من التعليم إلى الأسرة: إلى أين وصل العرب في مؤشرات التبعية للغرب؟

هل يُعدّ انتشار التعليم الأجنبي في الدول العربية سبباً لضعف الانتماء والهوية القومية؟ وإلى أيّ مدى تساهم العولمة وثقافة الاستهلاك في تفكيك القيم الاجتماعية العربية؟

حين يكون المجتمع غير محصّن وغير مستقل بأفكاره وهويته، فإنه بالضرورة يصير غير قادر على إدارة نفسه أو تكوين شكل يخصّه من دون غيره. كما يصير عرضة لأيّ اختراق فكري، وبالتبعية الاقتصادية والسياسية، فيُخضعه حسبما يشاء لأهوائه، ويُذيبه ثم يدخله في التيه الكبير.

ولعلنا حين ندرس الحالة العربية نجد فيها ما يشير بوضوح إلى التبعية للغرب، خصوصاً لجهة التعليم وقوانين الأسرة وثقافة الاستهلاك.

التعليم الأجنبي والترقي الاجتماعي

الواقع يخبرنا بأنّ غالبية الأسر المصرية والعربية تهتم اهتماماً بالغاً بتعليم أبنائها اللغات الأجنبية، والالتحاق بمدارس ذات مناهج غربية، بريطانية أو أميركية، وهنا تتراجع اللغة القومية للجيل الجديد أمام غزو مفردات الغرب في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

محسن خضر، أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس المصرية، يقول إنّ التمسّك بالتعليم الأجنبي هو نوع من "الاستلاب الحضاري"، ومن ثمّ اهتزاز ثقة الذات القومية في قدرتها على الانتماء لركب التقدّم، فتلجأ لاقتراض الحداثة الغربية، عبر استيراد كلّ آلياتها من مظاهر رأسمالية وثقافية، وتحتل اللغة والتعليم مرتبة متقدّمة في هذا الاتجاه، مذكّراً بمقولة ابن خلدون بأنّ "المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب".

التعليم الأجنبي في البلاد العربية، بحسب خضر، ارتبط تاريخياً بالانتكاسة العربية حضارياً، فقد توسّع ذلك النوع من التعليم في مصر خلال عهد الخديوي سعيد والخديوي توفيق، وتوسّع كذلك في سبعينيات القرن العشرين في الحقبة الساداتية، تزامناً مع مغازلة السادات للغرب ومحاولته الذوبان في المنظومة الرأسمالية، بحسب قوله.

حين يكون المجتمع غير محصّن وغير مستقل بأفكاره وهويته، فإنه بالضرورة يصير غير قادر على إدارة نفسه أو تكوين شكل يخصّه من دون غيره، كما يصير عرضة لأيّ اختراق فكري وبالتبعية الاقتصادية والسياسية. 

وأضاف في حديث مع "الميادين الثقافية" أنّ ظاهرة التعليم الأجنبي تعيش ذروتها في دول الخليج العربية. إذ أصبحت هوية الأقطار الخليجية عُرضة للتغريب، لافتاً إلى ظاهرة الازدواجية الثقافية في مجال التعليم، وذلك بوجود مدارس دينية ومدارس حكومية عربية ومدارس لغات وأخرى أجنبية. علماً أنّ هذه الازدواجية الثقافية تمهّد وتساعد في التفتيت الوطني وانقسام الشعب، مشيراً إلى وضوح هذه الأزمة بعقد مقارنة بين خريجي التعليم الأزهري والحكومي واللغات في مصر لرصد خطورة هذه الظاهرة.

من جهتها، تقول دينا أبو العلا، أستاذة علم الاجتماع في جامعة المنصورة المصرية، إنّ أغلب الأسر العربية، خصوصاً في مصر، يميل إلى تمكين جيله الجديد من التحدّث بالإنكليزية أو الفرنسية، مبرّرة هروب أولياء الأمور من تعليم أبنائهم اللغة العربية برغبتهم في توفير تعليم داخل مدارس لغات يضعهم في طبقة اجتماعية أرقى. 

ولفتت إلى خطورة تربية الأبناء على لغة غريبة عن مشاعرهم وشخصيتهم القومية، لما لذلك من خطورة على فاعلية انتمائهم مستقبلاً لبلدانهم ومجتمعهم وأفكاره وخصوصيته.

الأسرة العربية في مهب قوانين الغرب

"الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء المصري" أعلن خلال نشرته السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق في مصر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، انخفاض عقود الزواج بنسبة 2.5% وارتفاع حالات الطلاق بنسبة 3.1%. ويؤكد أحدث بيانات الجهاز أنّ الطلاق لم يعد حدثاً فردياً، بل ظاهرة تتصاعد.

وقد قُدّرت أحكام الطلاق الصادرة بـ14195 حكم طلاق نهائي في عام 2024 مقابل 10683 حكماً عام 2023، بنسبة زيادة 32.9%.

أما على مستوى حالات الطلاق بالخُلع، فقد قُدّرت أحكامه بـ11906، وفقاً للتقرير العالمي للسكان عام 2022، الذي احتلت مصر فيه المرتبة العشرين في معدلات الطلاق عالمياً، بتسجيل 2.3 حالة طلاق لكلّ 1000 من السكان، وجاءت ليبيا في المرتبة الـ18 بمعدل 2.5 حالة طلاق لكلّ 1000 من السكان، والسعودية بالمرتبة الـ27 بمعدل 2.1 حالة طلاق، وجاء كلّ من الجزائر والأردن بالمرتبة الـ57 بمعدل 1.6 حالة طلاق.

هذه الإحصاءات تشير بوضوح إلى أنّ قوانين الأسرة في الدول العربية، على اختلاف ظروفها، تعاني خللاً يؤدي إلى زيادة نسب الطلاق وتفكّك الأسر. 

يحدث هذا بالتوازي مع دعوات كثيفة في مصر حالياً لتعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يعطي المرأة حقّ التطليق خُلعاً "من دون أسباب" ومن دون ضوابط، بل إنه  - بحسب آراء كثيرة - يخالف الشريعة الإسلامية، مثلما رأى نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية الأسبق.  

أغلب الأسر العربية تميل إلى تمكين جيلها الجديد من التحدّث باللغات الأجنبية والالتحاق بمدارس ذات مناهج غربية، ما يؤدّي إلى تراجع اللغة القومية أمام مفردات وثقافة الغرب في تفاصيل الحياة اليومية. 

هنا تبدو خطورة قوانين الأسرة، التي تمّ تعديلها في مصر على مراحل، بدأت بقوانين موضوعية منفصلة عامي 1920 و1929، مروراً بتعديلات جوهرية عام 1985، ثم قانون الخلع (1 لعام 2000) وإنشاء محاكم الأسرة (10 لعام 2004).

الكاتب المصري، كمال حبيب، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، من بين من أشاروا إلى استيراد القوانين الغربية لتحكم الأسرة المصرية، تحت ستار "استعادة حقوق المرأة"، فقد أشار في مقال له بعنوان "مشاريع هدم الأسرة المسلمة من التخطيط إلى التنفيذ" إلى أنّ جيوش الاستشراق دخلت مخادع النساء في العالم العربي، وأنّ نخبة متغربة وُجِدت داخل المجتمعات الإسلامية لتتبنّى قيم الغرب بديلاً عن نمط الحياة الإسلامي.

وأوضح أنّ واحداً من أهمّ مواطن القوة في العالم الإسلامي كان نظام الأسرة، الذي يحفظ للمجتمع قوته وتماسكه، وأضاف أنّ الهجمة الغربية الأميركية الآن عبر تسيّدها وهيمنتها وشرائها النخب العنكبوتية، واحتفائها بجمعيات ضغط نسائية منتفعة، وعبر جمعيات حقوقية نسائية وحقوقية عامّة، وعبر تمويل هذه الجمعيات، تفرض ولو بالقوة أجندة خاصة، وتأتي الأسرة والمرأة وقضاياها ذات الأولوية من الهجمة الغربية الأميركية الجديدة، بحسب قوله.

وقال حبيب، إنّ تعديلات قانون الأحوال الشخصية في مصر جاءت استجابة لتلبية مطالب "اللوبي النسائي المصري" الذي يرتبط بالتيار النسوي الغربي، وهو التيار الذي صاغ أجندة مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام 1994، ثم أجندة "وثيقة مؤتمر بكين" الذي عقد ببكين في الصين عام 1995، وهي سلسلة مؤتمرات بدأت في السبعينيات تبنّتها الأمم المتحدة، وتستهدف بشكل أساسي "إعادة الهندسة الاجتماعية للأسرة وللاجتماع الإنساني والبشري". 

هذه المؤتمرات وأفكارها، وفق حبيب، تستمد قوتها من أميركا والأمم المتحدة والعالم الغربي الذي يريد أن يفرض عولمة الاجتماع الإنساني وفق منظومة القيم الغربية.

وأضاف أنّ الغرب لم يكن بعيداً عن مطالبة وزارة العدل المصرية بطرح مشروع القانون الخاص بالأحوال الشخصية، وفرض مواد موضوعية فيها، وهي المواد الخاصة بــ "الخلع" "وسفر الزوجة" و"قبول طلاق المتزوجة عرفياً". فقد كان مشروع القانون الذي عُرض على مجلس الشورى المصري عام 1998 إجرائياً بحتاً، لكنّ إضافة هذه المواد عليه نقلته من كونه قانوناً للإجراءات إلى قانون موضوعي يكسر قوامة الرجل ويفكّك الأسرة المسلمة، وذلك بإعطاء المرأة "حقّ الخلع"، أي الحرية بالمفهوم النسوي، لإنهاء العلاقة الزوجية متى شاءت من دون وجود أيّ عوائق يتطلّب إثباتها مثل "الضرر".

ثقافة الاستهلاك والتسليع الأميركي

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، صارت الولايات المتحدة القوة المهيمنة عالمياً. إذ طرحت ما أطلقت عليه "النظام العالمي الجديد" ثم "العولمة"، بهدف تلاشي خصوصيات الأمم، جاعلة العالم سوقاً موحّدة تقودها المادية والاستهلاك، مما يهدّد الهويات الثقافية المحلية ويعزّز الفردية والأنانية على حساب القيم الروحية والاجتماعية. 

وتشمل مخاطر العولمة تدمير التراث المحلي، وتسليع الثقافة، كما يقول أحمد ثابت، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، مضيفاً أنّ العولمة الأميركية "نذير موت للشعوب المهيمَن عليها، إذ تهدّد خصوصيتها الاقتصادية عبر إدماجها في الاقتصاد العالمي بنهب ثرواتها وإخضاعها للقوى الرأسمالية الكبرى وإلزامها بنماذج تنموية محدّدة"، إضافة إلى إثارتها الأزمات الاجتماعية مثل البطالة والغلاء المعيشي والاحتكار والهجرة والتهريب". 

وأوضح في حديث مع "الميادين الثقافية" أنّ العولمة أيضاً هدّدت خصوصيّات الدول سياسياً عبر إضعاف سيادة الدول وإخضاعها لإملاءات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فضلاً عن التهديد الثقافي عبر "أمركة العالم" بنشر نظم عيش وتفكير المجتمعات الغربية حول العالم، وإشاعة ثقافة استهلاكية تهدّد التنوّع الثقافي.

أما أستاذ علم الاجتماع بآداب القاهرة، أحمد حجازي، فيقول إنّ ثقافة الاستهلاك بدأت في القرن الــ 18 في بريطانيا لتسويق الأزياء، ما دفع نحو أسلوب حياة مختلف ورفع الطلب على الملابس بعد تطوّر صناعة الغزل والنسيج، وطفرة التسويق والإعلانات.

العولمة الأميركية تهدّد خصوصيات الدول اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وتسهم في نشر ثقافة استهلاكية تعزّز الفردية وتضعف القيم الاجتماعية والإنتاجية داخل المجتمعات. 

وأوضح أنّ وسائل الإعلام والإعلان وتكنولوجيا المعلومات المعاصرة تسهم بدور رئيسي في شيوع الثقافة الاستهلاكية بالمجتمعات الإنسانية، حيث تعمل على الإشباع الغريزي وتأكيده، مما يؤدي إلى فتح الباب لاستيراد الثقافة الاستهلاكية وحدها، ومن ثم قتل الإبداع وثقافة الإنتاج، وتراخي الجهد الإنتاجي للتنمية، ودفع المجتمع نحو الاستدانة لتغطية تيار الاستهلاك. كما يؤدّي الاستهلاك دوراً في إثارة حرمان الجماهير وزياد مخزون التوتر، ومن ثم الرفض والتمرّد.

وتابع حجازي أنّ السلع التي تبرز الإسراف والمعروضة في المحلات تُسيل لعاب الزبائن المتنافسين، ولعلنا نتابع انتشار المراكز التجارية الكبرى التي تبدو كمدن كبرى من الاستهلاك السلعي. مثل هذه المجتمعات ستتوسّع إلى ما سيعرف لاحقاً بمدن المستقبل، وفي مثل هذه الأماكن تتجمّع آلهة الاستهلاك، مؤكّداً خطورة النزعة الاستهلاكية الغربية على مجتمعاتنا العربية وعلى تغيير القيم وتأثيرها في مناحي الحياة كلّها.

اخترنا لك