مقامات الغائب الحاضر

اليوم، بعد سنة، يظلّ زياد الرحباني حاضراً، لأنّ كل أغنية له تفتح في النفوس أبواباً كانت موصدة، وكل "لطشة" تعيد ترتيب وجهات النظر في رأس من يسمعها.

  • زياد الرحباني
    زياد الرحباني

لذكرى زياد الرحباني

في سنة كاملة، كأنّ الغياب لم يعد أكثر من نافذة أغلقت على مهل، ليظلّ الصوت من خلفها يتسلّل، أحياناً كنغمة بيانو تتعثّر في زقاق الذاكرة، وأحياناً كضحكة ناقدة تخرق صمت المألوف. زياد الرحباني، في هذا العبور السنوي، قد لا يكون قد رحل بقدر ما توزّع في الأماكن التي عرفت وطأة خطاه، وفي الأصوات التي ما زالت تبحث عن مخارج للكلمة خارجة عن سلطة التكرار.

في شارع الحمرا، تتداخل إيقاعات المدينة مع ذكراه، ويبدو أنّ كل حجر هناك يحفظ سرّاً من أسرار تلك العلاقة. مسارحها العتيقة، التي احتضنت كل أعماله المسرحية من دون استثناء، ما زالت كأنها تنتظر دخول فرقة أو ارتجال عازف، وكأنّ خشباتها تتذكّر كيف كان النص يليق بتلك الفسحة الحميمية التي لا تتّسع للزيف.

حفلاته هناك، في تلك الحانات والمقاهي المجاورة، لم تكن مجرّد عروض، كانت أشبه بجلسات سمر، حيث يختلط الجمهور بالفنان في خضمّ لحظة لا تتكرّر، وكأنّ للحمرا، في صميم بيروت وعمق لبنان، ما يشبه رئة ثقافية لا تنام، تتنفّس من فتوحات المسرح وطرائق النقد، وقد كان زياد، في إقامته هناك، جزءاً من هذا النَّفَس اليومي، يغترف من همّ الشارع ويعيده مكثّفاً في "لطشة" نقدية ساخرة أو نغم موسيقي ساحر، غير أنّ ما كان يمنح تلك الحفلات والجلسات سحرها الاستثنائي، ويميّز عبقريته المبكرة التي بدت وكأنها ولدت مع أول مفتاح بيانو لمسه، هو قدرته الفريدة على هدم الحدود بين الشرق والغرب. بمزيج من المهارة الأكاديمية المتقنة والحسّ المرهف، كان يعرف كيف يجعل البيانو، الآلة الغربية الأكثر "غرابة"، تتكلّم بلهجة المقامات العربية وكأنها ولدت في حضنها.

لقد مزج بين هارمونيات الغرب وإيقاعاته المتّقدة، وبين فلسفة المدى الشرقي وزخرفته، فأخرج موسيقى تبدو مألوفة في روحها، وجريئة في تشكيلها، وكأنه يحدث ثورة صامتة في آذاننا.

هذه العبقرية، التي تجلّت باكراً في مؤلفاته الأولى، لم تكن مجرّد لعبة أكاديمية، بل كانت رؤية كونية جعلت من نغماته جسراً يصل بين أصالة الماضي وحداثة اللحظة، وبين وجع الشارع ورحابة الأفق.

ولعلّ أعمق أسرار هذه العبقرية لم تكن فقط في النغمات التي عزفها، بل في تلك المساحات البيضاء التي تركها بينها، ذلك الصمت الممتلئ بالمعنى، والتوقّفات البليغة التي كانت تمنح "اللطشة" قوّتها، وكأنه يعيد إنتاج الفلسفة الشرقية التي تقدّس الفراغ، والديناميكية الغربية المتدفّقة، في آن واحد، غير أنّ حضوره، في تفاصيله الأعمق، يتّصل بما هو أبعد من جدران المسارح.

صوته، على نحو ما، كان ينحاز منذ البداية إلى حيث تتكوّن حكاية الناس، إلى طبقات شعبية تعلّمت من صمتها فصاحة النظرة، ومن عيشها اليومي موسيقى الحضور. في اختياراته، ربما كان قريباً من أولئك الذين لا يملكون إلا صوتهم، فجعل من فنّه مرآة لهم، ومن ضحكتهم سلاحاً يفضح التناقضات من دون أن يتعالى عليها.

أما في اتجاهه نحو الجنوب، نحو تلك الجغرافيا التي تختزن الصبر وتروي ترابها بالروح، فقد قدّم زياد أكثر من عمل تكون فيه النغمة شبيهة بتحية، وكأنه يكتب، بلغة المقام، وثيقة وفاء لمن يحمون الأرض بالجذور والذكرى. دعمه للمقاومة ضد الاحتلال لم يكن، في جوهره، شعاراً يتردّد؛ كان نبضاً يتجلّى في إيقاعاته العسكرية الطريفة، وفي غنائه الذي يخلط الفكاهة بالجرح، كأنه يذكّر بأنّ الانحياز للحرية، في مثل هذا المكان، يكون امتداداً طبيعيّاً للكلمة الحرة والنغمة المتمرّدة.

واليوم، بعد سنة، يظلّ زياد الرحباني حاضراً، لأنّ كل أغنية له تفتح في النفوس أبواباً كانت موصدة، وكل "لطشة" تعيد ترتيب وجهات النظر في رأس من يسمعها. في مقاهي الحمرا، حيث تتراصّ الكؤوس مع الكلمات، وما زالت النغمات تتسلّل من النوافذ، يبدو أنّ غيابه ليس سوى حضور آخر، أعمق وأوسع، يتجلّى كلما احتاجت بيروت إلى رئتها، وكلما احتاج لبنان إلى ذلك الصوت الذي يخلط الضحك بالحقيقة، والنقد بالحب، في مزيج لا يشبه سواه.

ويظل السؤال، في هذا الحضور الغائب، معلّقاً كنجمة تترقّب: ماذا كان زياد سيفعل لو كان بيننا اليوم، والجنوب يئنّ تحت وطأة الاحتلال من جديد، والجراح تعود لتفتح ذاكرة النيران في أرض كانت دوماً تستظلّ بصوته؟ أكان سيكتب لحناً آخر للصمود، أم كانت "لطشاته" ستزداد مرارة، أم كان سيختار أن يصمت ليترك للموسيقى وحدها ما لا تقوله الكلمات؟

في كل الاحتمالات، يبدو أنّ غيابه، هذه المرة، أثقل من أن تملأه نغمة، لكنّ صمته الموسيقي نفسه قد يكون الآن أكثر أغنياته حكمة، ففي حضرة الموت والفقد، تصبح النوتة البيضاء أبلغ من 1000 نغمة تعزف.

اخترنا لك