مراثي الورق في زمن الخراب

أولئك الذين فقدوا مكتباتهم لم يخسروا مجرد صفحات وأغلفة وكتب قرأوها يوماً، إنما خسروا جزءاً من نبض ذاكرتهم، وما شكّل وعيهم وذائقتهم بهدوء على مرّ السنين. كل كتاب كان وشم مرحلة، وخريطة طريق، وبصمة مكان.

(إهداء إلى الذين فقدوا مكتباتهم)

العلاقة بالكتاب لا تتوقف بمجرد أن نطوي صفحته الأخيرة، بل هي أشبه بعقد أُبرم في خفاء بين روحين: روح القارئ وروح الورق. متى اقتنيناه؟ من أهدانا إياه؟ وهل كان ذلك الإهداء اعترافاً صامتاً بمعرفة عميقة بأرواحنا؟ في أي مرحلة عمرية قرأناه؟ وهل كانت تلك المرحلة مفتاحاً لفهم ما كنا نجهله عن أنفسنا؟ أية ذكرى خلّفها في النفس والوجدان، كتلك الرائحة التي تلتصق بالملابس القديمة، أو كوجع نبيل لا نرغب في شفائه؟ وسواها من مسائل تقيم بيننا وبين كتبنا روابط قربى لا تقوى الأيام على تقطيع أواصرها، لأن لكل كتاب صلة ما بأمر ما حدث لنا، أو عايشناه وكنا شهوداً عليه، كأنما الكتب هي سجلاتنا السرية، ومفكراتنا التي لم نجرؤ على كتابتها بأيدينا.

وللكتاب لغة أخرى، غير تلك التي خطّها قلم مؤلفه. إنها لغة جسدية حميمية. لون الورق يقول لنا ما تقوله عيون العشاق في لحظات الصفاء، وحفيف الصفحات يشبه وشوشة البحر في قوقعة بعيدة، وملمس الأوراق يحمل دفء الأيادي التي تصفحته قبلنا، ورائحة الحبر، تلك الرائحة السجنية العتيقة، تفتح في الذاكرة أقبية منسية. جميعها تؤلف أبجدية موازية تضاهي أحياناً أبجدية الأحرف والكلمات، بل تتفوق عليها في الصدق، وتغدو أوركسترا تعزف لعاشق الكتب سمفونية شغف لا يضاهيه إلا الوقوع في الحب، حباً لا يطلب مقابلاً، ولا يخاف هجراناً.

الكتاب الورقي ليس نافذة على العالم، إنه نوع من الطوب نبني به غرفنا الحميمة، وذلك المكان الذي نخلع فيه متاعبنا وهمومنا، ونترك خلفنا وجع النهار.

هو مرآة تعكس ما وراء الوجه من هلع وأمل وأسرار. هو الزمن المتجمد في كمين ينتظر عيناً تقرأه ليُبعث من جديد. قراءته طقس، وتقليب صفحاته صلاة، ووضعه على الرف عزاء. هو الملجأ الذي لا يشترط علينا توافر "واي فاي"، ولا شاحناً أو بطاريةً أو كهرباء. يبقى معنا في السراء والضراء، في الحب والهجران، في الابتسامة والدمعات، في الأفراح والأتراح، شاهداً صامتاً على تقلباتنا، لا يصدر حكماً، ولا يبدي مللاً.

حين تغدو حروب السيطرة والهيمنة سيدة المشهد، وتصير المدن حقول تجارب للقنابل والصواريخ، فإن من جملة ما يجري استهدافه هذه الأطواب الورقية. في لبنان الجريح، وفي كل بقعة تعوي فيها ذئاب الخراب، رأينا المكتبات تتهاوى كأجساد بلا أرواح، ورأينا الأيدي المكسوة بالغبار تنتشل ما تبقّى من غلاف محترق، وكأنها تنتشل رماد أحبّتها.

أولئك الذين فقدوا مكتباتهم لم يخسروا مجرد صفحات وأغلفة وكتب قرأوها يوماً، إنما خسروا جزءاً من نبض ذاكرتهم، وما شكّل وعيهم وذائقتهم بهدوء على مرّ السنين. كل كتاب كان وشم مرحلة، وخريطة طريق، وبصمة مكان. ففي كل مرة نفتح فيها كتاباً، نترك بين ثناياه شيئاً من أرواحنا، وعندما يحترق، يحترق ذلك الجزء منا الذي عاش هناك. إنه فقدان مضاعف: فقدان الشيء، وفقدان الشاهد على حياتنا.

ولعل الأكثر جدارة بالدعم والمؤازرة أصحابُ المكتبات (الخاصة والعامة) التي دمرها عمداً الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان. هؤلاء الذين حُرمت عيونهم من التيه بين الرفوف، والتجوال بين الصفحات، والتنقيب بين السطور. هؤلاء لم يفقدوا الجليس الأنيس فقط، بل فقدوا الدليل الذي كان يردهم إلى أنفسهم في لحظات التيه الأكبر.

الكتاب هو البيت الثاني، بيت لا سقف له من إسمنت، سقفه من أحلام لا تخترقها الصواريخ. فحين ينهار، ينهار معه آخر معاقل الصمت الجميل، وتصير الحياة مجرد ضجيج بلا معنى. الذين فقدوا جنى العمر "الورقي" يتامى مرتين، يتامى في أوطانهم، ويتامى في بيوتهم ومكتباتهم المدمرة، لأن رفوفهم الخالية تصرخ أكثر من مدافنهم الممتلئة.

غير أن هذا الدمار المادي، على بشاعته، لم يعد مجرد مشهد حربي يُروى. لقد صار مرآة لصراع أوسع، صراع الورق مع زمن لا يقرأ إلا سريعاً، ولا يختزن إلا عابراً. ففي عصر تُستبدل فيه المكتبات بخوارزميات باردة، وتُدفن المفردات تحت فيض من الصور والعناوين العاجلة، يصبح احتراق كتاب جريمة مزدوجة: الأولى بحق الكلمات ذاتها التي شُطبت قبل أن تُقرأ، والثانية بحق زمن التروي الذي كنا نسرقه لأنفسنا بين دفّتيه.

إنه موت البطء في آن واحد مع موت الورق. وهذا ما يجعل الفاجعة أعمق من أن تُختصر في غبار وحطام. إنها فاجعة المعنى الذي يُذبح في الخارج بقنابل الغزاة، ويُدفن في الداخل تحت ركام السرعة والابتذال، فلا يبقى لنا سوى التمسك بجمرة هذا الحنين، لنكتشف أننا لسنا ندافع عن مجرد صفحات، بل عن وتيرة أرواحنا التي تتنفس بين السطور.

لعلها رؤية شاعرية بعض الشيء، لعلها رومانسية عاشق قديم يرفض استبدال عطر الورق بوميض الشاشات، لعلها مجرد تحية أخيرة. لكنها، في العمق، صرخة وجع حقيقي. و"يا ضيعان" من ليس له مائدة كتاب تؤنس وحدته، ويا فجيعة من كانت له مائدة فأضرم المحتل فيها النار، فصار يتيم الكتب بين حطام الدنيا، لا يجد في جيبه سوى رماد ما كان يقرأ، ولا في قلبه سوى صدى ما فقد. فالكتاب هو آخر حصون المعنى في مواجهة توحش الأعداء وتوحش التكنولوجيا، فإذا سقط الحصن، سقطت معه راية المعنى.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك