مجموعة "رُبَاع".. أصوات متعدّدة لكتابة الحقيقة والاحتمال

يقول رولان بارت أنّ الشخصية ليست شخصاً بقدر ما هي وظيفة داخل شبكة النصّ، ولذلك فإنّ حضورها لا يقاس بتفاصيلها البيوغرافية، وإنما بقدرتها على إنتاج الدلالة.

  • مجموعة
    مجموعة "رُبَاع".. أصوات متعدّدة لكتابة الحقيقة والاحتمال

لا تبدو مجموعة "رُبَاع" للكاتب بشار فيوض مجرّد متتالية قصصية تنتظم وفق تقسيم رباعي، بقدر ما تقدّم مشروعاً سردياً يقوم على إعادة مساءلة مفهوم الحكاية ذاتها، بوصفها فضاءً للتجربة الإنسانية أكثر من كونها وعاءً للأحداث. فالكاتب لا ينشغل ببناء حبكات مكتملة أو بتقديم شخصيات مستقرة المعالم، وإنما يتجه إلى تشييد عالم تتجاور فيه الذاكرة والحلم والواقع، بحيث تصبح القصة مختبراً لتمثيل الوعي الإنساني وهو يواجه هشاشته في عالم تتكاثر فيه الخسارات والانكسارات.

إنّ القراءة المتأنية للمجموعة تكشف أنّ بنيتها لا تستجيب للنموذج القصصي التقليدي القائم على البداية والعقدة والحلّ، بل تقترب مما يسمّيه بول ريكور في كتابه "الزمان والحكي" إعادة تشكيل التجربة الإنسانية عبر السرد، حيث لا يعود الزمن مجرّد إطار للأحداث، بل يصبح مكوّناً من مكوّنات الوعي نفسه. ومن هنا فإنّ الحكايات في "رباع" لا تنمو خطياً، وإنما تتوالد من الذاكرة، وتتغذّى من الاسترجاع والتداعي الحرّ، لتصنع زمناً نفسياً تتقدّم فيه الذات إلى الماضي أكثر مما تتقدّم نحو المستقبل.

تبدأ هذه الرؤية منذ العتبة الأولى للمجموعة، إذ يحمل عنوانها الفرعي "مذكّرات ما لم يحدث" دلالة ميتاسردية واضحة، فهو لا يقدّم وعداً بتوثيق الواقع، وإنما يعلن منذ البداية أنّ الحكاية ستكون كتابةً للاحتمال، وأنّ ما لم يقع قد يكون أكثر قدرة على كشف الإنسان من الوقائع ذاتها. وهنا تتحوّل الذاكرة إلى مساحة لإنتاج المعنى، لا إلى أرشيف للأحداث، ويغدو الغياب عنصراً سردياً فاعلاً بقدر حضور الوقائع.

الراوي جزء من الأزمة

ومن أبرز الخصائص التي تمنح المجموعة فرادتها اعتمادها على تعدّد مستويات الصوت السردي. وإذا كان ميخائيل باختين قد رأى أنّ البوليفونية تقوم على استقلال الأصوات داخل العمل الأدبي، فإنّ هذه المجموعة القصصية تقدّم صيغة أكثر مرونة لهذا التعدّد، فالأصوات لا تدخل في صراع أيديولوجي مباشر، وإنما تتجاور داخل فضاء شعوري واحد، بحيث تتوزّع الحقيقة بين الذوات المختلفة من دون أن يحتكرها راوٍ واحد. 

أي أنّ الراوي هنا لا يمارس سلطة المعرفة المطلقة، بل يظل جزءاً من الأزمة، يشارك الشخصيات حيرتها، ويكتشف العالم معها، وهو ما يمنح النصّ انفتاحاً دلالياً يحرّر القارئ من سلطة التأويل الواحد.

ويتعزّز هذا البناء من خلال هيمنة ضمير المتكلّم في عدد كبير من القصص، غير أنّ هذا الضمير لا يؤدّي وظيفة الاعتراف التقليدي، بل يتحوّل إلى أداة للكشف عن التشظّي الداخلي. فالأنا في هذه المجموعة ليست ذاتاً مكتملة، وإنما هي ذات تتكلّم من داخل انكسارها، وتعيد بناء صورتها عبر شظايا الذاكرة. وهذا ما يجعل المونولوج الداخلي أحد أهمّ الأدوات الفنية في النصّ، إذ تتراجع الأحداث الخارجية لمصلحة الحركة النفسية، ويصبح الصراع الحقيقي صراعاً بين الذات وصورتها، أو بين الذاكرة وما تبقّى منها.

شبكة النَّصّ

ولا يقتصر تعدّد الأصوات على الراوي، بل يمتدّ إلى طبيعة الشخصيات نفسها. فالشخصيات في "رُباع" غالباً ما تُجرَّد من أسمائها الخاصة، لتظهر بوصفها نماذج إنسانية أكثر من كونها أفراداً محدّدين. الطفل، والعابر، والآخر، والضابط، والقنّاص، والكلب، والطالب،... ليست شخصيات ناقصة التشكيل، وإنما علامات سردية تتيح للنصّ أن يتجاوز الفردي نحو الإنساني العامّ. وهذا الاختيار ينسجم مع رؤية رولان بارت الذي يرى أنّ الشخصية ليست شخصاً بقدر ما هي وظيفة داخل شبكة النصّ، ولذلك فإنّ حضورها لا يقاس بتفاصيلها البيوغرافية، وإنما بقدرتها على إنتاج الدلالة.

وفي هذا السياق يبرز المكان بوصفه شريكاً فاعلاً في تشكيل الشخصية. فالأمكنة في المجموعة ليست مجرّد خلفيّات للأحداث، وإنما كيانات نفسية تتماهى مع حالات الشخوص. الأزقة الضيّقة، والبيوت الخافتة، والممرات المهجورة، كلّها أمكنة تنتج شعوراً دائماً بالاختناق والعزلة، حتى يبدو المكان امتداداً للجسد المنهك. ولعلّ هذا ما يمنح الفضاء القصصي بعداً رمزياً واضحاً، إذ تتحوّل الجغرافيا إلى لغة موازية تكشف ما تعجز الشخصيات عن التصريح به.

ذكريات الزمن المقبل

أما الزمن، فهو من أكثر العناصر تعرّضاً لإعادة التشكيل داخل المجموعة. فمن خلال الاسترجاع، والاستباق، والانقطاعات الزمنية المتكرّرة، ينجح الكاتب في تفكيك خطّية الزمن الواقعي، وهو ما يتقاطع مع تصنيف جيرار جينيت للزمن السردي، حيث تتداخل مستويات النظام والمدة والتواتر في بناء الحكاية. فالماضي لا يظهر بوصفه مرحلة منقضية، وإنما يعود باستمرار ليعيد إنتاج الحاضر، فيما يتوارى المستقبل خلف ضباب من الاحتمالات، لتصبح التجربة الإنسانية دائرة مغلقة من التذكّر وإعادة التذكّر.

وتتجلّى هذه الرؤية بوضوح في رباعيّات مثل "درب"، "ذنب"، "صدع" و"ردم"، حيث تتخذ الحكاية من الشرخ النفسي نقطة انطلاق لها. فالحدث الخارجي يبدو محدوداً، بينما تتسع المساحة المخصصة لتأمّل أثره في الذات. ومن ثمّ فإنّ الفعل السردي الحقيقي لا يتمثّل في وقوع الحدث، بل في الطريقة التي يعيد بها الوعي إنتاجه. هنا يغدو الصدع النفسي أكثر حضوراً من الوقائع التي أنتجته، ويتحوّل "الردم" إلى استعارة لمحاولة الإنسان ترميم ما لا يمكن ترميمه.

ثراء تأويلي

وتبلغ الرمزية ذروتها في رباعية "قصة كلب"، التي لا يمكن قراءتها بوصفها قصة عن كائن حيواني بقدر ما هي بناء استعاري تتعدّد دلالاته. فالكلب يتحوّل إلى علامة مفتوحة على الخوف، والغريزة، والتبعيّة، والسلطة، والمطاردة، بحسب موقعه داخل كلّ مقطع سردي. وهذه القدرة على إبقاء الرمز مفتوحاً أمام احتمالات متعدّدة تمنح النصّ ثراءً تأويلياً، وتجعله أقرب إلى ما يسمّيه أمبرتو إيكو "الأثر المفتوح"، حيث لا يكتمل المعنى إلا عبر مشاركة القارئ في إنتاجه.

غير أنّ أكثر أجزاء المجموعة كثافة من الناحية الفكرية يتمثّل في الرباعية الأخيرة: "العالم السفلي"، "الصراط المستدير"، "الإكسير"، و"العود الأبدي". ففي هذه النصوص يتراجع الواقع المباشر لمصلحة الفضاءات الرمزية، ويتداخل الحلم بالأسطورة، والميتافيزيقا بالتجربة اليومية. ولا يعود السرد معنياً بتسجيل الأحداث، وإنما بالسؤال عن المصير الإنساني، وعن إمكانية الخلاص من دوائر التكرار. 

تستثمر هذه النصوص مفهوم العود الأبدي بوصفه استعارة لدوران الألم الإنساني، من دون أن تقع في النقل الفلسفي المباشر، إذ يظلّ الرمز مندمجاً في النسيج الحكائي.

ومع ذلك، لا تخلو التجربة من بعض الملاحظات النقدية. ففي بعض المواضع تميل اللغة إلى درجة من التجريد الفلسفي تجعل الشخصيات تتحدّث بوعي يتجاوز طبيعتها الدرامية، فتقترب الأصوات المختلفة من نبرة واحدة هي نبرة المؤلف. وهذا يخفّف أحياناً من استقلالية الأصوات التي تقوم عليها البوليفونية السردية الباختينية. 

كما أنّ بعض المقاطع الرمزية ترفع مستوى الإحالة الفكرية إلى درجة قد تجعلها أقلّ شفافية بالنسبة للقارئ الذي يبحث عن مرجع واقعي مباشر. غير أنّ هذه السمات تبدو جزءاً من خيار جمالي واعٍ يفضّل الكثافة والإيحاء على الشرح والتفسير.

اقتصاد تعبيري

وتستمدّ لغة المجموعة قوتها من اقتصادها التعبيري. فهي لغة مقتصدة، تتجنّب الزخرفة البلاغية، وتعتمد الجملة المكثّفة التي تؤدّي أكثر من وظيفة في الوقت نفسه، إذ تصف، وتوحي، وتؤسّس للإيقاع الداخلي للنصّ. وهذا الاقتصاد يعكس ثقة الكاتب في قدرة الإشارة على أن تكون أكثر تأثيراً من الإفاضة، وهو ما يمنح القصص إيقاعاً هادئاً يخفي تحت سطحه توتراً نفسياً دائماً.

وفي المحصّلة، تقدّم "رُباع" الصادرة عن دار دلمون الجديدة في دمشق تجربة قصصية تنتمي إلى السرد العربي المعاصر الذي تجاوز مفهوم الحكاية بوصفها نقلاً للواقع، ليجعلها وسيلة لاكتشاف الوعي الإنساني. فالتعدّد السردي فيها ليس مجرّد تنويع في الضمائر أو الرواة، بل استراتيجية جمالية تعكس تعدّد الرؤى وتشظّي الحقيقة. كما أنّ تداخل الواقعي بالرمزي، والزمن النفسي بالزمن الحكائي، والشخصية بالمكان، يجعل المجموعة نصاً مفتوحاً على قراءات متعدّدة، يرفض أن يمنح قارئه يقيناً نهائياً، ويدعوه باستمرار إلى المشاركة في بناء المعنى.

ومن هنا تكمن القيمة الجمالية الحقيقية لهذا المنجز، إذ استطاع بشار فيوض أن يحوّل القصة القصيرة من حكاية تُروى إلى تجربة تُعاش، وأن يجعل من الاقتصاد اللغوي، والتبئير المتحوّل، والانفتاح التأويلي، أدوات فنية لإنتاج عالم سردي يوازن بين حساسية الواقع وأفق الرمز، مؤكّداً أنّ الأدب لا يكتفي بتمثيل العالم، بل يعيد اختراعه في كلّ قراءة جديدة.

اخترنا لك