معنى "النضال" واحتلال الحقيقة في عمل "فلسطين حتى النخاع"
لقد أُعدم الكثير من المثقفين رمزيًا أمام التجربة الفلسطينية سواء أكان المثقف عربيًا أو غربيًا، إذ لا يختلف كثيرًا ما وضعه بوجدرة في كتابه "فلسطين حتى النخاع" عما قاله في كتاب "زناة التاريخ"، مع ما أكده سلفًا إدوارد سعيد في كتابه "خيانة المثقفين".
-
معنى "النضال" واحتلال الحقيقة في عمل "فلسطين حتى النخاع"
في بداية السبعينيات، قرر الكاتب رشيد بوجدرة أن يرافق مجموعة من الفدائيين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نحو جنوب لبنان، ومن هناك استطاع أن يتسلل معهم حتى حدود فلسطين، ومن خلف الأسلاك الشائكة، وقف يترقب مَنْ عبروا نحو تلك الأراضي. دوّن تجربته في عمل "Journal palestinien" الذي صدر ككتاب سنة 1972 قائلاً في أحد اقتباساته: "أصدقائي الفدائيون لا يفهمون أن العدو ليس فقط هناك، بل هو أيضًا في كل قصر رئاسي يتلو بيان شجب ثم يغلق الحدود".
واليوم، يعود رشيد بوجدرة بكتابه الجديد "فلسطين حتى النخاع" ليقف خلف الأسلاك الشائكة نفسها، لكن بشكل رمزي، صارخاً في وجه الرجل الغربي عامة والعربي خاصة. عملٌ يعد هجاءً مطولاً لعالم فقد أصالته، تراجعت فيه الأفعال الشريفة وتصدر الإجرام مكانة اجتماعية، كما لا يفوت الكاتب أن يعرج على شوارع المثقفين العرب قائلاً: "الأمة العربية أصابها الجبن، والجبن يفقد الموهبة ويفقد الشعر"، وهذا ما يعكس تلك الرداءة الرهيبة والتناسخ الخالي من الابتكار. ويبدو لي أن إعلان صدور كتابه وقتها كان نوعًا من تأبين شجاعة المثقف؛ إنه عمل ضد الصمت، ضد الهروب بالاستعارات نحو معانٍ ضبابية، ضد سرقة فكرة النضال وتوريط معناها في الدفاع عن النفس إلى عمل إرهابي، وضد كل الذين تاجروا بالقضية، وفي الوقت الذي هجر فيه المثقف العربي كل أدواره أعلن هو شجاعته.
نتحدث دائمًا عن القيم، عن الأخلاق، عن المواقف، لكننا لا نفكر مطلقًا في خطورة تحوّلها إلى عكس ماهيتها التي عرّف بها العالم وبنى لأجلها صروحًا تحفظها، فهل يصمد معناها هذا أمام القوة؟ قوة الأشياء ككل بما فيها قوة الأسلحة.
يحدث دائمًا عبر التاريخ أن تتفكك العبارات والمُثُل والتاريخ نفسه، يحدث أن يبدأ العالم في البحث عن العالم الذي يناسبه لا العالم الذي كان يجب أن يكون عليه، وفي رحلة صياغة الكون يقدمون على تجريد الكثيرين من حقهم في أن يكونوا ضحايا، تنقلب معادلة الإنسانية بوحشية وكأنهم يسلخونها من عيونك فقط لأن صناعة ممنهجة للرأي تمكنت بعد سنوات طويلة من اختراق الضمير الإنساني، ربما بدأ الأمر في ما يخص القضية الفلسطينية قبل أن يفهم الفلسطيني نفسه ذلك، قبل أن يفهم أن تقديم المساعدة كثيرًا ما ينتهي به إلى ضحية مَنْ ساعده، كأن توقف سيارتك وسط طريق خالية لتوصل أحدهم فتجد نفسك بلا سيارة مقتولاً ومرميًا في مكان مهجور. ولا بد أن يكرر أحدهم في كل فترة سرد الحكاية كما هي، عكس مَنْ يريدون سردها مقتطعة لسرقة الأدوار التاريخية وتحويل المعتدين إلى مدافعين عن أنفسهم؛ فقضايا التحرير هي قضايا تراكمية، كل حدث مرتبط بآخر قد مضى حتى لو عمّت بعض الهدنة، وهذا ما سنجده في معنى "النضال" واحتلال الحقيقة في عمل "فلسطين حتى النخاع"
يستهل الكاتب رشيد بوجدرة عمله بمقولتين وكأنما يأخذ بيديهما أو يأخذان بيده إلى الحدود التي يريد الجميع التفريط فيها، حدود الإنسان ذاته؛ واحدة لمظفر النواب وأخرى لمحمود درويش، اسمين لطالما عنت لهما القضية الفلسطينية الكثير، "القدس عروس عروبتكم، فلماذا أدخلتم عليها كل زناة الليل وبقيتم وراء الباب تسترقون السمع، أبناء..." يعاير مظفر النواب، "علمتني ضربة الجلاد أن أمشي وأمشي ثم أمشي على جرحي وأقاوم" يعارض محمود درويش. لقد اختار الكاتب رشيد بوجدرة المعاني التي استوجب التوقف عندها لمعرفة الحالة التي وصل إليها العالم وحتى الطبقات المثقفة اليوم، مأساة اختطاف المعنى من مكانه وزمانه وإعادة غرسه في مكان وزمان مختلف تمامًا، "الخيانة" و"المقاومة" أصبحتا وجهة نظر في الأخير؛ فمنذ بدأت الحرب على غزة رافقتها حرب إعلامية رهيبة استطاعت، وعن طريق الإفراط في ارتكاب المجازر وتجاوز كل القوانين والهيئات الدولية، أن تلطخ الحرية بالتعايش مع فكرة أنك محتل، وأن احتلالك خلاصه لا بالمقاومة بل بالرضا، بالسلام، بإدخال المحتل غرفة نومك. ويقدم لنا رشيد بوجدرة لمحة تاريخية عن معاناة المعنى من الجلاد أين تتحول الأصالة إلى جريمة، فيتحمل الضحايا مسألة أنهم ضحايا أكثر مما تحتمل الحقيقة، فيسود الخرس ويتخلى الكثيرون عن مسؤولياتهم تجاه مستقبل الأبرياء الذين لا يملكون كيف ينقذون أنفسهم من جريمة أن تكون "ضحية"، ويتشارك الجميع في مجزرة إفراغ الحق من ماهيته ببلوغ مجزرة "الصمت"؛ فالجماهير مسؤولة هي الأخرى - يقول رشيد بوجدرة - عند عدم مواجهة "إسرائيل" بكل وسيلة ممكنة إلا بالصمت، "فالصمت قتلنا" ص 21.
فهل استطاع الكاتب العنيد أن يطلق رصاصته في وجه المياه الراكدة؟ ينتهي الواقع في اللحظة التي يجبرونك فيها على التوقف عن الرؤية كما هو معتاد، رمزية هذا الفعل تكمن في مقدرتهم على صناعة "المعنى المضاد" بالمشاهد ذاتها لهزيمة حقيقتك التي تؤمن بها في داخلك، فيصبح للحقيقة حقائق، وللنظر طريقة أخرى تبدأ فور إغلاق عينيك. يفهم الكاتب العنيد رشيد بوجدرة جيدًا هذه الطريقة الاستعمارية الجديدة التي تعتمد على احتلال الحقيقة بقتل كل الذين يؤمنون بها سواء عن طريق رصاصة في الرأس أو رصاصة في الوجدان؛ لهذا جاء كتابه الجديد "فلسطين حتى النخاع" كهجاء مطول لكل الذين يصنعون اليوم عالمًا بلا قيم يُتاجر فيه بالمعنى في سوق رأسمالي متوحش وملطخ بدماء الأطفال والنساء، فالجميع طاله التشويه والتشكيك تحت ضربات الإعلام المموّل أو ضربات المصالح التي رسمت خريطتهم قبل السابع من أكتوبر. لقد أُعدم الكثير من المثقفين رمزيًا أمام التجربة الفلسطينية سواء أكان المثقف عربيًا أو غربيًا، إذ لا يختلف كثيرًا ما وضعه رشيد بوجدرة في كتابه "فلسطين حتى النخاع" عما قاله في كتاب "زناة التاريخ"، والاثنان يتفقان مع ما أكده سلفًا إدوارد سعيد في كتابه "خيانة المثقفين"؛ فكلاهما ألحق العار بزمرة من المرتزقة وأصحاب الأقلام المأجورة الذين تكفلوا بشن هجمات تستهدف الحط من قيمة النضال نفسه، وهذا النوع من الكتب عبارة عن محاولة تصدٍ لأجندات السياسة الغربية وحملتها الشرسة للنيل من كل ما يتعلق "بالحقيقة في بلاد المشرق"، بيد أن دور هؤلاء المثقفين من الخطورة بمكان في التأثير على عقول العامة وتثقيفهم وتشكيل وعيهم الجمعي، لا سيما فيما لو قاموا بالتحريض على معاداة الحق والتصفيق للظالم، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى سيادة الطغيان وتفشي العدوان وتغييب العقل وضياع الحق.
لقد تمت خيانة فكرة "النضال" في الوقت الذي أُنزلت فيه إلى أرض الواقع، النضال داخل التأليف لا يسمى نضالاً إلا إذا اختُبر خارج ذلك، وما يطرحه رشيد بوجدرة من تناقض عمن يبيعون أوهامًا عن بطولاتهم تفشله الواقعية، فما إن يصلوا أرضها الحقيقية، حقيقة الحرب على غزة، حتى يجدوا أنفسهم ينضمون إلى صف القوي على طريقته، ويتبنون بلا خجل سردية المستعمر في حالة من الذعر الأخلاقي، لقد وصلوا إلى هنا وابتلعوا ما كانوا يتغنون به - يصف الكاتب ذلك في حالة من الأسف - بل وراح البعض يدين الضحية لأنه ضحية فأصبح الفدائي مغامرًا وربما إرهابيًا. استطاع المحتل باستعراضه للوحشية استقطاب مَنْ يسنده ومَنْ لا يسنده على حد السواء، وما عاد الحديث عن الشجاعة أشد أهمية من معرفة حقيقة اللعب بالمفاهيم، الناس يتحدثون عن توريط مفهوم النضال وتلطيخه بالتطبيع، هنالك فلسطيني يريد الاندماج وهنالك مَنْ يرفض ذلك بشدة، هكذا بكل بساطة مثلما حدث ويحدث وسيحدث في كل المعارك وسنقف مع خيارات الاثنين دائمًا إلى أن ينتصر أحدهما. لقد كان في الثورة التحريرية فريق طالب بالحكم الذاتي من أهوال ما مُورس على الشعب الجزائري من طرف أحقر استعمار في العصر الحديث، كما كان هنالك شبان قرروا أن تكون ثورة حتى النصر وأطلقوا عليهم لقب المتهورين، فما هو المفهوم الذي كان يعرفه هؤلاء عن الحرية والثورة؟ هل يعتقدون أنها جمل لأجل الانتشاء؟.
كان النضال لسنين وعقود وآلاف السنين وما زال يحمل معناه الذي لن يزيفه أحد، لا أحد يستطيع أن يضع استثناءه في مسألة النضال التي تعني الوقوف ضد الوحشية والظلم والجبروت مهما كان الثمن، وقد سبق أيامنا هذه ثورات عظيمة مُسحت فيها شعوب عن بكرة أبيها، كان ولا يزال وسيظل الرادع لطحن الضعفاء. ويخبرنا رشيد بوجدرة عن أمثلة كثيرة عن إصرار المقاوم على حقه في مقاومة الاعتداء أيًّا كان كما يحاجج ما يحدث اليوم، ففي عز القهر والذل والمقاومة تصر بعض الأصوات التي لطالما تغنت بالحرية والثورة وبالبطل الوحيد الذي يرتمي أمام جيش كامل ولم تقبل منه أن ينجو بنفسه، لم تقبل أن يستسلم حتى في الأساطير والأشعار والأحاديث اليومية بالرغم من أن مواجهته غير منطقية وغير متكافئة؛ لقد تغنت طويلاً بتشي غيفارا، ونيلسون مانديلا، ونيستور ماخنو، وباتريس لومومبا، وأميلكار كابرال، والعربي بن مهيدي، وعمر المختار وغيرهم الكثيرين، هؤلاء لم تُحفر أسماؤهم من هباء، عليك أن لا تتلاعب بالمفاهيم حينما تصبح وسط التاريخ ووسط حاضر معركة البقاء.