، فإن منطقها السردي ما زال يقوم غالباً على التكثيف، والخطف السريع للانتباه، والاستهلاك المتتابع.
إدراك الزمن
إحدى الدراسات الحديثة بعنوان "استخدام الفيديوهات القصيرة والانتباه المستمر: مراجعة سردية 2019-2025" للباحث كيث روبيرت هيد، تشير إلى أن هذا الشكل لا يختصر الزمن فقط، بل قد يعيد تشكيل طريقة إدراكه. فالمحتوى القصير يُقدَّم في تدفّق متواصل وسريع، حيث تعرض المنصات سلسلة من المقاطع القصيرة المتتابعة، ما يخلق علاقة مختلفة مع الزمن: زمن بلا فواصل واضحة، وبلا انتظار طويل، وبلا حاجة كبيرة إلى التذكّر أو التراكم.
لم يعد السرد لغوياً فقط، وبات المعنى يُبنى عبر تداخل الحواس. كما أصبحت القصة تُفهم بالإحساس بقدر ما تُفهم بالكلمات، وهذا ما يمكن أن نختصره بالقول: إنه انتقال من القراءة إلى التجربة.
هذا التحوّل لا يمرّ بلا أثر. إذ تشير الدراسة نفسها إلى أن الاستخدام المكثف للفيديوهات القصيرة قد يرتبط بتراجع القدرة على التركيز المستمر، نتيجة الاعتياد على الإيقاع السريع والتبدّل الدائم للمحتوى. بمعنى آخر، لم يعد السرد الطويل فقط أقل جاذبية لدى بعض المستخدمين، بل قد يصبح أصعب تحمُّلاً عند من اعتادوا الإشباع الفوري والتبدّل السريع.
اقتصاد الانتباه
في الرواية، كان الكاتب يملك سلطة الإيقاع: يبطئ، يسرّع، يطيل الوصف أو يختزله. أما في "الريل"، فهذه السلطة انتقلت جزئياً إلى الخوارزمية. خاصة أن المنصات الرقمية لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد ترتيبه وفق معايير الانتباه، بما يشجع المستخدم على البقاء أطول وقت ممكن أمام تدفّق الفيديوهات.
وقد أظهرت دراسة تحليلية بعنوان "تحليل تفاعل المستخدمين مع توصيات الفيديو القصير على "تيك توك" باستخدام البيانات المُتبرَّع بها"، وهي دراسة منشورة على منصة "أركايف" البحثية ومقدمة في "مؤتمر التفاعل بين الإنسان والحاسوب" عام 2024، أن أنظمة التوصية في الفيديو القصير تدفع المستخدمين إلى استهلاك متزايد للمحتوى عبر تدفّق مستمر من المقاطع المصمّمة وفق تفضيلاتهم وسلوكهم السابق.
أحد أبرز التحولات هو الانتقال من الحبكة إلى اللحظة. الرواية تبني عالماً، بينما يلتقط "الريل" لحظة مكثفة داخله.
هنا، تصبح الحكاية خاضعة لشروط جديدة: يجب أن تخطف الانتباه في الثواني الأولى، وأن تقدّم مكافأة سريعة مثل ضحكة، صدمة، أو معلومة، وأن تنتهي قبل أن يملّ المشاهد منها. هذا ما يسميه الباحثون "اقتصاد الانتباه"، حيث لا تتنافس القصص على الجودة فقط، بل أيضاً على قدرتها على البقاء في دائرة التركيز القصير.
من الحبكة إلى اللحظة
أحد أبرز التحولات هو الانتقال من الحبكة إلى اللحظة. الرواية تبني عالماً، بينما يلتقط "الريل" لحظة مكثفة داخله.
دراسة بعنوان "قوة السرد القصصي في استثمار محتوى "تيك توك" القصير: دراسة نوعية" للباحثة آن داو كيم، أجرتها لصالح جامعة توماس باتا في التشيك، تشير إلى أن النجاح في هذا النوع من المحتوى لا يعتمد بالضرورة على التعقيد السردي، بل على القدرة على خلق تجربة فورية تؤثر في المتلقي بسرعة.
ورغم أن الدراسة تنطلق من سياق تسويقي مرتبط بتوظيف السرد في محتوى "تيك توك"، فإن خلاصتها تساعد على فهم طبيعة السرد القصير عموماً: القصة لم تعد دائماً سلسلة أحداث مترابطة، بل قد تتحول إلى "ضربة واحدة" مركّزة.
أصبحت الحكاية خاضعة لشروط جديدة: يجب أن تخطف الانتباه في الثواني الأولى، وأن تقدّم مكافأة سريعة مثل ضحكة، صدمة، أو معلومة، وأن تنتهي قبل أن يملّ المشاهد منها. هذا ما يسميه الباحثون "اقتصاد الانتباه"، حيث لا تتنافس القصص على الجودة فقط، بل أيضاً على قدرتها على البقاء في دائرة التركيز القصير.
هذا التحول يغيّر بنية السرد: بداية مباشرة من دون تمهيد، ثم تصاعد سريع أو مفاجأة فورية، وبعدها نهاية حاسمة أو مفتوحة على التفاعل، ما يجعلها أقرب إلى ومضة شعرية منها إلى رواية.
ذلك أن الرواية تعتمد أساساً على اللغة. أما الفيديو القصير فهو سرد متعدد الوسائط: صورة، صوت، نص، وإيماءة.
وضمن بحث حديث منشور على "أركايف" بعنوان "تفسير التواصل متعدد الوسائط على نطاق واسع في الفيديو القصير"، يظهر أن التفاعل لا يتحدد بالكلمات فقط، بل بتداخل العناصر البصرية والصوتية معاً. إذ يمكن لتعبير الوجه أو الموسيقى أو حركة الكاميرا أن يكون أكثر تأثيراً من النص نفسه، خصوصاً في بعض أنواع الفيديوهات القصيرة.
هذا يشير إلى أن السرد لم يعد لغوياً فقط، وأن المعنى بات يُبنى عبر تداخل الحواس. كما أصبحت القصة تُفهم بالإحساس بقدر ما تُفهم بالكلمات، وهذا ما يمكن أن نختصره بالقول: إنه انتقال من القراءة إلى التجربة.
التشظي الإدراكي
-
فرانشيسكو كيوسي
لكن هذا الشكل الجديد لا يأتي بلا ثمن. فالدراسات تشير إلى أن التبدّل السريع بين المقاطع قد يخلق حالة من "التشظي الإدراكي"، حيث يضعف تركيز المستخدم وقدرته على تتبّع تسلسل الأحداث.
وضمن تجربة قام بها الباحث فرانشيسكو كيوسي بالاشتراك مع باحثين آخرين، ونشرها تحت عنوان "الفيديوهات القصيرة تقلل من قدرتنا على الاحتفاظ بالنيات: تأثير تبديل السياق على الذاكرة المستقبلية"، في إطار "مؤتمر التفاعل بين الإنسان والحاسوب" عام 2023، في هامبورغ في ألمانيا، تبيّن أن التعرض للفيديوهات القصيرة قد يؤثر سلباً على الذاكرة المستقبلية، أي القدرة على تذكّر تنفيذ مهام لاحقاً، بسبب التبدّل المستمر بين سياقات مختلفة تفرضها تلك الفيديوهات.
بمعنى أن الحكاية هنا قد تصبح إحدى الضحايا الأساسية، خاصة مع السرعة التي تُقدَّم بها "الريلزات"، حيث لا وقت كافياً للتعمق، ولا مساحة واسعة للتأمل، ولا فرصة طويلة لبناء علاقة ممتدة مع النص. وبهذا باتت القصة تُستهلك، بدل أن تُعاش.
ديمقراطية السرد
رغم المساوئ الكثيرة التي تم ذكرها، فإن هذا التحول يحمل في إحدى خصائصه جانباً تحررياً. فالرواية كانت، تاريخياً، فناً يحتاج إلى وقت طويل، ومهارة في السرد بما فيه من تتبّع لمسار الأحداث والشخصيات، وإشباعه بالمعنى، إلى جانب القدرة على نشر الرواية بشكل شخصي أو من خلال التعامل مع إحدى دور النشر. أما "الريل"، فيفتح الباب أمام الجميع، إذ إن أي شخص يمتلك هاتفاً يمكنه أن يروي قصة قد تصل إلى ملايين المشاهدين.
هذا الشكل الجديد من رواية الأحداث يعزز المشاركة ويجعل السرد أكثر ديمقراطية، حيث تتلاشى الحدود بين المنتج والمتلقي. لكن هذه الديمقراطية تطرح سؤالاً مقلقاً: هل أصبح السرد أكثر حرية، أم أكثر خضوعاً للمعايير الخوارزمية؟
بين الرواية و"الريل" لا يوجد انتصار حاسم لأحدهما، بل صراع على شكل الحكاية. ففي حين أن الرواية تمنحنا العمق، الزمن، والتأمل، فإن "الريل" يمنحنا السرعة، الكثافة، والانتشار. لكن الخطر الحقيقي ليس في اختفاء أحدهما، بل في أن يُعاد تعريف الحكاية نفسها وفق معيار واحد: القدرة على خطف الانتباه.
وهنا تظهر مفارقة كبيرة، إذ يبدو أن الفيديو القصير يعيدنا إلى شكل قديم من السرد، هو الحكي الشفهي: قصص قصيرة مباشرة، تعتمد على الأداء والصوت والإيماءة، وكأننا أمام نوع حداثوي من حكايات الجدات وما يقدمه الحكواتي، لكن ضمن زمن مكثَّف جداً. وهناك فرق جوهري آخر: هذا الحكي المعاصر ليس حراً تماماً، بل منظَّم عبر خوارزميات، ومقاس بوحدات زمنية صارمة. بمعنى أنه حكي شفهي، لكن داخل آلة.
مواكبة التغيير
هنا يمكن أن نطرح سؤالاً مهماً حول أثر كل ذلك على الرواية نفسها: هل ستختفي أم أنها مضطرة لمواكبة التغيير؟
ثمة مؤشرات على أن هذا التحول بدأ ينعكس على الكتابة الأدبية نفسها، من تسارع الإيقاع، وتقصير الفصول، والاعتماد على المشهد بدلاً من السرد الوصفي. حتى السينما والتلفزيون، كما تشير تقارير حديثة، بدأت تتبنى منطق الفيديو القصير في الترويج والإنتاج، عبر مقاطع عمودية سريعة مصممة لجذب الانتباه. وكأن "الريل" لم يلغِ الرواية، بل أعاد تشكيل بعض أدواتها من الداخل.
لكن هناك تساؤلاً آخر مرتبطاً بهذا التحول: هل سيؤدي إلى نهاية السرد الطويل؟
بعض الباحثين، ومنهم كيث روبيرت هيد في دراسته آنفة الذكر "استخدم الفيديوهات القصيرة والانتباه المستمر: مراجعة سردية 2019-2025"، يرون أن الفيديو القصير قد يهدد القدرة على التفاعل مع النصوص المعقدة، بسبب تعويد الدماغ على الإشباع الفوري.
مفارقة زمنية يعيشها قارئ اليوم، ففي لحظة ما، لم يعد بحاجة لأن ينتظر مئات الصفحات حتى يغوص في حكاية، بل صار يكفيه أن يمرّر إصبعه على شاشة هاتفه ليلتقط قصة في 30 ثانية. هذه المفارقة ليست حدثاً سردياً عابراً، بل تحوّل عميق في بنية السرد ذاته: من الرواية بوصفها زمناً ممتداً، إلى "الريل" باعتباره ومضة خاطفة.
في المقابل، يرى آخرون أن الأمر ليس استبدالاً كاملاً، بل إعادة توزيع للأدوار: محتوى قصير لجذب الانتباه، ومحتوى طويل لتعميق التجربة.
أي إن المشكلة ربما ليست في الشكل، بل في الهيمنة. فحين يصبح كل شيء قصيراً، يفقد السرد تنوّعه.
في النهاية، بين الرواية و"الريل" لا يوجد انتصار حاسم لأحدهما، بل صراع على شكل الحكاية. ففي حين أن الرواية تمنحنا العمق، الزمن، والتأمل، فإن "الريل" يمنحنا السرعة، الكثافة، والانتشار. لكن الخطر الحقيقي ليس في اختفاء أحدهما، بل في أن يُعاد تعريف الحكاية نفسها وفق معيار واحد: القدرة على خطف الانتباه. عندها، قد لا نفقد الرواية فقط، بل نفقد أيضاً قدرتنا على الإصغاء إلى قصة تحتاج وقتاً كي تُروى.





