من إيران إلى لبنان: العدوان الأميركي - الإسرائيلي يلقي بظلاله على المواقع التاريخية

تتصاعد المخاوف من الأضرار الناجمة عن العدوان الأميركي - الإسرائيلي الذي طال التراث القيّم في إيران والمخاطر التي تهدد الممتلكات الثقافية في لبنان وفلسطين.

  • صحفية تلتقط صوراً في قصر جهل ستون في أصفهان والذي تضرر في العدوان الأميركي - الإسرائيل في 11 آذار/مارس 2026 (غيتي إيميجز)
    صحفية تلتقط صوراً في قصر جهل ستون في أصفهان والذي تضرر في العدوان الأميركي - الإسرائيل في 11 آذار/مارس 2026 (غيتي إيميجز)

مع تضرّر ما لا يقل عن 130 موقعاً تاريخياً في إيران جرّاء الضربات الأميركية – الإسرائيلية، وتزايد القلق أيضاً بشأن المواقع الثقافية في لبنان في ظل القصف الإسرائيلي، تقول الفنانة الإيرانية، ندا زوغي، إن هذه الهجمات "تتجاوز التعريف التقليدي للأضرار الجانبية".

وقالت زوغي، الحاصلة على دكتوراه في الفن الإسلامي والمتخصصة في الحضارات في مركز آسيا – الغرب – الشرق، وهو مركز أبحاث مقره كوالالمبور في ماليزيا: "عندما تتعرض أكثر من 100 موقع من مواقع التراث الثقافي والمتاحف لتدمير متعمّد أو ناجم عن إهمال خلال أسابيع قليلة، فإننا نواجه شيئاً أكثر حساباً بكثير — تفكيكاً منهجياً للذاكرة المادية لحضارة بأكملها".

وقال وزير التراث الثقافي والسياحة الإيراني، سيد رضا صالحي أميري، إن ما لا يقل عن 131 معلماً تاريخياً وحضارياً في 20 محافظة إيرانية تضررت خلال العدوان الأميركي - الإسرائيلي، وفق ما أفادت وكالة أنباء "شينخوا" الصينية يوم الجمعة الماضي.

وكانت طهران الأكثر تضرراً، حيث تأثر 63 معلماً تاريخياً وثقافياً وحضارياً في العاصمة، من بينها قصر غلستان "الذي يُعد تحفة معمارية من عصري الصفويين والقاجاريين"، بحسب أميري، مضيفاً أن قصر سعد آباد، الذي يمتد على مساحة تقارب 100 هكتار ويضم نحو 20 متحفاً، تعرّض أيضاً لأضرار جسيمة.

وفي محافظة أصفهان وسط البلاد، تضرر 23 موقعاً تاريخياً وحضارياً، وكان أبرزها قصر جهل ستون المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة "اليونيسكو"، وفي محافظة كردستان (إيران) غرب البلاد، تضرر 12 معلماً تاريخياً.

وقالت زوغي: "بصفتي شخصاً أمضى عقوداً في دراسة التقاليد الفنية الإيرانية، يمكنني القول إن هذه ليست مباني فارغة. فكل لوحة من القيشاني، وكل قوس مزخرف بالنقوش، وكل خزانة مخطوطات، تمثل نقطة ضمن شبكة حية من المعرفة الإنسانية التي استغرق بناؤها قروناً ولا يمكن إعادة بنائها في أي عمر بشري".

وأضافت أن التراث الفني الإيراني متعدد الطبقات بعمق، فقد يحتوي مسجد واحد على أعمال بالطوب، وخط عربي، وفسيفساء خزفية، وزخارف مرسومة، ولكل طبقة "حوارها الخاص".

وقالت زوغي:"عندما يتضرر مثل هذا البناء، فإنك لا تفقد شيئاً واحداً. بل تفقد أشياء كثيرة في الوقت نفسه، وكل منها لا يمكن تعويضه"، متابعة "على المجتمع الدولي أن يدرك أن هذه المواقع ليست رموزاً للنظام السياسي الحالي. فهي تسبقه بقرون أو حتى آلاف السنين".

وأكدت زوغي "إن استهداف مثل هذه المواقع يُشكّل شكلاً من أشكال العنف الثقافي الذي سمّاه القانون الدولي صراحة وحرّمه. ومع ذلك، ها نحن هنا".

وعقب الأضرار التي لحقت بـقصر غلستان، أصدرت "اليونيسكو" بياناً في 2 آذار/مارس الماضي، قالت فيه إنها تواصل مراقبة وضع التراث الثقافي في إيران وفي أنحاء المنطقة عن كثب، بهدف ضمان حمايته.

  • زوار يتجول في أرجاء قصر غلستان المتضرر في طهران في 4 نيسان/أبريل 2026 (فرانس برس)
    زوار يتجول في أرجاء قصر غلستان المتضرر في طهران في 4 نيسان/أبريل 2026 (فرانس برس)

وجاء في البيان: "تذكّر اليونيسكو بأن الممتلكات الثقافية محمية بموجب القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، بما في ذلك آلية الحماية المعززة، وكذلك اتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي".

ومع تدهور الوضع الأمني في المنطقة خاصة في ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان، أصدرت "اليونيسكو" بياناً آخر دعت فيه إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس واتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية التعليم والثقافة والإعلام والعلوم والبيئة بوصفها الأسس الاجتماعية للمجتمعات.

وفي غزة، التي تتعرض لقصف إسرائيلي مكثف منذ 3 سنوات، تُجري "اليونيسكو" تقييماً أولياً للأضرار التي لحقت بالممتلكات الثقافية من خلال المراقبة عن بُعد بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية والتحليلات المتاحة.

وحتى 24 آذار/مارس 2026، أكدت "اليونيسكو" أنها تحققت من تضرر 164 موقعاً في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 — منها 14 موقعاً دينياً، و128 مبنى ذا أهمية تاريخية أو فنية، و3 مستودعات لممتلكات ثقافية منقولة، و9 معالم، ومتحفان، و8 مواقع أثرية.

  • رجل يتفقد حجم الدمار في مسجد متضرر بغزة في 13 آذار/مارس 2025 (غيتي إيميجز)
    رجل يتفقد حجم الدمار في مسجد متضرر بغزة في 13 آذار/مارس 2025 (غيتي إيميجز)

وقالت زوغي: "ربما يكون أعمق سوء فهم هو الاعتقاد بأن تدمير التراث الثقافي الإيراني يضر بالإيرانيين فقط، أو بالمسلمين فقط، أو فقط بمن يتعاطفون مع الحكومة الإيرانية الحالية. هذا اعتقاد خاطئ تماماً".

وأشارت إلى أن برسبوليس (تخت جمشيد)، على سبيل المثال، ليست نصباً قومياً إيرانياً، بل "نصب عالمي" — العاصمة الاحتفالية لإمبراطورية أصدرت أول إعلان معروف لحقوق الإنسان، وهو مرسوم لــكورش الكبير يُحتفظ به الآن في الأمم المتحدة كرمز للكرامة الإنسانية العالمية.

وأضافت أن مواقع التراث مثل رسوم كهوف لرستان، ومدينة سوسة القديمة، وحدائق باسار كاد المدرّجة، تمثل القصة المشتركة للحضارة الإنسانية.

وقالت: "عندما تتضرر أو تُدمّر، يخسر كل طفل في طهران، وكل طالب فن في برلين، وكل عالم آثار في القاهرة شيئاً ما. إن تدمير التراث جريمة بحق المستقبل، وليس مجرد جريمة بحق الحاضر".

ومع تصاعد وتيرة التطورات بين الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والقصف الإسرائيلي المتواصل للبنان، عقدت "اليونيسكو" اجتماعاً استثنائياً في 1 نيسان/أبريل 2026 لتعزيز حماية التراث الثقافي في لبنان، بناءً على طلب بيروت.

وأدى الاجتماع إلى منح حماية معززة مؤقتة لـ39 موقعاً ثقافياً في لبنان، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية دولية تتجاوز 100 ألف دولار للعمليات الطارئة على الأرض، بحسب بيان لليونسكو في اليوم نفسه.

وأعرب بعض الخبراء في المنطقة عن مخاوف من أنه حتى إذا لم يتم استهداف مواقع كبرى مثل صور وبعلبك بشكل مباشر، فإن الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات القريبة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الهياكل والأعمدة.

وتُعد بعلبك، وهي مجمّع أثري كبير، موطناً لبعض أفضل أطلال المعابد الرومانية المحفوظة في العالم، كما تحتضن مهرجان بعلبك الدولي الشهير.

وقال نبيل نجار، عضو اللجنة التنفيذية لمهرجان بعلبك الدولي، إن القصف الإسرائيلي المستمر يستهدف بلدة بعلبك بدرجة أقل بكثير مقارنة بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت.

وأضاف: "لم يُلغَ المهرجان بعد. كان من المقرر إقامته في نهاية تموز وبداية آب، لكن من المرجح أن يتم تأجيله أو إلغاؤه هذا العام".

الحماية المعززة

  • تعرض مقام النبي شمعون الصفا في صور للقصف وأضرار كبيرة
    تعرض مقام النبي شمعون الصفا في صور للقصف وأضرار كبيرة

قال آري أفريانسيه، أستاذ في كلية الحقوق بجامعة إندونيسيا، إن خطوة "اليونيسكو" لتعزيز حماية 39 موقعاً ثقافياً في لبنان "مهمة قانونياً، لكنها فعّالة جزئياً فقط في التطبيق العملي".

وأضاف: "تمنح الحماية المعززة بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 أعلى مستوى من الحماية التعاهدية للمواقع المدرجة: إذ يجب عدم مهاجمتها أو استخدامها لأغراض عسكرية، وينبغي تجريم الانتهاكات الجسيمة. وتكمن قيمتها الحقيقية في الردع، وتحديد المواقع التي يجب عدم استهدافها بشكل أوضح، وتوثيق الانتهاكات، وتعزيز المساءلة لاحقاً. لكنها ليست درعاً مادياً".

وأضاف أن الأضرار لا تزال تحدث في لبنان، وأن فعالية هذا النظام تضعف لأن "إسرائيل" ليست طرفاً في البروتوكول الثاني لعام 1999، رغم أن اتفاقية لاهاي لعام 1954 لا تزال سارية.

وأشار أفريانسيه إلى أنه "ينبغي محاسبة أطراف النزاع إذا قامت بمهاجمة الممتلكات المحمية".

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك